بعد مرور وقت قليل على بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران يعترف وزير الخارجية الأميركي ماركو ربيو, أن إسرائيل هي من قررت وبدأت الحرب، وأن الانخراط الأميركي فيها جاء تخوفا من أن تبادر إيران إلى استهداف القواعد والمصالح الأميركية في المنطقة.
يثير هذا الاعتراف جملة من الأسئلة، حول مدى تأثير إسرائيل ولوبياتها على الإدارة الأميركية وعلى الرئيس ترمب شخصيا، ويمتد التشكيك إلى سؤال لنجعل أميركا عظيمه أولا، أم أن إسرائيل أولا والذي يثير جدلا واسعا في المجتمع السياسي الأميركي بما في ذلك تيار «ماغا» الذي يعبر عن أهداف وأجندة الرئيس ترمب.
يبدو أن الإجابة عن السؤال الأول، تتجاوز المعروف عن تأثير اللوبي الصهيوني على الإدارة الأميركية، وحتى عن عمق التزام ترمب بدعم إسرائيل وحكومتها الأكثر تطرفا.
كل الوقت كان الرئيس ترمب يؤكد على أولوية الخط الدبلوماسي والمفاوضات لإخضاع إيران ولكنه اضطر لقطع هذا الخط الذي كان على وشك ان يحقق إنجازا جديا بحسب وزير الخارجية العماني.
يثير تغيير الرئيس ترمب موقفه من جدوى المفاوضات أسئلة تتعلق ربما بأن رئيس حكومة الاحتلال، لديه بعض المستمسكات الخطيرة على الرئيس ترمب، خصوصا فيما يتعلق بفضائح إبستين , التي كانت قيد الملاحقة من قبل الديمقراطيين, والمؤثرين وحتى من بعض أعضاء الكونغرس الجمهوريين, وربما كان الرئيس ترمب يعتقد أن حربا كهذه من شأنها أن تغطي على ملفات إبستين, وفي الوقت ذاته يمكنه من تحقيق إنجاز تاريخي بالسيطرة الكاملة على ثروات المنطقة ومصادر الطاقة, وبالتالي التحكم في إمدادات الطاقة العالمية.
خلال حرب الإثني عشر يوما في مايو/آيار العام المنصرم، حقق الحلف الأميركي الإسرائيلي عنصر المفاجأة وأعتقد هؤلاء أن إيران باتت في أضعف وضع ممكن.
ادعى هؤلاء الانتصار بعد اغتيال قيادات الصف الأول، السياسي والعسكري، وقتل عشرات العلماء وتدمير الدفاعات الجوية، ومراكز تخصيب اليورانيوم.
الحرب الجارية شهدت مفاجآت من قبل الجانب الإيراني، الذي نجح خلال ثمانية أشهر من تحضير نفسه جيدا، حيث استعاد قدراته الصاروخية وترميم بنية النظام، والاحتفاظ بمخزوناته من اليورانيوم المخصب.
ساد الاعتقاد أن الضربة الأولى التي شنتها إسرائيل، ونجحت خلالها من اغتيال المرشد الأعلى خامنئي، ونحو أربعين من القيادات، العسكرية والأمنية السياسية، على أن هذه الضربة ستؤدي إلى اندلاع الاحتجاجات المعارضة للنظام.
وربما أعتقد من خطط لهذه الحرب أن إيران قد لا تلجأ إلى استهداف القواعد الأميركية في دول الخليج, حتى تتجنب استعداء هذه الدول وأنها قد تكون أعجز من أن تغلق مضيق هرمز.
كل هذه المراهنات التي دفعت ترمب ونتنياهو لإعلان الانتصار مبكرا, تشير إلى فشل ذريع, الفشل أولا في تقدير الموقف وقدرة إيران على التحدي وتجاوز الضربات التي استهدفت تفكيك أو إضعاف النظام.
والفشل ثانيا في المراهنة على قدرة المعارضة الإيرانية, وحركة الاحتجاجات, على الأنقاض على نظام يرون أنه متهالك.
والفشل ثالثا بطابع استخباري , حيث لم يتوقع الطرف الذي بادر إلى الحرب أن تكون لدى إيران القدرة على الاستمرار في قصف القواعد والمصالح الأميركية والإسرائيلية على النحو الذي شهد عليه الميدان.
وفشل الطرفان في تحريض دول الخليج والمملكة العربية السعودية من الانخراط في الحرب, بالرغم من المحاولات الإسرائيلية المتكررة عبر عمليات مشبوهة, تنفي إيران المسؤولية عنها, وتعرف دول الخليج مصدرها وأهدافها.
وبينما تستمر لغة التهديد وإعلان انتصار موهوم حتى الآن والإلحاح على استسلام إيران, والتسليم بالشروط الأميركية والإسرائيلية, يحاول الرئيس ترمب تحفيز الوسطاء من أجل وقف الحرب.
سعى الرئيس ترمب لوقف الحرب, دونه إصرار نتنياهو على مواصلة الحرب, ورفض إيران التفاوض بدون الانصياع لشروطها.
وبما أن هذه الحرب، هي حرب الشرق الأوسط على الشرق الأوسط، فإن نتنياهو يحاول إدامتها، حتى لو توقفت مع إيران.
إذ يسعى إلى توسيع الحرب على لبنان, بهدف القضاء على قدرات حزب الله العسكرية والسياسية والتنفيذية, وربما يعود أيضا لفتح جبهة غزة، فضلا عن أن حربه مفتوحة على الضفة الغربية والقدس.
ستتوقف هذه الحرب بعد أيام وأسابيع, ولكن إذا كان نتنياهو يأمل في أن تؤدي إلى تفكيك دول المنطقة، وتحقيق السيطرة وأوهام إسرائيل الكبرى، فأنها أيضا قد تؤدي إلى العكس.
بمعنى أن تشهد المنطقة تغييرات سياسية عميقة بشأن أمنها الاستراتيجي والوجودي وبشأن تحالفاتها التقليدية وموقفها من إسرائيل ومخططاتها التوسعية في طول المنطقة وعرضها, بما يمكن اعتباره صحوة عربية ذات أبعاد استراتيجية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك