يقترح مجلس المنافسة منح الصيدلي حق استبدال الدواء الذي يصفه الطبيب بدواء آخر.
بل إن المجلس يذهب أبعد من ذلك، حين يطرح إمكانية أن يضيف الصيدلي دواءً آخر خارج ما ورد في الوصفة الطبية.
فإلى أي حد يمكن أن يمتد هذا الحق؟ وأين تقف حدود المسؤولية الطبية؟في معظم الأنظمة الصحية عبر العالم، تبقى مسؤولية وصف العلاج من اختصاص الطبيب، بينما تقع على عاتق الصيدلي مسؤولية صرف الدواء بشكل صحيح وآمن.
غير أن مسألة استبدال الأدوية من قبل الصيدلي تعود باستمرار إلى الواجهة في النقاشات الصحية الحديثة.
فبين ضرورات التحكم في كلفة العلاج، وتسهيل الولوج إلى الأدوية، وضمان سلامة المرضى، يظل التوازن دقيقاً.
لأن الصيدلي، رغم دوره المحوري في منظومة العلاج، لا يمارس فعل التشخيص الطبي، ولا يتحمل مسؤولية القرار العلاجي الأولي.
يقصد بالاستبدال الدوائي أن يقوم الصيدلي بصرف دواء مختلف عن ذلك المكتوب في الوصفة الطبية، مع الحفاظ على نفس المادة الفعالة، ونفس الجرعة، ونفس الاستطباب العلاجي.
وغالباً ما يرتبط هذا الإجراء باستعمال الأدوية الجنيسة Génériquesوقد شجعت العديد من الدول هذه الممارسة من أجل تقليص كلفة العلاجات وتوسيع إمكانية حصول المرضى على الأدوية.
وترى منظمة الصحة العالمية أن استعمال الأدوية الجنيسة يمثل أداة مهمة لتحسين الولوج إلى الأدوية الأساسية.
لكن هذا الاستبدال لا يمكن أن يكون مقبولاً إلا في إطار تنظيمي صارم وواضح.
فوفق التوصيات الدولية، ينبغي احترام مجموعة من القواعد الأساسية.
إذ يجب أن يحتوي الدواء المستبدل على نفس المادة الفعالة التي يتضمنها الدواء الأصلي، وأن يقدم نفس التركيز، وأن تكون تكافؤه الحيوي مثبتاً علمياً.
كما يجب أن يكون الدواء معترفاً به ضمن فئة علاجية محددة، وأن يكون مرخصاً من طرف السلطة الوطنية المكلفة بتنظيم الأدوية.
وفي عدد من البلدان، يحق للطبيب أيضاً أن يعارض عملية الاستبدال عبر كتابة عبارة “غير قابل للاستبدال” على الوصفة الطبية.
وهذه الإشارة تعني أن العلاج الموصوف يرتبط بوضعية صحية دقيقة قد يؤدي أي تغيير فيها إلى التأثير على فعالية الدواء أو درجة تحمله لدى المريض.
ذلك أن جميع الأدوية ليست قابلة للاستبدال.
فبعض الفئات العلاجية تظل شديدة الحساسية لأي تغيير.
ومن بين هذه الأدوية بعض علاجات الصرع، والهرمونات الخاصة بعلاج اضطرابات الغدة الدرقية، والأدوية المثبطة للمناعة المستعملة بعد عمليات زرع الأعضاء، إضافة إلى بعض مضادات التخثر.
وفي مثل هذه الحالات، قد يؤدي تعديل يبدو بسيطاً في الدواء إلى عواقب صحية خطيرة.
وتزداد الإشكالية تعقيداً عندما يتم الاستبدال بطريقة غير سليمة.
فـالاستبدال الخاطئ قد يقود إلى أخطاء في الجرعات، أو إلى تفاعلات دوائية غير متوقعة، أو إلى فقدان الفعالية العلاجية.
وفي الأمراض المزمنة أو الحالات المرضية الخطيرة، قد يؤدي ذلك إلى اختلال التوازن الصحي للمريض.
ولا تقتصر المخاطر على الجانب الطبي فقط، بل تمتد أيضاً إلى البعد القانوني.
ففي معظم الأنظمة الصحية، يتحمل الطبيب مسؤولية الوصفة العلاجية، بينما يتحمل الصيدلي مسؤولية صرف الدواء بالشكل الصحيح.
وإذا تم استبدال الدواء بشكل غير ملائم، فقد يتم تفعيل المسؤولية المهنية والقانونية.
سؤال آخر يثير بدوره نقاشاً داخل الرأي العام: هل يمكن للصيدلي أن يضيف دواءً لم يذكر في الوصفة الطبية؟الهيئات الصحية الدولية، بما في ذلك منظمة الصحة العالمية، لا تعترف للصيدلي بحق إضافة دواء إلى وصفة طبية دون مبرر تنظيمي واضح.
فصرف دواء إضافي خارج ما ورد في الوصفة يعتبر في الغالب فعلاً يدخل في نطاق الوصف الطبي، وهو اختصاص الطبيب.
صحيح أن بعض الدول تسمح باستثناءات محدودة، خاصة فيما يتعلق بالأدوية التي تباع دون وصفة طبية، أو في إطار بروتوكولات صحية خاصة بالصحة العمومية.
لكن هذه الحالات تظل مؤطرة بقواعد دقيقة ولا يمكن أن تحل محل الدور العلاجي للطبيب.
وفي الأنظمة الصحية المتوازنة، تقوم العلاقة بين الطبيب والصيدلي على التكامل لا التنافس.
فالطبيب يشخص المرض ويحدد الاستراتيجية العلاجية.
أما الصيدلي فيؤمن صرف الدواء بالشكل الصحيح، ويتحقق من التفاعلات الدوائية المحتملة، ويقدم للمريض النصائح الضرورية حول كيفية استعمال العلاج.
وفي زمن تبحث فيه الأنظمة الصحية عن تحسين الولوج إلى العلاجات مع التحكم في النفقات، قد يكون الاستبدال الدوائي أداة مفيدة.
لكن هذه الأداة يجب ألا تتحول إلى آلية تجارية أو إدارية آلية.
لأن وراء كل وصفة طبية قراراً علاجيا دقيقاً، ومسؤولية طبية واضحة، وقبل كل شيء سلامة مريض.
الدكتور أنور الشرقاوي، خبير في التواصل الطبي والإعلام الصحي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك