هل هى مجرد صدفة خلقها هذا العدد الكبير من الأعمال الدرامية المعروضة فى رمضان هذه السنة، ومن ثم كان هذا التشابه؟هل هى ظاهرة مجتمعية حقيقية أفرزها الواقع، وكان على الفن أن يحاكيها درامياً بحثاً عن ذلك الدور الذى يجب أن يلعبه الفن عامة والدراما بوجه خاص؟هل هو اتفاق غير معلن من جانب صناع الدراما بالتركيز على تلك القضايا بحثاً عن الإثارة المتوفرة فى قصص كهذه؟كل هذه الأسئلة والاحتمالات فرضها تعدد قصص المسلسلات الرمضانية المأخوذة من صفحات الحوادث والقضايا فى مصر خلال الأعوام الأخيرة الماضية، هناك مثلاً حلقات «حكاية نرجس» تأليف عمار صبرى وإخراج سامح علاء وبطولة ريهام عبدالغفور التى امتلكت الجرأة وأعادت على الشاشة إحياء قصة «عزيزة» خاطفة الأطفال الرضع والمعروفة إعلامياً بـ«بنت إبليس» والتى هزت المجتمع المصرى قبل سنوات، ولا يزال إلى الآن أحد المخطوفين يبحث عن أسرته الحقيقية بعد أعوام من وقوع الجريمة، وها هى هند صبرى تتحول فى «مناعة» إلى أشهر تاجرة مخدرات فى حى الباطنية الشهير عرفتها مصر خلال عقد الثمانينات، وربما فى تاريخ الاتجار بالمخدرات بوجه عام، وذلك فى مسلسل وضع قصته عباس أبوالحسن، وكتب له السيناريو والحوار عمرو الدالى، وأخرجه حسين المنباوى، ثم هناك أيضاً مسلسل «إفراج» من تأليف الثلاثى أحمد حلبة ومحمد فوزى ومحمد بكر، وإخراج أحمد خالد موسى، الذى يبدو أنه مزج بين جريمتين شغلتا الرأى العام قبل سنوات، الأولى شهدتها محافظة الفيوم عن خالد فرجانى مدرس اللغة الإنجليزية الذى قتل زوجته وأبناءه الأربعة، ثم قام بتسليم نفسه، ولا تزال خيوط القضية غامضة رغم صدور الحكم بإدانته، أما الثانية فتخص ما عُرف إعلامياً بـ«سفاح طوخ» الذى قتل زوجته وأبناءه، وأشعل فيهم النيران، وحُكم عليه بالسجن حتى خرج ليواجه المجتمع، ولا نغفل حلقات «الست موناليزا» بطولة مى عمر، وتأليف محمد سيد بشير وإخراج محمد على، وهى تحكى عن تلك المرأة التى جمعت بين زوجين فى وقت واحد، وعن جريمة قتل أحد الأزواج بسبب العنف الأسرى، فإذا ما أضفنا إلى تلك الأعمال مسلسل «روج أسود» المأخوذ عن ملفات محكمة الأسرة ومن بطولة رانيا يوسف، أدركنا أن الأمر قد يتجاوز الصدفة، وأنه بحاجة إلى وقفة للتأمل.
وقد يقول قائل إن هذا ليس جديداً، وإن الأعمال الفنية لها تاريخ طويل فى استلهام حكاياتها من صفحات الحوادث من أول فيلم «أولاد الذوات» سنة 1932 المأخوذ عن حكاية على فهمى شقيق السيدة عائشة فهمى الذى قتل صديقته الأجنبية زمن الاستعمار البريطانى فى مصر، مروراً بجرائم ريا وسكينة وخط الصعيد والسفاح محمود سليمان وطبيبة الإسكندرية عايدة، وصولاً إلى قصة سفاح الجيزة التى قدمتها الدراما المصرية مؤخراً، لكن كل هذه الأعمال كانت على مر السنين، ولم يتزامن تناولها فى وقت واحد كهذا الذى حدث فى دراما رمضان، وهنا تتداعى فى الذهن مجموعة من الأفكار عن جدوى تقديم هذه النماذج السلبية فى أعمال درامية، وإلباسها ثوب البطولة، وأن مثل هذه الجرائم، ومهما شغلت الرأى العام فى وقتها فإنها تتوارى مع مرور الزمن، وتصبح فقط نزيلة أرشيف الصحف والمجلات، فإذا بالأعمال الدرامية تعيدها حية من جديد، وتدفع بمحركات البحث فى عصر الإنترنت من أجل إشباع فضول الناس والنبش فى ماضٍ تولى، فضلاً عن أن الإلحاح على تقديم بعضها كحال حكاية «ريا وسكينة» -مثلاً- التى تم تقديمها كثيراً قد يحيل هذه الحكايات إلى جزء من الموروث الشعبى.
طبعاً من الممكن تفهُّم أن الجناة فى هذه الجرائم لا يفلتون من العقاب، وأن تلك الحكايات يتم تقديمها تحت شعار «الجريمة لا تفيد»، كعظة وتنبيه لكل من يفكر فى ارتكاب أى جريمة، وأنها درامياً تحمل كل مشهيات الفرجة والنجاح، لكن علينا أيضاً دراسة هذه الظاهرة وتأثيرها على المتلقى فردياً واجتماعياً، وأعلم جيداً أن هناك العديد من الدراسات البحثية والاستقصائية فى المركز القومى للبحوث الجنائية والاجتماعية تعرضت لهذه الظاهرة، ومن الممكن الرجوع إليها والاستفادة من توصياتها، وفى مقابل ذلك لا بد للأعمال الدرامية من إبراز النماذج الإيجابية فى التاريخ المصرى قديمه وحديثه وتقديمها للمشاهد باعتبارها نماذج ملهمة قادرة على إزكاء روح الانتماء والتشجيع على العمل والبناء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك