خلال أزمات الطاقة في سبعينيات القرن الماضي، حين هزّت قراراتُ حظر تصدير النفط من الشرق الأوسط اقتصاداتِ الدول الغربية وكشفت اعتمادها على النفط المستورد، بدأ بعض العلماء بالتفكير خارج الصندوق.
وكان من بينهم الفيزيائي «جيرارد ك.
أونيل» من جامعة برينستون، الذي اقترح تسخيرَ طاقة الشمس اللامحدودة بالفضاء الخارجي.
وكان يتبنى رؤيةً جريئةً تتضمن إقامةَ منشآت عملاقة في المدار لجمع الطاقة الشمسية ونقلها إلى الأرض، لتوفر مصدراً للكهرباء غير محدود ولا ينضب.
وكان الأساس العلمي وراء هذا الاقتراح متيناً، فالطاقة الشمسية في الفضاء وفيرة ومستمرة، ولا تتأثر بالغيوم أو دورة الليل والنهار.
ولم يكن التحدي في قوانين الفيزياء، بل كان في الهندسة والاقتصاد، إذ كان بناء منشآت ضخمة في المدار، ونقل المواد إلى الفضاء، ونقل الطاقة بأمان إلى الأرض، أموراً تتجاوز إمكانيات وميزانيات تلك الفترة بكثير.
كما أن التطورات على الأرض خففت من الحاجة إلى مثل تلك المشاريع الطموحة.
وأطلقت الحكومات وشركات الطاقة حملات واسعةً لحل أزمات النفط والبحث عن مصادر بديلة للإمدادات.
وتم تطوير حقول جديدة للنفط والغاز في بحر الشمال وألاسكا وأميركا اللاتينية وإفريقيا.
ومع استقرار أسواق الطاقة وزيادة المعروض من الوقود، تراجع الاهتمام بالطاقة الشمسية الفضائية واسعة النطاق.
لكن بعد نصف قرن، يجد العالَمُ نفسَه أمام تحدٍ جديد في مجال الطاقة.
فالنمو المتسارع للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ومراكز البيانات المتقدمة.
جميعُها عوامل تخلق طلباً غير مسبوق على الكهرباء.
فكل جيل جديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى قدرات حوسبة هائلة، وهذه بدورها تحتاج بدورها إلى كميات ضخمة من الطاقة.
وبذلك فإن الثورة الرقمية، التي تَعد بتحقيق تطورات استثنائية في مجالات الطب والتعليم والعلوم والإنتاجية، ستعتمد في النهاية على قدرة المجتمعات على توليد كهرباء كافية لدعمها.
ولا تعتبر العلوم الأساسية هي التي تغيّرت منذ سبعينيات القرن الماضي، بل اقتصاديات الوصول إلى الفضاء.
فقد ساهمت الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، التي طورتها وحسّنتها شركاتٌ خاصة، في تخفيضات كبيرة في تكاليف الإطلاق.
كما حسّنت التطوراتُ في تكنولوجيا الطاقة الشمسية الكفاءةَ، مع تقليل تكاليف التصنيع.
أما المواد الجديدة، والروبوتات، والأنظمة ذاتية التشغيل، فقد سهلت تصوّر بناء وصيانة منشآت ضخمة في المدار.
ونتيجةً لذلك، تحظى أفكارٌ كانت تُعتبر ضرباً من الخيال العلمي باهتمام جاد من جديد.
ويعيد المهندسون وصنّاع السياسات دراسةَ مشروعات محطات الطاقة الشمسية الفضائية القادرة على جمع ضوء الشمس باستمرار ونقل الطاقة إلى الأرض.
ولم يعُد التساؤل هو ما إذا كانت قوانين الفيزياء تسمح بوجود مثل هذه الأنظمة، بل هو ما إذا كانت هناك جدوى اقتصادية ستبرر تنفيذَها قريباً.
ولا تُعدّ الطاقة الشمسية الفضائية الخيار الوحيد في سباق تلبية احتياجات الطاقة المستقبلية.
فالاندماج النووي يواصل التقدمَ نحو تحقيق جدوى تجارية.
وتتوسع مزارع الطاقة الشمسية التقليدية بسرعة في جميع أنحاء العالم، كما تُحسن التطورات في مجال بطاريات التخزين وشبكات نقل الكهرباء كفاءةَ أنظمة الطاقة المتجددة الأرضية.
وقد يشمل مزيجُ الطاقة المستقبلي جميعَ تلك التقنيات مجتمعةً.
ومع ذلك، تظل هناك جاذبية خاصة للرؤية التي طُرحت لأول مرة إبان بروز المخاوف المرتبطة بأزمة الطاقة في سبعينيات القرن الماضي.
فالبشرية تتلقى من الشمس طاقةً تَفُوقُ بكثير ما يمكنها استهلاكه.
ولطالما كانت المشكلة تكمن في إيجاد وسائل عملية لالتقاط تلك الطاقة وتوزيعها.
وإذا استمرت تقنيات الطاقة الشمسية الفضائية والاندماج النووي والطاقة المتجددة الأرضية في التقدم، فقد يدخل العالم عصراً من الوفرة الكهربائية، ويدعم نمو الذكاء الاصطناعي والعديد من التقنيات الأخرى القادرة على تحسين رفاهية البشر وتعزيز الازدهار الاقتصادي.
وتعتبر العقود القادمة حاسمة في تحديد ما إذا كان حلم استغلال طاقة الشمس من الفضاء سيبقى مجرد فكرة أم سيصبح أحد أبرز إنجازات القرن ال21.
ويشير التاريخ إلى أن ما يتخيله البشر بالأمس قد يتحول إلى بنية تحتية في عالم الغد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك