تناولت فى المقالين السابقين الأفكار الرئيسية لكتاب الشيخ على عبدالرازق «الإسلام وأصول الحكم»، وهنا أبدأ فى تناول المعركة التى أثارها الكتاب وقت صدوره.
ففى أيامه أثار الكتاب ضجة عارمة، وتنافست الأقلام حوله، قدحاً ومدحاً، فأحط بعضها من شأن مؤلفه إلى أسفل سافلين، وأعلاه بعضها إلى منزلة راقية من الشجاعة والفهم.
وكان من أوائل من تصدوا للكتاب نقداً وتجريحاً الشيخ محمد بخيت المطيعى، مفتى الديار المصرية، فى زمن سابق على أيام المعركة، الذى ألَّف كتاباً وسمه بـ«حقيقة الإسلام وأصول الحكم» يربو على أربعمائة وخمسين صفحة، قال فيه: «ظهر فى هذا الزمان كتاب اسمه الإسلام وأصول الحكم، نسب تأليفه إلى الشيخ على عبدالرازق القاضى بمحكمة المنصورة الشرعية حالاً، فاطلعنا عليه، فوجدنا أنه لم يذكر فى كتابه هذا رأياً إيجابياً ينسبه لنفسه، ويقيم عليه البرهان، بل كل ما قاله فى هذا الكتاب قضايا سالبة، وإنكار محض لما أجمع عليه المسلمون أو نص عليه صريحاً فى الكتاب العزيز أو السنة النبوية، مع أن تلك المسائل التى أنكرها وأنكر أدلتها مسائل فقهية شرعية لا يجوز الخوض فيها بمجرد العقل».
ويمضى «المطيعى» مستغرباً أن يصدر هذا الكتاب أصلاً، وينكر على مؤلفه مكانته أو دينه أو وظيفته ويعتبر الكتاب: «كفر صريح يجب على قائله أن يتوب منه، ليرجع إلى حظيرة الإسلام»، بل يقسو فى نقده إلى درجة الحديث عن انتحال «عبدالرازق» للكتاب أو ادعائه أنه المؤلف الحقيقى له، وهنا يقول: «علمنا من كثيرين ممن يترددون على المؤلف أن الكتاب ليس فيه إلا وضع اسمه عليه فقط، فهو منسوب إليه فقط».
ثم ينهال على المؤلف بأوصاف لاذعة من قبيل «الطفل» و«الأبله» و«أعمى البصيرة» و«العابث بالأمن العام» و«الساعى فى الأرض بالفساد» و«الطاعن فى الملوك» و«المعتدى على الأمة» و«الظالم.
المعاند.
الكاذب.
الملحد.
الكافر.
الفاسق».
ثم يصف كل من يقف إلى جانب «عبدالرازق» بأنه «شيوعى، واشتراكى، وملحد».
وبعد أن طعن فى شخص «عبدالرازق» راح «المطيعى» يدافع عن الخلافة، ويصفها بأنها «أكمل أنواع الحكومات»، وأنها «منصب شريف عظيم، ونعمة كبيرة من نعم الله تعالى.
وهى الشبح المخيف الذى لو رآه أشجع رجل فى أوروبا، ولو فى منامه، لقام فزعاً يرتجف قلبه، وتعلوه رعدة كما ارتعد العصفور بلَّله القطر، أو كما ارتعد المحموم خالطته البردة»، ثم يقرر أن نكبات المسلمين قد بدأت حين تخلَّوا عن الخلافة، ولذا فإنهم بحاجة ماسة إليها فى دينهم ودنياهم.
لكن «المطيعى» لم يقدم حجة دامغة، ولا برهاناً ناصعاً مقنعاً، على دفاعه عن نظام الخلافة، مكتفياً بالادعاء بأن القرآن الكريم هو الذى أوجبها.
ورغم أن القرآن لم يذكر الخلافة لفظاً، فإن «المطيعى» لا يعنيه هذا، ولا يرى من الضرورة أن يذكر القرآن هذا اللفظ، وأنه يكفينا قول الله سبحانه وتعالى: «يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم».
وبالطبع فإن «المطيعى» لم يلتفت إلى أن الآية الكريمة تقول: «أولى الأمر منكم» وليس «أولى الأمر عليكم»، وشتان بين «منكم»، أى باختيارنا، و«عليكم» أى بفرض الحاكم على الناس فرضاً، بالتغلب.
ولم يقف «المطيعى» عند هذا الحد، بل راح يدافع عن «الملوك»، ويرفض طلب «عبدالرازق» بتقييد سلطانهم أو محاسبتهم قائلاً: «.
أيريد المؤلف أن يكون الناس فى فوضى لا ملك لهم ولا رئيس.
أم يريد أن الملك يترك ملكه لمن يعبث به، ويترك أمته لمن يستولى عليها، ويترك عرشه فتتسلط عليه الرعاع وسفلة الناس».
من جانبه ذهب الشيخ رشيد رضا إلى أن كتاب عبدالرازق ينطوى على دعوة بل بدعة غاية فى الخطورة، لأمرين: الأول أن مؤلفه قاضٍ شرعى وعالم أزهرى، مما يعزز الالتباس حوله، والثانى أن الكتاب «هدم لحكم الإسلام وشرعه من أساسه وتفريق لجماعته وإباحة مطلقة لعصيان الله ورسوله فى جميع الأحكام الشرعية الدنيوية من أحكام شخصية وسياسية ومدنية وجنائية وتجهيل للمسلمين كافة».
ومع أن «رضا» لم يكفر المؤلف واكتفى من جانبه بالقول: «لا نقول فى شخص صاحبه شيئاً فحسابه على الله تعالى»، إلا أنه طالب مشيخة الأزهر بألا تسكت عنه.
وتعلن حكم الإسلام فى كتابه.
حتى لا يقول هو وأنصاره إن سكوتهم عنه إجازة له أو عجز عن الرد عليه».
وقد نصح «رضا» العلماء بألا يضغطوا على الحكومة ليدفعوها إلى اتخاذ إجراء بشأن الكتاب أو صاحبه، لأن فى هذا تعظيماً لشأن الكتاب لا يستحقه واعترافاً ضمنياً بالعجز عن الرد عليه.
أما إسماعيل مظهر فقد وصف ما أقدم عليه على عبدالرازق بأنه «قد يكون خطأ فاحشاً»، ولم يوافقه على أن «الخلافة ليست هى نظام الحكم الإسلام….

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك