بينما كان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يدخل عامه الثمانين محاطا بمظاهر القوة والاستعراض السياسي، بدأت مؤسسات الحكم في الولايات المتحدة تبعث بإشارات متزايدة إلى أن الرئيس الذي بدا خلال الأشهر الماضية وكأنه يتجاوز كل القيود لم يعد يتمتع بالحصانة السياسية نفسها.
فمن الكونغرس إلى القضاء، ومن استطلاعات الرأي إلى أوساط حزبه الجمهوري، تتراكم المؤشرات على أن مرحلة جديدة قد بدأت، عنوانها اختبار حدود نفوذ الرئيس ترمب، وقدرته على فرض أجندته في الداخل والخارج.
رصدت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية في تقرير لمراسلها في واشنطن، جيمس بوليتي، سلسلة من الانتكاسات السياسية التي تعرض لها ترمب خلال أسبوع واحد، معتبرة أنها تمثل ضربة لصورة" الرئيس الذي لا يُقهر" التي أحاطت به منذ عودته إلى البيت الأبيض في 20 يناير/كانون الثاني 2025.
list 1 of 2مراكز ترحيل في دول ثالثة.
طالبو اللجوء إلى أوروبا أمام مصير مجهولlist 2 of 2مقال في الغارديان: واشنطن وطهران تعتقدان أنهما تنتصران لكنهما تخسرانووفق التقرير، واجه ترمب هزائم متزامنة على أكثر من جبهة؛ إذ أمر قاض بإزالة اسمه من مركز كينيدي الثقافي في واشنطن، بينما صوّت مجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون على تقييد استمرار العمليات العسكرية ضد إيران دون تفويض من الكونغرس، كما رفض مجلس الشيوخ تمويل مشروع قاعة الاحتفالات الضخمة التي كان ترمب يسعى إلى بنائها في البيت الأبيض.
ولم تتوقف الضربات عند هذا الحد، إذ اضطر الرئيس إلى التخلي عن مشروع صندوق بقيمة 1.
8 مليار دولار لتعويض من يعتبرون أنفسهم ضحايا" تسييس العدالة"، بعدما تعرض المشروع لانتقادات واسعة باعتباره صندوقا مخصصا لمكافأة حلفائه وأنصاره.
سياسات ترمب تؤدي إلى تغذية التضخم، وهو لا يحظى بشعبية واسعة والأمريكيون لا يعجبهم هذا الوضع، والعالم كله لا يرحب بسياساته، وحتى عددا صغيرا من الجمهوريين لم يعد يحبها أيضاونقلت الصحيفة عن مات داليك، المؤرخ وأستاذ الإدارة السياسية في جامعة جورج واشنطن، القول إن" سياسات ترمب تؤدي إلى تغذية التضخم، وهو لا يحظى بشعبية واسعة والأمريكيون لا يعجبهم هذا الوضع".
وأضاف أن" العالم كله لا يرحب بسياساته، وحتى عددا صغيرا من الجمهوريين لم يعد يحبها أيضا"، معربا عن اعتقاده بأن" هذا المزيج قد أرسى حقبة جديدة من القيود على ترمب"، في إشارة إلى عودة المؤسسات الأمريكية للعب دور أكثر فاعلية في كبح السلطة التنفيذية.
تأتي هذه" الانتكاسات" بالتزامن مع تراجع ملحوظ في مستويات تأييد الرئيس الأمريكي في استطلاعات الرأي، والتي أظهرت فقدان الشارع الثقة في إدارته للملفين الاقتصادي والسياسي الخارجي.
ورغم أن ترمب ما زال يحكم قبضته على القاعدة الجمهورية، فإن الأشهر الأخيرة كشفت عن تصدعات داخل الحزب.
وأشار التقرير في هذا الصدد إلى أن مرشحين من حركة ماغا المؤيدة له نجحوا في إقصاء عدد من النواب الجمهوريين البارزين في الانتخابات التمهيدية للحزب.
لكن الصحيفة تقول إن التوقعات تشير إلى إمكانية خسارة الحزب الجمهوري للأغلبية في مجلس النواب خلال انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، بل إن سيطرتهم على مجلس الشيوخ أصبحت في خطر نتيجة دعم ترمب لمرشحين يوصفون بالمتطرفين.
وقد تجلى هذا التمرّد الحزبي بوضوح في تصويت مجلس النواب لتقييد العمليات العسكرية ضد إيران بدون إذن الكونغرس، وهو تصويت رمزي شارك فيه 4 نواب جمهوريين.
وفي هذا السياق، عبّر النائب الجمهوري توم باريت عن هذا الموقف عبر منصة إكس قائلا: " لقد حان الوقت لكي يحدد الكونغرس الحدود المناسبة لاستخدام القوة في إيران".
وفي المقابل، هاجم ترمب هذا القرار بحدة عبر منصته (تروث سوشيال)، واصفا الخطوة بأنها" عمل غير وطني".
وطبقا لفايننشال تايمز، فإن الخلافات لم تقتصر على الملف العسكري، بل امتدت لتشمل التعيينات السياسية؛ عقب تعيين بيل بولتي -المسؤول الفيدرالي عن قطاع الإسكان- مديرا مؤقتا للاستخبارات الوطنية رغم افتقاره للخبرة في هذا المجال، مما أثار استياء واسعا أجبر ترمب على التراجع جزئيا والتأكيد على أن المنصب مؤقت ولن يكون دائما.
شين أوغرادي: ترمب يعيش في" عالم متخيل" يعتقد فيه أنه حل جميع أزمات العالم وحقق أعظم اقتصاد في التاريخمن ناحية أخرى، أوردت الصحيفة في تقريرها تصريحا لجوليان زيليزر المؤرخ السياسي في جامعة برينستون، قال فيه إن ترمب يختلف عن معظم السياسيين التقليديين لأنه" مستعد للمخاطرة بالاستقرار الدستوري ولا يشعر بثقل الإحراج السياسي كما يفعل الآخرون".
لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن التمرد داخل الحزب الجمهوري قد يكون عابرا، مضيفا أنه من الممكن أن يعود المشرعون الجمهوريون إلى الاصطفاف خلف الرئيس إذا اقتضت مصالح الحزب ذلك.
أما داليك فكان أكثر حدة حين قال: " قبل عام كان كثيرون يعتقدون أن ترمب يتجاوز جميع القيود ويتجاهل كل أدوات الرقابة على سلطته، لكن هذه الضوابط بدأت تعيد فرض نفسها تدريجيا".
وأضاف بنبرة لافتة: " ترمب ليس إلها، ولا ملكا، حتى لو كان يعشق تقمص هذا الدور".
وفي زاوية رأي نشرتها صحيفة إندبندنت، قدّم الكاتب شين أوغرادي قراءة أكثر قسوة للرئيس الأمريكي مع اقتراب عيد ميلاده الثمانين، معتبرا أن الأيام الأخيرة كشفت عن انفصال متزايد بين ترمب والواقع.
وسخر الكاتب من سلسلة تصريحات وأفكار طرحها الرئيس مؤخرا، من بينها رغبته في تحويل فعاليات بطولة الفنون القتالية المختلطة، المعروفة اختصارا بــ" يو إف سي" (UFC)، إلى جزء دائم من المشهد في واشنطن، وحديثه عن أحجام المسطحات المائية والنصب التذكارية، إضافة إلى إعلانه المتكرر عن قرب انتهاء نزاعات وحروب لم تنتهِ فعليا.
ويرى أوغرادي أن ترمب يعيش في" عالم متخيل" يعتقد فيه أنه حل جميع أزمات العالم وحقق أعظم اقتصاد في التاريخ، مشيرا إلى تراجع ظهوره العلني خلال الفترة الأخيرة وتقليص نشاطاته الجماهيرية والمؤتمرات الصحفية.
ونقل الكاتب عن أندرو بيتس، المتحدث السابق باسم البيت الأبيض في عهد الرئيس جو بايدن، قوله إن غياب ترمب المتزايد عن الأنظار يمثل أزمة حقيقية للمرشحين الجمهوريين، لأن الناخبين باتوا يرون بصورة أوضح انشغاله بمشروعاته الشخصية وصراعاته الخاصة.
أندرو بيتس، المتحدث السابق باسم البيت الأبيض في عهد الرئيس جو بايدن، يؤكد أن غياب ترمب المتزايد عن الأنظار يمثل أزمة حقيقية للمرشحين الجمهوريينوأضاف أن" تواري ترمب يتجلى في عدم قدرته المتزايدة على التظاهر بالاهتمام بأي شيء سوى جني الأموال من المكلفين بالضرائب وبناء نصب تذكارية لنفسه.
وعندما يظهر، يقول إنه لا يفكر في الموارد المالية للأمريكيين ولو قليلا، بينما يستمر خلف الكواليس في كتابة منشورات غاضبة".
ويرى المحللون أن هذه" الانتكاسات" لا تعني أن دونالد ترمب فقد قبضته على المشهد السياسي الأمريكي، لكنه يواجه للمرة الأولى منذ عودته إلى البيت الأبيض مؤشرات واضحة على أن سلطته لم تعد مطلقة كما بدت في الأشهر الماضية.
فبينما تتراجع شعبيته وتتصاعد الاعتراضات داخل مؤسسات الدولة وحتى داخل حزبه الجمهوري، يزداد السؤال إلحاحا في واشنطن: هل تمثل هذه التطورات مجرد عثرات عابرة لرئيس اعتاد تجاوز الأزمات، أم أنها بداية مرحلة جديدة تستعيد فيها المؤسسات الأمريكية قدرتها على كبح نفوذ رجل هيمن طويلا على الساحة السياسية العالمية؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك