نادراً ما يشارك فريق وطني في نهائيات كأس العالم وهو يدافع عن مشروع رياضي كامل أكثر مما يدافع عن فرصه في المنافسة، لكن هذه هي حال المنتخب الأميركي لكرة القدم قبل انطلاق نسخة 2026 التي تشارك بلاده في استضافتها بالتعاون مع كندا والمكسيك.
فبعد عقود من الاستثمار في اللعبة ومحاولات متواصلة لانتزاع مكانة أكبر لكرة القدم داخل واحدة من أكثر الأسواق الرياضية تنافسية في العالم، تبدو البطولة التي تستضيفها أميركا بين الـ11 من يونيو (حزيران) الجاري والـ19 من يوليو (تموز) المقبل، بمثابة اختبار حقيقي لمدى نجاح هذا المشروع.
ولن يكون الطريق ممهداً أمام أصحاب الأرض، إذ أوقعتهم القرعة في المجموعة الرابعة التي تبدو متوازنة أكثر مما قد توحي به الأسماء.
فتركيا تعود إلى كأس العالم مدعومة بأحد أكثر أجيالها موهبة منذ عقود، وباراغواي استعادت شخصيتها التنافسية بعد سنوات من التراجع، بينما تواصل أستراليا تقديم نفسها كمنتخب يصعب تجاوزه مهما كانت الفوارق الفنية.
ولهذا قد تكون المنافسات بين هذا الرباعي من الأكثر تقارباً على مستوى الحظوظ، مع غياب المرشح المطلق للتأهل إلى الدور التالي.
أثر النجاح على مستقبل كرة القدم الأميركيةوبالنسبة إلى المنتخب الأميركي، لا تتعلق المسألة فقط بعبور دور المجموعات نحو دور الـ32، بل بما يمكن أن يتركه نجاحه من أثر طويل المدى على مستقبل اللعبة داخل البلاد.
فمنذ استضافة كأس العالم للمرة الأولى في 1994، حققت كرة القدم في أميركا تقدماً كبيراً على صعيد البنية التحتية والجماهيرية والدوري المحلي، لكنها لم تنجح بعد في الوصول إلى المكانة التي تتمتع بها الرياضات التقليدية الكبرى.
وتدرك الأوساط الرياضية الأميركية أن بطولة ناجحة على أرضها قد تشكل نقطة تحول تاريخية جديدة، خصوصاً مع وجود جيل يوصف بأنه الأكثر موهبة في تاريخ المنتخب.
لكن هذا الطموح يرافقه ضغط هائل، لأن أي خروج مبكر أمام جماهيره قد يثير تساؤلات جديدة حول مدى تطور المنتخب مقارنة بنظرائه من القوى الكروية التقليدية.
ويقود المدرب الأرجنتيني ماوريسيو بوتشيتينو فريقاً يضم عدداً من أبرز الأسماء التي اعتادت المنافسة في أوروبا، يتقدمهم قائد المنتخب كريستيان بوليسيتش الذي أصبح الوجه الأبرز لكرة القدم الأميركية خلال السنوات الأخيرة.
ويملك المنتخب الأميركي مزيجاً من السرعة والحيوية والخبرة الدولية، كما أن عامل الأرض والجمهور يمنحه أفضلية واضحة مقارنة بمنافسيه.
لكن ما يثير القلق أن الفريق لم يخض تصفيات كأس العالم بسبب استضافته للبطولة، وهو ما حرم الجهاز الفني من اختبارات تنافسية طويلة اعتادت المنتخبات الاستفادة منها لبناء الشخصية الجماعية.
ولذلك قد تظهر أهمية المباراة الافتتاحية أمام باراغواي في الـ12 من يونيو الجاري بوصفها مؤشراً مبكراً على جاهزية المنتخب الأميركي وقدرته على التعامل مع الضغوط.
تركيا تراهن على جيل ذهبي جديدوفي الجهة المقابلة، تصل تركيا إلى البطولة وهي تحمل قدراً مختلفاً من التوقعات.
فبعد سنوات طويلة من التقلبات والإخفاقات في استثمار مواهبها، بدأ شعور جديد بالتفاؤل يتسلل إلى الشارع التركي مع ظهور جيل شاب يملك قدرات فنية لافتة.
ويأتي لاعب وسط ريال مدريد أردا غولر في مقدمة هذا الجيل، بعدما تحول خلال فترة قصيرة إلى أحد أبرز المواهب الصاعدة في أوروبا.
كذلك يبرز مهاجم يوفنتوس كينان يلدز ضمن مجموعة من اللاعبين الذين منحوا الجماهير التركية شعوراً بأن المنتخب قادر أخيراً على بناء مشروع مستدام بدلاً من الاعتماد على نجاحات متفرقة.
لكن التفاؤل لا يخفي بعض المخاوف القديمة.
فالمنتخب التركي لطالما امتلك الموهبة، غير أن مشكلته التاريخية كانت تتمثل في عدم الاستقرار.
فمن مباراة إلى أخرى قد يبدو الفريق قادراً على مقارعة الكبار أو السقوط بصورة مفاجئة أمام منافسين أقل جودة.
ففي مشاركتها الثانية في كأس العالم في نسخة كوريا الجنوبية واليابان 2002 فاجأ الفريق التركي العالم باحتلال المركز الثالث والميدالية البرونزية، ثم سرعان ما اختفى عن المشهد العالمي وغاب عن خمس نسخ متتالية.
وظهرت هذه المشكلة مجدداً خلال الفترة الماضية، عندما جاءت بعض النتائج الكبيرة لتؤكد الإمكانات العالية للفريق، قبل أن تكشف مباريات أخرى عن هشاشة دفاعية وتذبذب ذهني ما زال المدرب الإيطالي فينتشنزو مونتيلا يحاول معالجته.
ولهذا قد تعتمد فرص تركيا في التأهل على قدرتها على تحويل الموهبة الفردية إلى أداء جماعي مستقر، وهو التحدي الذي عجزت أجيال سابقة عن تجاوزه.
باراغواي تستعيد هويتها التنافسيةأما باراغواي فتبدو صاحبة القصة الأكثر إثارة للاهتمام داخل المجموعة.
فقبل فترة قصيرة فقط، كان المنتخب يعيش واحدة من أصعب مراحله الحديثة، بعدما غاب عن كأس العالم لسنوات طويلة - منذ 2010 - وفقد كثيراً من هويته التنافسية التي اشتهر بها في العقد الأول من الألفية.
لكن وصول المدرب الأرجنتيني غوستافو ألفارو غيّر المشهد بصورة لافتة.
فالمخضرم البالغ من العمر 63 سنة لم يكتف بتحسين النتائج، بل أعاد بناء الثقة داخل المجموعة، مستعيناً بأساليب تحفيزية ونفسية غير تقليدية ساعدت اللاعبين على استعادة الإيمان بقدرتهم على منافسة القوى الكبرى في أميركا الجنوبية.
وأسفر هذا التحول عن سلسلة نتائج قوية خلال التصفيات، تضمنت انتصارات على البرازيل والأرجنتين وأوروغواي، وهي نتائج أعادت إلى الأذهان المنتخب الذي بلغ دور الثمانية في مونديال 2010.
وتظل نقطة القوة الأساسية لباراغواي في تنظيمها الدفاعي.
فالفريق من أقل المنتخبات استقبالاً للأهداف، ويعتمد على منظومة جماعية أكثر من اعتماده على النجوم الفرديين.
ويقود المدافع غوستافو غوميز هذه المنظومة التي منحت المنتخب شخصية واضحة تقوم على الصلابة والانضباط والقدرة على استنزاف المنافسين.
وربما لا تقدم باراغواي أكثر كرة قدم جاذبية في المجموعة، لكنها تبدو من أكثر المنتخبات قدرة على تحويل المباريات إلى معارك تكتيكية معقدة، وهو ما قد يمنحها أفضلية في المواجهات الحاسمة.
أستراليا وخبرة البقاء في المنافسةأما أستراليا فتواصل أداء الدور الذي أتقنته على مدى سنوات طويلة، فهي صاحبة المنتخب الذي يقلل كثيرون من حظوظه قبل انطلاق البطولة، ثم يجد طريقة للبقاء في المنافسة حتى اللحظات الأخيرة.
فمنذ انتقالها إلى الاتحاد الآسيوي، أصبحت أستراليا ضيفاً دائماً على كأس العالم، ونجحت في بناء ثقافة تنافسية مستقرة جعلتها من أكثر المنتخبات انضباطاً خارج دائرة القوى التقليدية.
ولا تضم تشكيلة المدرب توني بوبوفيتش أسماء من الصف الأول عالمياً، لكنها تضم مجموعة تؤمن بقدرتها على تجاوز حدودها.
ويعكس تصريح لاعب الوسط جاكسون إيرفين هذا الشعور عندما أكد أن الفريق لا يأمل فقط في تحقيق إنجاز، بل يؤمن فعلاً بقدرته على الذهاب أبعد من أي جيل أسترالي سابق.
ويعتمد المنتخب الأسترالي على القوة البدنية والتنظيم الدفاعي والعمل الجماعي، وهي عناصر سمحت له مراراً بمجاراة منتخبات تتفوق عليه فنياً.
كذلك يراهن على مجموعة من المواهب الشابة التي بدأت تفرض نفسها في أوروبا، مثل نيستوري إيرانكوندا ومحمد توريه، أملاً في إيجاد الحلول الهجومية التي افتقدها الفريق منذ اعتزال الهداف التاريخي تيم كاهيل.
لكن السؤال الذي يرافق أستراليا قبل البطولة يتمثل في قدرتها على صناعة الفارق أمام المنتخبات المتقاربة معها في المستوى.
فالانضباط الدفاعي قد يكون كافياً للبقاء في المنافسة، لكنه لا يضمن دائماً حسم المباريات التي تتطلب قدراً أكبر من الإبداع الهجومي.
وفي النهاية، تبدو المجموعة الرابعة نموذجاً مثالياً للتوازن الذي أراده الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بعد توسيع البطولة إلى 48 منتخباً.
فلا يوجد فيها منتخب يمكن اعتباره مرشحاً مؤكداً للصدارة، ولا فريق يبدو خارج الحسابات تماماً.
ولهذا قد تكون المجموعة الرابعة من المجموعات التي لا تحسمها جودة الأسماء بقدر ما تحسمها القدرة على التعامل مع الضغوط واغتنام التفاصيل الصغيرة، وهي معادلة كثيراً ما صنعت الفارق في بطولات كأس العالم عبر التاريخ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك