في الأسابيع الأخيرة، شهدت بعض الفضاءات الاجتماعية والرقمية بالمغرب انتشار موجة من الأخبار المتداولة حول “اختطاف الأطفال”.
وغالبًا ما تُروَّج هذه الأخبار في هيئة مقاطع فيديو قصيرة أو رسائل تتداول عبر تطبيقات التراسل الفوري، دون سند موثوق أو تحقق مؤسسي.
ولا يمكن التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها تبادلا عابرا لمعلومة غير دقيقة؛ إذ إنها تمثل – في جوهرها – حالة من الإشاعة الاجتماعية التي قد تتحول، إن لم تواجه بوعي ومسؤولية، إلى عامل من عوامل زعزعة السكينة العامة وإضعاف منسوب الثقة داخل المجتمع.
إن ما يرفع “الإشاعة” من مستوى “خطأ معلوماتي” إلى مستوى “ظاهرة اجتماعية” هو قدرتها على إنتاج أثر جماعي: أي نقل الخوف من نطاق فردي إلى نطاق عام، وتحويل الشك إلى سلوك اجتماعي، وتوسيع دائرة التوجس بما يطال أنماط التعايش اليومية.
في علم الاجتماع السياسي، لا تختزل الإشاعة في كونها “معلومة خاطئة”، بل تفهم بوصفها ظاهرة مركبة تتغذى على القلق الاجتماعي، ونقص المعلومات الدقيقة، وسرعة التداول الرقمي.
وقد بين عدد من الباحثين في سوسيولوجيا الإشاعة، من أبرزهم Gordon Allport وLeo Postman، أن الإشاعة تنتشر عندما تتقاطع أهمية الموضوع لدى الرأي العام مع غموض المعطيات المتاحة حوله.
وفي مثل هذه الحالات، يتحول الفراغ المعلوماتي إلى بيئة خصبة لإنتاج روايات متعددة، كثير منها قائم على التخمين أو المبالغة أو حتى التضليل المقصود.
وإذا كانت الإشاعة في بيئات تقليدية تحتاج زمنا لتنتشر، فإنها في البيئة الرقمية تستفيد من خصائص جديدة: اقتصاد الانتباه، وهيمنة خوارزميات التوصية الموجهة للمحتوى الرقمي، وسهولة النسخ وإعادة النشر، وتحوّل المشاركة من فعل تواصلي بسيط إلى آلية تضخيم قد تعيد إنتاج المعنى نفسه آلاف المرات دون زيادة.
في حالة الأخبار المتعلقة باختطاف الأطفال، تتضاعف خطورة الإشاعة لأنها تمس أحد أكثر المواضيع حساسية: أمن الأسرة وحماية الطفولة.
فمجرد تداول خبر غير مؤكد عن اختطاف طفل قادر على خلق حالة من الخوف الجماعي، قد تفضي إلى توترات اجتماعية أو ردود فعل انفعالية قد تطال أشخاصا أبرياء أو فئات اجتماعية بعينها.
وقد شهدت مجتمعات عدة عبر العالم حالات أدت فيها الإشاعات المرتبطة بالخطف إلى اعتداءات جماعية أو مطاردات عشوائية، نتيجة هيمنة منطق الخوف على منطق التحقق.
ومن منظور سوسيولوجيا المخاطر، فإن موضوع الطفولة يملك قابلية عالية لأن يتحول إلى مركز توتر اجتماعي؛ لأن الخطر هنا يستقبل باعتباره تهديدا لقيمة جامعة، فيتشكل ما يشبه الاستنفار العاطفي الذي يسبق الاستنفار العقلاني، ويضعف كوابح التثبت.
ومع ذلك، يقتضي النقاش العمومي الرصين التمييز بين الوقائع المعزولة وبين تحويلها إلى ظاهرة عامة.
فحتى إذا افترضنا، في بعض الحالات النادرة، وقوع حادثة معزولة مرتبطة باختفاء طفل أو محاولة اعتداء، فإن ذلك لا ينبغي أن يدفع الرأي العام إلى التعميم أو إلى بناء تصور جماعي يوحي بوجود ظاهرة منظمة أو واسعة النطاق.
فالتعميم السريع – في مثل هذه الحالات- هو إحدى الآليات الأساسية التي تتغذى عليها الإشاعة؛ حيث تتحول حادثة مفترضة أو محدودة إلى سردية عامة عن “خطر شامل”، بما يرفع منسوب القلق الاجتماعي دون سند واقعي متين.
وتكمن الإشكالية هنا في أن التعميم كخطأ منهجي يعيق الفهم، لا يُنتج تفسيرا فقط، بل ينتج أيضا سلوكا: من انكماش العلاقات الاجتماعية، وتزايد الريبة، وتنامي الاستعداد لتصديق روايات أسوأ، وصولا إلى تبرير ردود فعل غير منضبطة.
لكن قراءة هذه الظاهرة لا ينبغي أن تبقى محصورة في بعدها الاجتماعي فقط؛ إذ يمكن وضعها في سياق أوسع يتصل بما يمكن تسميته الحرب الإدراكية أو حرب المعلومات.
ففي عالم اليوم، لم تعد المواجهة بين الدول محصورة في المجالات العسكرية أو الدبلوماسية التقليدية، بل امتدت إلى الفضاء المعلوماتي والرقمي، حيث تستخدم الأخبار المضللة والإشاعات كوسائل للتأثير في المجتمعات وزعزعة الثقة داخلها.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن استبعاد فرضية أن تكون بعض موجات الإشاعات المنظمة جزءا من محاولات استهداف الاستقرار المجتمعي للمغرب، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية التي جعلت المملكة تحقق تقدما ملحوظًا في ملفات دبلوماسية واستراتيجية عديدة.
فبعد أن تعثرت محاولات الضغط أو الاستهداف في بعض الواجهات الدبلوماسية، قد تنتقل بعض الجهات المعادية إلى استراتيجية الإرباك المجتمعي عبر نشر أخبار مثيرة للقلق، هدفها خلق مناخ من اللايقين وفقدان الثقة في المؤسسات.
ولا تعني هذه الفرضية التسليم بوجود مؤامرة شاملة وراء كل إشاعة، لكنها تفتح الباب أمام ضرورة اليقظة الاستراتيجية في التعامل مع الظواهر المعلوماتية الجديدة.
فالتجارب الدولية أثبتت أن الإشاعة قد تتحول إلى أداة فعالة في حروب التأثير، خصوصا عندما توظف عبر شبكات التواصل الاجتماعي بطريقة منظمة وسريعة الانتشار.
في مواجهة هذه الظاهرة، تتقاسم الدولة والمجتمع مسؤولية مشتركة، على مستوى الدولة، تصبح الحاجة ملحة إلى تعزيز التواصل المؤسساتي السريع والشفاف، لأن الفراغ المعلوماتي يشكل غالبا البيئة المثالية لنمو الإشاعات.
كما أن تطوير آليات الرصد الرقمي للأخبار الزائفة، وتعزيز القدرات القانونية والمؤسساتية لمحاربة التضليل المعلوماتي، يعدان جزءا أساسيا من حماية الأمن المجتمعي.
غير أن التحدي يتجاوز الإجراءات الظرفية ليطرح سؤالا أعمق يتصل بضرورة بلورة سياسة عمومية متكاملة لمعالجة مخاطر الإشاعة.
فالإشاعة ليست ظاهرة إعلامية عابرة؛ بل قد تتحول إلى تهديد مباشر للأمن والنظام العام، سواء في بعدها الآني المرتبط بإثارة الهلع الاجتماعي، أو في بعدها المستقبلي المتصل بتآكل الثقة في المؤسسات العمومية وفي الروابط الاجتماعية داخل المجتمع.
إن بناء هذه السياسة العمومية يقتضي الجمع بين عدة مداخل متكاملة، أولها مدخل تواصلي قائم على الشفافية وسرعة تقديم المعلومة الموثوقة، وثانيها مدخل قانوني وتنظيمي يتيح مواجهة حملات التضليل المتعمدة ضمن ضمانات دولة القانون، وثالثها مدخل تربوي وثقافي يهدف إلى ترسيخ ثقافة التحقق والنقد لدى المواطنين، خصوصًا في الفضاء الرقمي.
وعلى مستوى المجتمع، يصبح المواطن فاعلا مركزيا في مواجهة الإشاعة؛ لأن كل مشاركة لخبر غير موثق قد تسهم – من حيث لا يشعر صاحبها- في توسيع دائرة الخوف ونشر القلق داخل المجتمع.
فالمواطنة الرقمية لا تقاس بكثافة الحضور على المنصات، بل بوعي المشاركة، وحدود النشر، وأخلاقيات التداول.
في النهاية، ينبغي التأكيد على أن قوة المجتمعات لا تقاس فقط بقدرتها على مواجهة التحديات المادية، بل كذلك بقدرتها على مقاومة الإشاعة وحماية الثقة الداخلية.
فالإشاعة حين تتحول إلى ظاهرة جماعية لا تضرب فقط سمعة الأفراد أو المؤسسات، بل قد تضرب أيضا الشعور العام بالأمن والاستقرار.
ومن ثم، فإن مواجهة موجات الإشاعات – خاصة تلك التي تمس موضوعات حساسة كأمن الأطفال- ليست مجرد مهمة تقنية أو إعلامية، بل هي معركة وعي جماعي تتطلب يقظة الدولة ومسؤولية المجتمع في آن واحد.
لأن المجتمع الذي يحافظ على ثقته الداخلية وعلى تماسكه المعنوي، يظل أكثر قدرة على إفشال كل محاولات الإرباك وبثّ اللايقين.
*الدكتور توفيق عطيفي، باحث في القانون العام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك