في أكثر ممرات الطاقة حساسية في العالم، كان المنطق يقول فوضى.
لكن ما جاءت به الحرب الأمريكية الإيرانية كان شيئاً آخر تماماً.
كان نظاماً.
نظام يمكن قراءته بوضوح لمن تعوّد على تتبع المال لا التصريحات.
أسهم السلاح ترتفع، النفط يتجاوز ١٢٠ دولاراً، الدولار يعود ملاذاً آمناً بعد سنوات من التراجع.
والأهم: استراتيجية إزاحة الدولار التي أمضت الصين سنوات في بنائها تتراجع في أسابيع؛ بكين التي راهنت بضع سنوات على الذهب بديلاً للدولار.
تشتري في فبراير الماضي أقل من طن واحد.
هذا التناسق لم تصنعه المصادفة.
دعنا من نظريات المؤامرة.
ولنتحدث عن الأرقامفي خضم العمليات العسكرية، أعلن إريك ترامب ودونالد ترامب نجلا الرئيس الأمريكي دخولهما كمستثمرين بارزين في شركة" باوروس" المتخصصة في إنتاج طائرات مسيرة عسكرية.
الشركة تندمج مع شركة مدرجة في البورصة.
ما يعني أن الاستثمار رسمي وقابل للتتبع والتسييل.
لكن الأكثر إثارة من الاستثمار نفسه هو البيان الرسمي للشركة، الذي استشهد صراحة بحرب الشرق الأوسط كـ" دليل على جدوى المشروع.
" بمعنى آخر: الحرب لم تكن فقط قراراً سياسيا.
كانت مادة تسويقية في وثيقة استثمارية رسميةمنظمة" مواطنون من أجل المسؤولية والأخلاق" وصفت هذا بـ" تضارب مصالح مثير للريبة" وقالت صراحة إن ترامب" قد يكون زج بأمريكا في حرب تدر أرباحا لعائلته.
" لن أذهب إلى ما هو أبعد من هذه الوقائع.
لكن المحلل الجاد لا يستطيع تجاهلهاوهذا ليس استثناء بل نمط.
منذ اغتيال سليماني في يناير ٢٠٢٠، ارتفعت أسهم لوكهيد مارتن ورايثيون وبوينغ الدفاعية بدقة قابلة للتنبؤ.
المقاولون العسكريون لا يمولون الحروب فقط هم يمولون الحملات الانتخابية لمن يشعلها.
وهذه معلومات متاحة في سجلات FEC.
فلماذا نتحسب من قراءتها بصوت عال؟ربح السلاح ليس وحيداً في هذه المعادلة.
ثمة مكسب ثانٍ اقل ضجيجا.
وليس أقل قيمة 120 دولاراً للبرميل رقم مؤلم للمستهلك الأمريكي.
لكنه رقم مُبهج لمقاطعات تكساس ووايومنغ ونورث داكوتا.
وهي الولايات النفطية التي شكلت العمود الفقري لقاعدة ترامب الانتخابية.
المعادلة السياسية هنا لا تحتاج شرحاً.
ما يستحق الوقوف اكثر هو المشهد الأوسع: دول مجموعة السبع تجلس اليوم في واشنطن تتفاوض على السحب المشترك من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية.
كوريا الجنوبية تدرس سقفاً لأسعار الوقود للمرة الأولى منذ ثلاثين عاماً.
اليابان في حالة استعداد.
فيتنام تلغي جمارك الوقود.
وبنغلاديش تُغلق جامعاتها توفيراً للطاقة.
العالم كله يبحث عن بديل لما يمر عبر مضيق هرمز.
والبديل الأكبر في باطن الأرض الأمريكيةالفوضى في سوق الطاقة العالمي ليست خسارة لواشنطن.
بل هي ورقة ضغط دبلوماسية واقتصادية نادراً ما تمتلكها دولة بهذا الحجمالأرقام لم تنته بعد.
وما يأتي بعدها هو ما لا تجده في نشرات الأخبار.
منذ 2022 كانت البنوك المركزية حول العالم تشتري الذهب بشكل منهجي فيما عُرف بـ" إزاحة الدولار".
ببساطة: محاولة دولية منظمة لكسر الاعتماد على الدولار، عبر تسعير النفط بعملات أخرى وتخزين الذهب بديلاً.
كانت الصين قائدة هذه الموجة، والذهب وصل إلى مستويات قياسية تجاوزت ٣٠٠٠ دولار للأونصة.
بيانات مجلس الذهب العالمي تكشف أن صافي مشتريات البنوك المركزية عالمياً تراجع في يناير إلى خمسة أطنان فقط، مقارنة بمتوسط ٢٧ طناً شهرياً العام الماضي.
هبوط بنسبة ٨٠٪ في شهر واحد.
أما بنك الشعب الصيني، قائد موجة إزاحة الدولار، فاشترى في فبراير ٣٠ ألف أونصة فقط.
أقل من طن واحد كامل، في أضعف شراء منذ سنوات.
بكين لم تتخل عن استراتيجياتها بسبب ارتفاع أسعار الذهب فجأة.
هذا تفسير ساذج لدولة تخطط بأفق عقود لا أشهر.
الصين صبرت على خسائر أكبر من هذه في سبيل أهداف استراتيجية.
إذن لماذا توقفت عن الشراء في هذا التوقيت بالذات؟التوقيت يتكلم: الصين خففت ضغطها على الدولار في اللحظة التي كانت فيها أمريكا في أمس الحاجة لهذا التخفيف.
لتمويل الحرب، ولتثبيت الأسواق، ولإثبات أن الدولار لا يزال العملة الاحتياطية الأولى للعالم.
هذا لا يعني أن صفقة مكتوبة موقعة بينهما.
لكنه يعني أن التنافس بين القوتين العظمتين له أحياناً أوجه تعاون صامت، خاصة حين تصب في مصلحة الطرفين على المدى القصير.
الصين تشتري وقتاً ومرونة في المفاوضات التجارية.
وأمريكا تحصل على استقرار عملتها في زمن الحربالاستنتاج لا يحتاج تطرفاً: حين تتوقف أكبر قوة اقتصادية في العالم عن تنفيذ استراتيجيتها المعلنة، في توقيت يخدم خصمها مباشرة، فالسؤال المشروع هو: لماذا؟لكن المساومة امتياز لا يملكه إلا الكبار.
لذلك دفعت الدول الأصغر الثمن أولاً.
وبلا خيار البنوك المركزية في الأسواق الناشئة لم تعد تملك ترف تخزين الذهب.
كوريا الجنوبية واليابان وفيتنام وبنغلاديش تبحث عن شيء واحد فقط: سيولة دولارية لتمويل فواتير طاقة اشتعلت فجأة.
لا استراتيجية ولا خيارات فقط احتياج عاجل يدفعها نحو الدولار والسندات الأمريكية رغماً عنها.
وصناديق التحوط خرجت بأكثر من ٢٥ طناً من صناديق الذهب المتداولة في أسبوع واحد متجهةً في الاتجاه ذاته.
النتيجة مزعجة في بساطتها: الأزمة التي اشعلتها أمريكا في الشرق الأوسط تموّل في الوقت ذاته ديونها وتعزز عملتها على حساب من لا يملك أن يقول لا.
أسواق المال لا تكذب كما تكذب البيانات الرسمية.
وهي اليوم تسعر الحرب بدقة باردة لا كمأساة، بل كفرصةترامب لن يتوقف.
ليس لأنه لا يرى التحذيرات.
بل لأن النموذج نجح.
حرب تربح، وتُرضي قاعدته الانتخابية، وتعيد الدولار ملاذاً آمناً، وتُجبر العالم على شراء سنداته.
هذا ليس قراراً عسكرياً أخطأ أو أصاب هذا نموذج عمل قابل للتكرار.
فهل علينا الانتظار؟الأسواق قرأت هذا.
وسعرته.
والتاريخ الاقتصادي لحروب أمريكا.
من فيتنام إلى العراق إلى أفغانستان.
يُعلمنا درساً واحداً لم نتعلمه بعد: الفاتورة لا تأتي أبداً في نفس الوقت الذي تُتخذ فيه القرارات وحين تأتي، لا يدفعها من أخذ القرار.
السؤال ليس اى فاتورة قادمة.
بل من سيجدها على بابه صباحاً دون أن ينال شيئاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك