بين مقتضيات المهنة وسلطة القانون يقف الإعلام المصري اليوم أمام مرحلة فارقة تستوجب المصارحة والتدقيق في كافة التفاصيل التي تشكل وعي المواطن وتبني صورة الدولة، وفي هذا السياق تأتي رؤيتنا التي طرحناها سابقًا في الإشادة بما تقوم به نقابة الإعلاميين وما يبذله السيد النقيب من جهود مخلصة لإصلاح الشأن الإعلامي، غير أن الإشادة المستحقة لا تكتمل إلا بحق المراجعة ولفت الانتباه، فنحن نتحدث عن إعلام دولة لا تحتمل التجربة أو الخطأ، وإذا غاب الدور الفاعل للنقابة في ضبط الممارسة فلن يتحقق الإصلاح الحقيقي الذي نادى به الرئيس عبد الفتاح السيسي في رؤيته لبناء الإنسان المصري واستعادة القوة الناعمة للدولة، ولقد كان لي لقاء ممتد مع الصديق العزيز الدكتور طارق سعدة تحدثنا فيه طويلاً عن آليات العمل وكيفية تفعيل دور النقابة ليكون مؤثرًا وحاسمًا في المشهد، حيث أشرت بوضوح إلى أن النقابة هي حائط الصد الأول قبل ظهور أي ممارسة غير مهنية على الشاشات، وهو الأمر الذي يتطلب تضافر الجهود لا مجرد إصدار تصاريح ورقية، إن ما تحوزه النقابة من آليات وأدوات رقابية يؤكد قدرتها الجلية على ضبط المشهد الإعلامي وتوجيهه بمهنية.
لقد استوقفتني بشدة تلك الفقرة الواردة في قرارات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام الاخيرة الصادرة بناءً على توصية لجنة الشكاوى، والتي حملت دلالات قانونية ومهنية في غاية الأهمية، حيث قرر المجلس مخاطبة نقابة الإعلاميين بضرورة تحري الدقة والتحقق من توافر الشروط والسمات التي تتوافق مع أصول ومبادئ المهنة قبل إصدار تصاريح ممارسة العمل الإعلامي، وهذا النص يضع النقابة أمام مسؤوليتها التاريخية والمهنية، فالمجلس الأعلى يراقب المحتوى والشاشات والمؤسسات بينما النقابة هي بوابة العبور إلى الشاشة، وعندما يطالب المجلس النقابة بالتدقيق فهو يلمس موضع الألم ويشير بذكاء إلى أن بعض الأزمات الإعلامية ناتجة في الأساس عن عدم تقييم الأشخاص بشكل كافٍ قبل منحهم حق الظهور، إن فلسفة المجلس هنا تضغط باتجاه تصعيب إجراءات الحصول على التصاريح لضمان وجود كوادر حقيقية تمتلك الحد الأدنى من الثقافة والوعي والالتزام بمواثيق الشرف ن لم يعد الأمر مقتصرًا على حضور الشخصية أو تلك المواهب المزعومة التي قد تنقلب سلاحاً يهدم قيم المجتمع، بل باتت الساحة تعجّ بمن يملكون المال والقدرة على شراء المساحات الإعلانية وساعات البث، مستغلين نفوذهم للوصول إلى الشاشات وفرض أجنداتهم بعيداً عن المعايير المهنية.
وعلى الجانب الآخر لا بد أن نتوقف أمام رد السيد نقيب الإعلاميين في أحد اللقاءات التلفزيونية حين سئل عن غياب الضوابط في منح التصاريح، حيث أوضح أن ممارسة العمل تنقسم بين المقيدين في النقابة وبين الحاصلين على تصاريح مؤقتة وفق قانون ألفين وستة عشر لمن فقد أحد شروط القيد، وبرر ذلك بعدم الرغبة في حرمان أصحاب الموهبة، وهنا تكمن الإشكالية الكبرى التي تستوجب النقاش، فالموهبة وحدها لا تكفي لصناعة إعلامي، بل إن الموهبة بلا معايير مهنية وبلا ضوابط أخلاقية تصبح نوعًا من العشوائية التي تؤدي إلى الإسفاف، فهل يعقل أن يكون باب الموهبة مبررًا للتغاضي عن السمات الشخصية والمهنية والفكرية التي أشار إليها المجلس الأعلى؟ إن المعايير المهنية ليست قيودًا بل هي صيانة للمهنة من الدخلاء، والنقابة مطالبة اليوم بوضع اختبارات حقيقية تتجاوز مجرد استيفاء الأوراق الرسمية لتشمل القدرة على إدارة الحوار والاتزان النفسي والإدراك الكامل لمقتضيات الأمن القومي وتجنب الإثارة الرخيصة.
أما فيما يتعلق بحديث النقابة عن عدم قدرتها على التدخل لوقف برامج معينة مثل برنامج رامز أو غيره من البرامج التي تتهم بالإسفاف بحجة عدم الاختصاص، فهذا منطق يحتاج إلى مراجعة قانونية ومهنية عميقة، فالنقابة تملك سلطة منح التصريح وتملك أيضًا سلطة سحبه أو عدم تجديده إذا ما أخل الممارس بأصول المهنة، والحلول موجودة ومتاحة في نصوص القانون ومواثيق الشرف وايضا بالنسبة لرامز وهو انتاج عربي فهناك امكانية تتدخل فيها النقابة لوقف مثل هذه المهاترات التي نراها علي الشاشة، ولكن يبدو أن النقابة تحتاج إلى إدراك كيفية تنفيذ هذه الحلول بجرأة وفاعلية، فإصلاح الإعلام يبدأ من التنقية لا من التبرير، ومن وضع ضوابط صارمة لا تفرق بين مشهور أو مبتدئ، إننا أمام مسؤولية وطنية تتطلب أن تكون النقابة شريكًا في البناء لا مجرد جهة إدارية، وأن يكون الانحياز دائماً للمشاهد المصري الذي يستحق إعلاماً يليق بتاريخه وتطلعاته، فالمرحلة القادمة لا تحتمل أنصاف المواهب أو أنصاف القوانين بل تتطلب صرامة مهنية تعيد للإعلام المصري هيبته ورصانته المعهودة.
أعتقد أن الخطوة القادمة يجب أن تتمثل في عقد ورشة عمل موسعة تجمع بين المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ونقابة الإعلاميين لوضع بروتوكول موحد وشروط قاسية لمنح تصاريح الظهور، بحيث لا يخرج علينا إعلامي إلا وقد اجتاز دورات تدريبية واختبارات حقيقية في التشريعات والأخلاقيات الإعلامية، فلا يصح أن تظل مبررات الوسائل الإعلامية هي الحاكم للمشهد، بل يجب أن يكون القانون والضمير المهني هما المرجعية الوحيدة، إن غياب دور النقابة القوي سيجعلنا ندور في حلقة مفرغة من الاعتذارات والمبررات بعد كل سقطة مهنية، بينما الوقاية الحقيقية تبدأ من بوابة النقابة التي نرجو أن تكون أكثر حزمًا وتدقيقًا في كل تصريح تمنحه، حمايةً للمهنة وحفظاً لحق المجتمع في إعلام نظيف وواعٍ ومسؤول.
" ختاماً، إن معركة إصلاح المنظومة الإعلامية ليست مجرد إجراء تنظيمي، بل هي أمانة وطنية تفرضها ضرورة الحفاظ على وعي الأمة وهويتها.
ومن هذا المنطلق، نرى أن نقابة الإعلاميين اليوم –وهي تمتلك من الأدوات القانونية والمهنية ما يكفل لها الريادة– مدعوة لتجاوز الدور الإداري التقليدي المحصور في منح التصاريح، لتتحول إلى 'المصفاة الحقيقية' والرقيب المهني الذي يحمي الشاشات من الدخلاء.
وإننا إذ نثمن الخطوات التي بدأها الدكتور طارق سعدة، فإننا نشد على يديه لمواصلة المسيرة بكل حزم؛ فالموهبة التي تفتقر للخلق المهني ولا تنضبط بالمعايير الوطنية لا تعدو كونها عبئاً على الدولة واستقرارها.
ولعل الرسالة الواضحة للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تمثل الآن نقطة الانطلاق المثالية لتصحيح المسار، عبر مراجعة شاملة وصارمة لكل من يحمل تصريحاً دون استحقاق حقيقي، بعيداً عن سطوة المال أو شراء 'ساعات الهواء'.
إن الحفاظ على هيبة الإعلام المصري يبدأ من دقة الاختيار قبل الظهور، وصرامة المحاسبة بعده، إيماناً بأن الكلمة أمانة مقدسة لا يُؤتمن عليها إلا من يقدر جلالها، ليبقى إعلامنا دوماً حائط صدٍ منيعاً ومرآة صادقة تليق ببناء الدولة المصرية الحديثة.
" وللحديث بقية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك