إذا استمرت الحرب على إيران لفترة طويلة، أو أدت إلى إضعافها بصورة ملموسة، فإن الشرق الأوسط قد يدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل النظام الإقليمى الذى نشأ بعد الغزو الأمريكى للعراق عام 2003.
هذا النظام كان قائماً إلى حد كبير على صعود الدور الإيرانى مقابل تراجع أدوار عربية تقليدية، إلى جانب الانخراط العسكرى الأمريكى المباشر فى عدد من ساحات المنطقة.
هذه المرحلة قد تكون فى طريقها إلى النهاية، وقد يقوم النظام الإقليمى الجديد على معادلات مختلفة، تتسم بتعدد مراكز القوة، وتراجع الانخراط العسكرى المباشر للقوى الكبرى، خاصة الولايات المتحدة، مقابل صعود أدوار القوى الإقليمية.
وفى مثل هذا السياق، تصبح الدول القادرة على الحفاظ على الاستقرار الداخلى، وإدارة علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، أكثر قدرة على التأثير فى تشكيل هذا النظام الإقليمى الجديد.
وسط هذه التحولات الكبرى، تبدو مصر مرشحة للعب دور محورى فى مرحلة إعادة تشكيل النظام الإقليمى فى الشرق الأوسط، ولديها مجموعة من المقومات التى تجعلها أحد أهم مراكز التوازن فى المنطقة.
مصر هى الدولة العربية الأكبر سكاناً، وجيشها أحد أقوى الجيوش فى المنطقة، إضافة إلى موقعها الجغرافى المتفرد، الذى يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، وسيطرتها على أحد أهم الممرات البحرية فى العالم عبر قناة السويس.
والأهم من ذلك هو أن السياسة الخارجية المصرية خلال السنوات الأخيرة اتسمت بدرجة عالية من الواقعية، حيث حرصت القاهرة على بناء شبكة علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية والإقليمية، دون الانخراط فى الصراعات المتتالية، أو الوقوع أسيرة أى استقطابات حادة.
هذا النهج هو ما يمنح مصر مساحة أوسع للتحرك فى ظل التحولات الجارية، ويجعلها قادرة على لعب دور الوسيط أو الضامن للتوازنات فى عدد من الملفات الإقليمية الساخنة.
فى النظام الإقليمى الذى قد يتشكل بعد هذه الحرب، يمكن لمصر أن تلعب فيه عدة أدوار مهمة، أولها هو دور «قوة الاستقرار»، حيث تمثل أحد أهم مراكز الثقل العربى القادرة على دعم استقرار المنطقة فى مواجهة موجات الفوضى التى قد تنتج عن إعادة ترتيب موازين القوى.
أما الدور الثانى فيتمثل فى «الوساطة السياسية والدبلوماسية»، وهو دور تاريخى لعبته القاهرة فى العديد من الأزمات الإقليمية، من القضية الفلسطينية إلى النزاعات العربية المختلفة.
كما أن مصر مؤهلة تماماً لأن تلعب دوراً محورياً فى «إعادة بناء منظومة العمل العربى المشترك»، خاصة فى ظل الحاجة المتزايدة إلى تنسيق المواقف العربية فى مواجهة التحولات الحادة على المستويين الإقليمى والدولى.
لا شك أن الحرب على إيران تمثل تحدياً كبيراً لمنطقة الشرق الأوسط بأكملها، لأنها تحمل فى طياتها مخاطر التصعيد الواسع وعدم الاستقرار، لكنها فى الوقت نفسه قد تشكل لحظة انتقالية تعيد تشكيل النظام الإقليمى بطريقة مختلفة عن تلك التى سادت خلال العقدين الماضيين.
وفى مثل هذه اللحظات التاريخية تظهر أهمية الدول التى تمتلك القدرة على الجمع بين القوة والاستقرار والرؤية الاستراتيجية.
ومن بين هذه الدول تبرز مصر بقوة للعب دور مهم فى مرحلة إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، ليس فقط باعتبارها قوة إقليمية كبرى، بل أيضاً باعتبارها أحد أهم مراكز التوازن التى يمكن أن تسهم فى بناء نظام إقليمى أكثر استقراراً فى منطقة اعتادت السير على حافة الأزمات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك