غزة – القدس العربي»: على أنقاض مساجد مدمرة، وفي زوايا مساجد أخرى يعلوها الركام بفعل صواريخ الحرب، وداخل خيام بلاستيكية كبيرة أضحت مساجد، أحيت حشود كبيرة من سكان قطاع غزة «ليلة القدر» للمرة الأولى منذ بداية الحرب، وتعالت الدعوات في نهاية القيام أن يرفع الله البلاء والكرب الذي يعيشه قطاع غزة بفعل الحرب الإسرائيلية المدمرة منذ عامين ونصف.
وبعد حرمان دام على مدار موسمي رمضان الماضيين، حيث كانت الحرب الإسرائيلية في الموسم الرمضاني الأول على أوجها، وفي الثاني كانت إسرائيل قد أنهت تهدئة مؤقتة دامت لـ42 يوماً بتصعيد خطير للعدوان والحصار على غزة، استغل سكان غزة الظروف الحالية حيث توجد «تهدئة هشة» لإقامة هذه «ليلة القدر» التي يعتقد أغلب المسلمين أنها تصادف ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان.
ولم يمنع الدمار الكبير الذي ألحقته إسرائيل بشكل متعمد في دور العبادة في غزة خلال الحرب عشرات آلاف المصلين من اعتكاف «ليلة القدر».
ففي المسجد العمري الكبير الذي يقع على مقربة جداً من منطقة «الخط الأصفر» شرق مدينة غزة، وهو واحد من المساجد الأثرية، وقد طاله نصيب كبير من التدمير خلال الحرب، أحيت جموع غفيرة من المصلين هذه الليلة بعد أن جرت تهيئة الساحة الخارجية وبعض المناطق المسقوفة داخل المسجد.
وقال سامي الشريف من مدينة غزة بعد أن ختم ليلة القيام بدعاء طويل من الإمام: «رغم شعوري بالفرح الشديد أن تمكنت كآخرين من إقامة هذه الليلة، إلا أني كغيري شعرت بحزن شديد، فالمسجد الذي اعتدت إقامة هذه الليلة فيه منذ أكثر من 15 عاماً لم يعد كما كان».
ويضيف هذا الرجل وهو موظف حكومي: «كل شيء تغير، الدمار الذي لحق بالمسجد بسبب الغارات الإسرائيلية كان كبيراً جداً».
على أنقاض المساجد المدمرة… دموع ودعوات لرفع الضررويصف محمد المشهد الذي خلفه الدمار بقوله: «كأن جدران وأركان المسجد كانت حزينة»، وتحدث عن جيران وزملاء اعتاد رؤيتهم في قيام «ليلة القدر» غابوا عنها هذا العام بعدما أصبحوا ضمن ضحايا الحرب.
لكنه أكد أن إقامة هذه الليلة كان لها وقع خاص على قلبه كغيره، خاصة حين بدأ الإمام بالتضرع إلى الله لرفع الكرب والبلاء ووقف الحرب.
وخلال فترة الحرب أغلقت معظم المساجد أبوابها ولم تقم فيها صلوات التراويح بسبب الهجمات الدامية.
وفي الرمضان الأول خلال فترة الحرب أمضى سكان غزة جميع أيامه تحت وطأة القتل والتدمير، لكنهم عاشوا بعض الأيام في ظلال تهدئة هشة في الرمضان الثاني، قبل أن تنهي إسرائيل تلك التهدئة وتعيد الحرب إلى شكل أعنف مما كانت عليه في آذار / مارس من العام الماضي.
وعجت مساجد أخرى في مدينة غزة بمن أقاموا «ليلة القدر»، خاصة تلك الواقعة في الجهة الغربية التي تزدحم بالسكان والنازحين، وصدحت أصوات القرآن في المناطق المجاورة للمساجد.
وقال أحمد أبو العطا من سكان حي الشجاعية الذي أجبر سكانه على النزوح القسري لوقوعه ضمن مناطق «الخط الأصفر» التي تقع تحت السيطرة الإسرائيلية إنه كغيره حرم من إقامة هذه الليلة في العامين الماضيين بسبب ظروف الحرب.
وتذكر كيف كان يقيم ليلة السابع والعشرين من رمضان التي تقيم فيها المساجد «ليلة القدر» في مسجد مجاور لمنزله، وقال: «كل اشي تبدل، المنزل دمر والمسجد كمان دمر».
وأقام مصلون هذه الليلة في إحدى الساحات القريبة من «مسجد الأمين» المدمر غرب مدينة غزة بعدما افترشوا الأرض هناك.
وتعمدت إسرائيل وفق إحصائية رسمية أصدرها المكتب الإعلامي الحكومي تدمير 835 مسجداً بشكل كامل، فيما تعرضت عشرات المساجد الأخرى لأضرار جزئية وبليغة.
وفي مخيم النصيرات وسط قطاع غزة أقام عدد كبير من السكان داخل خيمة بلاستيكية كبيرة أضحت مسجداً يعج بالمصلين، كبديل لمسجد مجاور دمرته بالكامل إحدى الغارات الإسرائيلية في أشهر الحرب الأولى.
ورغم بساطة المكان، حيث تحيط بالمكان قطع بلاستيكية من الجوانب وأخرى تغطي السقف، وفي الأرض وضعت حصر نسجت من خيوط بلاستيكية تترك أثراً على أقدام وجباه المصلين، إلا أن الاعتكاف في «ليلة القدر» حمل في طياته معاني كبيرة هذا العام، خاصة وأنه جاء بعد حرمان عامين متتاليين.
ويقول الرجل المسن أبو إبراهيم محسن: «بكيت لحظة الدعاء في ختام الليلة حين خصص الإمام جزءاً كبيراً ومهماً طلباً للعون الإلهي للسكان الذين فقدوا أبناءهم أو أقاربهم أو منازلهم».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك