تحضر صورٌ في الذهن من سفر القضاة في العهد القديم، إذ يوجّه" يهوه" ضرباته الغاضبة إلى الجميع، إلى بني إسرائيل وأعدائهم على حدّ سواء، مع رؤية الصواريخ الإسرائيلية التي تغتال القيادات في المنطقة، ليس بدءاً باغتيال قادة حركة حماس، إن كان في قطاع غزّة أو بيروت أو طهران، كما حصل مع إسماعيل هنيّة، وإنما قبل ذلك بسنوات، مع اغتيال محسن فخري زاده، العالم النووي الإيراني، في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020.
ثم الذهول الذي خيّم على الحلفاء والمؤيّدين في المنطقة مع اغتيال أمين عام حزب الله حسن نصر الله، ثم خرق الحدود السابقة كلّها، واغتيال رأس نظام دولة كبيرة مثل إيران، مع شخصية معقّدة ومركّبة مثل المرشد آية الله علي خامنئي.
وكأن نتنياهو، الذي يردّد في كلماته التلفزيونية مقتبسات من العهد القديم، إيماناً أو نفاقاً للتقرّب من اليمين المتطرّف في إسرائيل، لم ينتظر غضب يهوه ضدّ أعداء إسرائيل، وإنما" ركّب" وصنّع يهوه تقنياً متفوّقاً يصبّ الغضب ذاته والعقاب على الأعداء، حماية لإسرائيل وفرضاً للسلام، من وجهة نظر إسرائيل، على الجميع وبالقوّة، من دون صبر لانتظار تسويات عادلة ترضي الجميع.
المشكلة أن يهوه التقني الفائق هذا، الذي لا تحدّه معايير أخلاقية واضحة، قد لا ينجح في فرض الرعب والخوف دائماً، وإنما يفجّر غضباً مضادّاً كما يحصل اليوم في إيران.
كما أنه قد ينجح في إنزال العقاب السماوي كيفما يريد وأنّى شاء، لكنّه لن يستطيع فرض السلام، ولن يجرّ الآخرين إلى طاولة التسويات التي يريدها.
فمن الواضح أن هذا اليهوه التقني الفائق لم يقضِ على" حماس" تماماً، وبدلاً من أن يهيّئ الظروف لثورة شعبية في إيران، استفزّ الروح الوطنية القومية الإيرانية، إلى الحدّ الذي دفع باحثاً مرموقاً مثل ولي نصر، كما في حواره الأخير مع ميشال حسين في" Bloomberg Weekend"، إلى القول إن الأميركيين والإسرائيليين لا يستعملون لغة مناسبة للخطاب مع الإيرانيين.
فعلى الرغم من ضيق كثيرين بالسلطة الاستبدادية الحاكمة، فإن البديل لن يكون، بالنسبة إليهم، شخصاً مثل رضا بهلوي، الخاضع بشكل واضح لقوى خارجية.
ومصافحته لنتنياهو، كما في مناسبات سابقة، لا تزيد من شعبية بهلوي بين الجمهور الإيراني الآن.
أيضاً سخر توماس فريدمان، أخيراً، في مقال له، من طلبات ترامب للشعب الإيراني بأن يثور، بينما الصواريخ الأميركية والإسرائيلية تدمّر المنشآت وتغتال الشخصيات في اعتداء سافر.
وعلى الأغلب، لا يرغب كثيرون أن يبدوا وكأنهم يقفون في صفّ قوة معتدية غاشمة، حتى وإن كانت تضرب سلطة مستبدّة.
بات واضحاً اليوم أن خامنئي كان يقف في رأس سلطة ثلاثية الأجنحة: الحوزة والمؤسّسة الدينية بشكل عام، ثم كيان الحرس الثوري، ومجتمع السياسة الإيراني بجناحيه الإصلاحي والمحافظ.
في الظروف الطبيعية، كان يمكن للمرشد العجوز أن يموت في غضون سنوات معدودة، ثم تساهم التوازنات بين الأطراف الثلاثة أعلاه في صناعة ولي فقيه جديد، قد يكون أكثر مرونة تجاه المنطقة والعالم.
لكن ترامب ونتنياهو فجّرا كل شيء، وجعلا الحرس الثوري يزيح الطرفَين الآخرين، وينصّب ولياً فقيهاً ممثلاً عنه، ناطقاً بتوجهاته المتشدّدة، وليحطّم هذا الطرف المتشدّد عقوداً من الاستثمار في القوّة الناعمة مع دول الخليج، ويصنع تخريباً هائلاً وبعيد المدى للمنطقة بأسرها.
نقطة أخرى مهمّة، فبغضّ النظر عمّا إذا كانت الحرب ستنتهي بعد أيام أو ستستمرّ عدّة أشهر، فهناك واقعٌ ساطعٌ فرضه" يهوه التقني الفائق" على الجميع؛ لن ترضى دول المنطقة أن تكون تحت وطأة مزاج يهوه المتقلّب، إن كانت ترغب في السلام مع إسرائيل، أو تحافظ على علاقة باردة، أو عدائية، فإنها ستبدأ، على الأرجح، من أجل ضمان حدّ أدنى من حفظ السيادة، سباقاً محموماً للحصول على التقنيات ذاتها التي يتبجّح بها الإسرائيلي، لخلق حالة من توازن القوى معه، ولوضع مسافة أمان صلبة مع المصير المأساوي للقيادة الإيرانية العليا.
كما أن العلاقة مع أميركا، بوجود ترامب أو من دونه، ستخضع لمراجعة دقيقة، وإعادة تعريف أدوارها في المنطقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك