حين يدخل رمضان أيامه الأخيرة، لا يبقى الشهر على الإيقاع نفسه الذي بدأ به، فالأسابيع الأولى تكون عادة أكثر ازدحامًا من جهة الأسواق، وأكثر امتلاءً من جهة السهرات والزيارات.
ومع بدء العشر الأواخر، يتبدل المشهد في كثير من المدن العربية، كأن الشهر نفسه يدخل مرحلة أكثر هدوءًا وتركيزًا.
في هذه الأيام، يصبح الحضور الديني أوضح في المجال العام.
لا لأن بقية الشهر تخلو منه، بل لأن الأولويات تتغير.
ففي أحياء كثيرة، يزداد الإقبال على المساجد بشكل ملحوظ، خصوصًا في صلاة التراويح والقيام.
وفي بعض المدن، تتحول الليالي الأخيرة إلى ما يشبه موسمًا تعبديًا خاصًا، يختلف عن مزاج أول رمضان.
وفي مدن مثل مكة والمدينة والقدس والقاهرة ودمشق وعمّان، تأخذ العشر الأواخر طابعًا واضحًا في المساجد.
تزداد أعداد المصلين، وتمتد صفوف الصلاة أحيانًا إلى الساحات الخارجية، ويصبح وقت ما بعد التراويح مختلفًا عن أي ليلة سابقة.
وحتى في المدن التي تحتفظ بحياة ليلية مزدحمة، يبدو أن المساجد تستعيد جزءًا أكبر من المشهد في هذه الأيام.
فبعض الناس الذين لم يلتزموا التراويح يوميًا خلال النصف الأول من الشهر، يحرصون على حضورها في العشر الأواخر، باعتبارها فرصة أخيرة للتعويض أو للاجتهاد.
هذا لا يعني أن الليل يفرغ من الحياة الاجتماعية، لكنه يتحوّل.
المقاهي لا تختفي، والأسواق لا تُغلق، لكن طابع السهرات يصبح أقل صخبًا في كثير من الأحيان.
بعض العائلات تقلّل من الزيارات، وبعض الناس يفضّلون النوم مبكرًا نسبيًا للاستيقاظ للقيام أو للسحور في أجواء أكثر هدوءًا.
وفي المقابل، تظهر أشكال أخرى من السهر:متابعة البث المباشر من المساجد الكبرىوهكذا لا يصبح الليل أقل امتلاءً، بل أكثر ميلًا إلى الهدوء.
العشر الأواخر كمرحلة داخل الشهروما يلفت في العشر الأواخر أنها لا تبدو فقط نهاية طبيعية لرمضان، بل مرحلة مستقلة داخل الشهر نفسه.
فكما أن لرمضان بدايته الاحتفالية، له أيضًا نهايته المركزة.
البداية تحمل فضول العودة إلى الطقس السنوي، والنهاية تحمل شعورًا بأن الوقت يضيق وأن ما تبقى من الشهر يجب أن يُعاش بشكل مختلف.
لهذا، يشعر كثير من الناس بأن إيقاع المدن يتغيّر فعلاً في هذه الأيام: أقل اندفاعًا في بعض الجوانب، وأكثر كثافة في جوانب أخرى.
ما الذي تقوله هذه الأيام؟وتقول العشر الأواخر شيئًا بسيطًا عن رمضان: إنه لا ينتهي بالطريقة نفسها التي بدأ بها.
هناك انتقال تدريجي من طقس اجتماعي واسع إلى طقس أكثر ميلًا إلى الانكفاء والتأمل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك