تنهض هذه القراءة على تتبع ظاهرة (الاختفاء) في مجموعة «اختفاء» للقاص والروائي إسماعيل سكران، وكيف تتراجع فيها الأشياء من الإمكان إلى الفقد.
فالمكان يتغيّر حين يفقد دلالته الأولى؛ والزمن يخفت حين يتحوّل إلى استرجاع، والعلاقة تذوب حين تغدو غيابا هادئا.
والتطابق بين العنوانين (الرئيسي والفرعي) إعلان مبكّر عن أن النصوص كلّها تتحرّك داخل أفق واحد، عبر خيط ناظم هو موضوعة الاختفاء، التي تحضر بوصفها بنية عميقة تتسرب داخل المجموعة.
وتحوّل هذه الظاهرة من حدث طارئ إلى حالة تتخذ أشكالا متعدّدة.
من هنا تبدو القصة الأولى أشبه ببؤرة تتكثّف فيها التجربة ثم تتشظّى في بقية القصص بأشكال مختلفة؛ فيطال الفقد المكان والذاكرة والعاطفة والاحتمال الإنساني المؤجَّل، حتى المدن التي تحدِّث عمرانها تمحو آثارها القديمة، فتفقد الذاكرة علاماتها، ويصبح الوصول إلى الأمكنة نوعا من الوصول المتأخر، وتفقد الشخصيات – بوصفها كائنات مؤجَّلة- الأشياء بالتدرّج، عبر الصمت، والتأجيل، وما لم يُقَل.
وتقوم درامية النصوص على الفراغ الذي يخلّفه الاحتمال حين يتأخر، ومن هنا يتحوّل الاختفاء إلى تجربة داخلية: اختفاء علاقة، أو معنى، أو صورة سابقة للذات، حتى يبدو الإنسان في هذه النصوص، وكأنه يطارد ذاته القديمة أكثر مما يطارد شخصا أو مكانا.
تمضي قصة «اختفاء» بهدوء يشبه اختفاءها نفسه، فلا شيء يحدث على نحو صاخب، ومع ذلك كلّ شيء يتآكل ببطء، ونشعر بأن القاص يفتح فراغات مؤهلة لاجترار الغياب.
فالرجل الذي يبحث عن شارع (المقدسي) يبحث عن زمن محفوظ في ذاكرته، عن ذاته التي تركها هناك، بين ضوء البار ودفء اللقاءات العابرة، لكنّ المدينة التي تُحدِّث تغيّرت ملامحها، انمحت فيها العلامات، وتحوّلت الجغرافيا إلى عدو للذاكرة، وأصبح الوصول إلى المكان نوعا من الوصول المتأخر.
يدخل البار ليستعيد، فالذاكرة تعمل على تعويضه عن حاضر فارغ؛ و(إليانا) التي كانت جزءا من دفء المكان، ظلّت احتمالا عاطفيا مؤجَّلا، لا شيء وصل ذروته في علاقتهما، لا اعتراف، لا وعد، لا انكسار، كل ما هناك، دفءٌ صغير يمشي على مهل، كأنّ القاص تعمّد أن يترك الحب في منطقة (ما كان يمكن أن يكون)، حتى المرض، الذي يمكن أن يمنح السرد توترا، يتحوّل إلى جسر إنسانيّ شفيف يقوده نحوها، ثم يتلاشى هو أيضا، فيبقى البطل معلّقا بلا ذريعة للبقاء ولا شجاعة للقول.
وعندما يعود، بعد زمن كاف كي يبرد كلّ شيء، لا يواجه حقيقة باردة، وهي أنّ (إليانا) اختفت؛ لأنها عاشت حياتها ببساطة، تزوّجت، وأنجبت، وأغلقت الباب الذي لم يطرقه في وقته.
هنا يتبدّى الاختفاء في أنقى صوره، في فقدان لحظة كان يمكن أن تغيّر مسار حياته.
وتنتهي القصة بانطفاء داخليّ هادئ، كأنّ البطل أدرك متأخرا أنّ الذي اختفى حقا هو ذلك الرجل الذي كان يمكن أن يكونه لو قال جملة واحدة في وقتها.
على خلاف القصة الأولى التي ارتكزت على اختفاء شخص وزمن ومكان، يتخذ الاختفاء في قصة (الساحة) بعدا مجتمعيا، فالساحة التي تضم جميع الطوائف والمكونات، شيعة، سنة، مسيحيين، أكرادا، تركمان، تبدو على صعيد الظاهر مكانا حيويا ومفتوحا، لكنه مراقب ومقيد، رجل الأمن الذي يوثق كل حركة يصبح رمزا للسلطة، ولكن مراقبته لا تمنع الحياة من التدفق، وهنا، يصبح الاختفاء اختفاء الحرية الكاملة في الفضاء العام، إذ تُقيّد الحركة في النهار بالقوانين الرسمية، وتُترك بلا قيود في الليل.
والساحة نفسها تتحول إلى كيان مزدوج: في النهار فراغ محدود، مراقبة رسمية، اختفاءٌ لمظاهر الحرية، أو الانفتاح الحقيقي، وفي الليل، يعمل رواد الملاهي والبارات والمواخير خارج الضوابط الرسمية.
ويظهر هذا الكيان المفارقة في اشتغال رجل الأمن في النهار على (الخوف) وفي الليل على (الدفء)، فضلا عن تجسّدها ـ أي المفارقة – في اقتراح السلطة الرسمية على تسمية تلك الساحة بـ(ساحة السلام).
وتماثلها قصة (الشاعر) في هدوئها، ولكن هذه المرة الفضاء داخلي ومحدود: موقف الشاعر النفسي والوجداني، إذ يدعى لوحده إلى مهرجان شعري تكريما له، ولكنه يتحوّل إلى مأتم شخصي، فالانسحاب قبل البداية تأكيد على اختفاء الذات في مواجهة الاعتراف؛ إذ يقدّر تقديرا ظاهريا من دون معرفة ما جرى في الداخل، فتحدث المفارقة بعدما يكتشف أن التكريم قام به الشعراء الكلاسيكيون لشخصه، ويمثل قيمة خارجية له، فأصبح التقدير ثقيلا، ومؤنبا للضمير، فضلا عن الإحساس بالذنب، الذي ولّد الانسحاب، وخلق دائرة مفرغة من الاختفاء الذاتي المتعمد؛ فكل انسحاب لاحق عن المهرجانات هو استمرارية لهذا الاختفاء، ليس عن العالم الخارجي فحسب، وإنما عن المكان الاجتماعي الذي يمثله التكريم، والاعتراف الذي يُمنح له، من دون أن يقبله هو.
وبهذا الأسلوب السردي يظهر الاختفاء صمتا داخليا طويلا، يمتد إلى أبعاد الحياة الاجتماعية للفرد، فيحوّل الحدث المباشر (المهرجان) إلى تجربة وجدانية.
وتستمر كل من قصة (رهاب) و(عامل التوصيل) في توظيف الانكسار والخذلان، ليصبح الاختفاء انحسارا في المكان والحياة العملية، وغلبة خيبة الأمل على إمكانات الفعل.
كل بطل يواجه غياب ما هو مهم: الرضا، النجاح، الاستقرار، فتصبح النهاية خيبة متكررة تضع القارئ أمام نمط ثابت للغياب والخذلان.
وفي المقابل، تأتي قصة (غابة الصنوبر) لتُدخل البعد الإيجابي للاختفاء: البطل يختار أن يبقى في جزيرة آمنة، يتحمّل المسؤولية تجاه الغابة والفتاة العانس، فيتحوّل الاختفاء إلى خيار ووعي وإخلاص للأشياء، أي أن الفقدان والمكان الموحش يمكن أن يتحولا إلى ملاذ ومنطقة حماية، وليس مجرد غياب أو فقدان.
وفي قصة (فيروس) يختفي العالم الخارجي عبر الحجر الصحي، والمدينة تتوقف عن الحركة، لكن البطل يظل حاضرا ومتنبها، متابعا لأصوات المطر وصرير عجلات السيارات، والاختفاء هنا حسي وزمني، لكنه لا يثني البطل عن الاستمرار، فيظهر البعد الإيجابي في مواجهة الكوارث.
وتقدم قصة (البلابل) اختفاء رمزيا، فالبلبل الميت يمثل غياب الخبرة والكفاءة، الفساد، والتسيّب في المؤسسات، والبطء الأخلاقي للمجتمع، في حين يقف البطل احتراما أمام الموت الصغير، في لحظة تأمل صامت، يكرّس المعنى الرمزي للغياب في الحياة العامة.
وفي قصة (أحلام جافة)، يعود الاختفاء ليأخذ شكله الأكثر قسوة وجوديا وماديا: شخصية بلا هوية تموت مشردة، طريق غير محفوظ بالذاكرة، تغييرات في البيئة تمحو العلامات، وكل محاولة للارتباط بالماضي تصطدم بالغياب النهائي.
هنا يصبح الاختفاء نهائيا وشاملا، لا رجعة فيه، ويغلق حلقة المجموعة على فكرة أن الفقدان المستمر جزء من الحياة اليومية، والخيبة مصنوعة من تفاصيل صغيرة لكنها متراكمة.
وتصل المجموعة إلى ذروتها في قصتي (ساحة الاعتصام) و(ليلة الوباء)، إذ يظهر الاختفاء في أبعاده السياسية والاجتماعية، بعد أن كان في القصص السابقة فرديا أو نفسيا.
ففي (ساحة الاعتصام)، يحوّل القاص ساحة التحرير وحديقة الأمة ونصب الحرية إلى فضاء لممارسة الاحتجاج والتضامن، ولكنه فضاء للاختفاء القسري، فالصور تتعدد في خيام المتظاهرين من جميع شرائح المجتمع، ولكن القاص ركّز على حالة شخصية محددة،(د.
سهى)، لتجسيد الثيمة على مستوى إنساني عميق: التفاني في العلاج، المبيت في الساحة، القلق الأسري، ثم الاختطاف والغياب الأبدي.
وهنا، يصبح الاختفاء رمزيا وواقعيا في آن واحد، رمزيا لأنه يعكس فقدان الأمل والحقوق في بيئة سياسية معقدة، وواقعيا لأنه يترسخ كحادث مباشر للغياب، أما في (ليلة الوباء) فيظهر الاختفاء في أفق جماعي ووبائي، الاحتجاجات مستمرة، على الرغم من تفشي وباء كورونا، بعض المشاركين ينسحبون حفاظا على حياتهم، في حين الآخرون يديمون حضورهم، محافظين على فعل الاحتجاج والمقاومة.
والقاص يربط الانسحاب الجماعي بالمخاطر الصحية، لكنه لا يفقد المنطق الرمزي للاختفاء، فالانسحاب هو غياب، لكنه حاضر في المعنى السياسي والاجتماعي.
والصوت الأخير للناشزين الخارجين من بيت هزار القوادة، يربط بين الغياب الاجتماعي، والاختفاء البشري، والانزياح الخفي داخل المدينة، فيظل الاختفاء متنوعا: جسديا ورمزيا اجتماعيا، وجماعيا.
تتسم قصص إسماعيل سكران في مجموعة «اختفاء» باقتصاد سرديّ، ولغة شفافة تخفي تقنيتها، بدل أن تستعرضها.
فالنصوص تعتمد الإيحاء، والفراغ، والصمت، لتجعل القارئ شريكا في ملء الفراغ.
إنّ أقوى لحظات السرد في ما يُترك دون قول؛ إذ يعمل النصّ على تحويل الغياب نفسه إلى دلالة، وجعل الاختفاء فعلا يتسرّب داخل اللغة كما يتسرّب داخل الحياة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك