مضى لي زمن طويل على التعرف على يقظان، كانت مكتبة دار المشرق الفضاء الذي ظل يجمعنا.
لاحظ في البداية أنني كلما ولجت المكتبة أطلب قصة حي بن يقظان، وأنني أدون منها ما أشاء قبل أن أنتقل إلى كتب أخرى.
استوقفني مرة، وأنا أحاول الخروج من المكتبة، ودعاني لتناول قهوة.
كنت مستعجلا، وأنا متردد من التواصل معه، لطبع يدفعني ألا أثق في شخص، ولا أجالسه إلا بعد التعرف عليه بشكل يجعلني أطمئن إليه.
اعتذرت له بلباقة، ووعدته بأن نلتقي مرة أخرى.
وفعلا كانت لنا فرص كثيرة للقاء والحوار.
استأنست به كثيرا، وبدا لي أن هناك نقاط اشتراك بيننا لا حد لها، بعد أن امتد حبل التواصل بيننا وتقوى إلى حد أنه استحال عليّ ألا أفكر فيه، أو التهرب من اللقاء به، لبلورة ما بيننا من أواصر تعمقت لديّ بعد أن تكونت لديّ صورة دقيقة عن شخصيته وطريقة تفكيره، والهواجس التي تملأ وجوده وذهنه.
حدث أن غاب عني مدة طويلة، لقد اختفى نهائيا عن ناظري، ولم يبق له أي حضور في المكتبة كما كان سابقا.
وفجأة وجدته يوما في المكان الذي تعودت الجلوس فيه.
تبين لي من تجربتي مع من أعاشر من الناس أن من تباعدت بيننا الشقة، وطالت مدة عدم التواصل معه، ألا أتعامل معه بالطريقة المألوفة التي كانت بيننا، حين كان التواشج يوميا وقويا.
بدت لي سحنته متغيرة جدا عما عهدته.
فأردت بعد السلام أن «أقلقله» كما نقول في الدارجة.
وليس للقلقلة، وجذرها من «ق.
و.
ل» سوى معنى تحريك ما في رأسه ليقول ما عنده من جديد، لأتعرف عليه مجددا، ونستأنف علاقتنا بطريقة جديدة.
قلقلته بالسؤال التالي:ما الذي يجعل حيا بن يقظان مختلفا عنك؟ أقبل عليّ بوجه بشوش، ونظر وتفكر وقال ما استحضر، بعدما تبين له ما في السؤال من استفزاز مقبول، وطلب إفراغ ما طرأ عليه بعد طول غياب:عاش والدي رحمه الله في جزيرة نائية عن العمران، وكانت بها أحراش وغابات تأوي إليها مختلف أنواع الوحوش والدواب، أليفة وضارية.
ولقد نجح بدهائه الاستئناس ببعضها، ودفع شر بعضها الآخر عنه.
ولعل أهم شيء أدركه هناك، هو أنه رأى نفسه مختلفا عن كل ما يحيط به، ولم يجد له نظيرا يشبهه أو يماثله.
لقد جعله هذا الاختلاف يحس بالتميز عن كل شيء، فنأى بنفسه عن الاعتراف بأنه واحد مما يعيش بينهم.
وكان له مما زوده الله به من مدارك وأحاسيس وقدرة على التمييز والمقارنة، أن بات يتأمل نفسه، ويتعرف على العالم وما فيه من كائنات حية، وتقلبات جوية مصدرها السماء.
فكان ذلك سببا في كونه بدأ يتحول مع الزمن، وينتقل من حال إلى آخر.
فبدأ يتأمل فيما تقوم به بعض الحيوانات في أحوال الرغبة والشهوة، وما شاكلهما.
وبذلك راكم معرفة واسعة بها، ولا أخالك إلا مطلعا على الكثير من تفاصيلها وجزئياتها في قراءاتك لسيرته.
فكان يرى الأشياء على ما هي عليه، وصارت معرفته ملائمة ومطابقة لما يجري من حوله.
فبدأ ينظر ليس فقط بعينيه، ولكن بقلبه وحواسه وعقله، فانتهى إلى ما انتهى إليه من معارف، لا يمكن أن يمتلكها غيره ممن عاش في عالم طبيعي خالص مثل عالمه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك