حين يُعلن الأطباء الموت “الإكلينيكي” لا يعنون بذلك النهاية المطلقة للمريض - بل يشيرون بدقةٍ تشريحيةٍ إلى توقف الوظائف الحيوية عن الاستجابة مع بقاء جذوة الحياة رهينةَ قرار التدخل الاستشاري.
وما يعيشه “الردع العربي الجماعي” اليوم ليس أقل من ذلك وصفًا ولا أكثر منه خطورةً - منظومةً توقفت عن أداء دورها المناط بها دون أن يُعلن موتها رسمياً ولا أن يقام لها حداد، جسدٌ جماعي تتراكم فيه السموم الاستراتيجية والمنازعات الجيوسياسية على أهدافٍ ومصالحٍ خاصة صهرت معها الحس الوجودي التكاملي العربي؛ بينما تتنازع نُخَبه في تسمية المرض أو مراقبته عبر شاشات التلفاز.
إلا أن الأمرَ فاق كل تصورٍ تحليلي سياسي، فحينما تُهدَّد منابع الطاقة التي تُمثّل الركيزة الاقتصادية لخُمس البشرية، وتُنتهك سيادةُ الدول الخليجية على مرأى ومسمع المجتمع الدولي، ويقف الموقف العربي عاجزًا أمام هذا كله في صمتٍ يُشبه التجمّد والانسحاب - فنحن لسنا أمام موقفٍ دبلوماسيٍ محسوب، بل أمام نموذج فارق لـ “الموت الإكلينيكي للردع” الذي لا يُنعِشُ صاحبه إلا قرار إرادي جماعي لم يصدر بعد.
المفارقة التي تكشفها هذه اللحظة، أن الخطر ليس في التهديد الخارجي وحده، بل في “الشلل الإدراكي الجماعي” الذي يُصيب منظومات القرار العربية؛ حين تتراكم التهديدات فوق عتبة الاستيعاب؛ فتعجز عن الاستجابة، لا لغياب القدرة، بل لانهيار الإرادة التحليلية ذاتها.
مع العلمِ أن ميثاق الدفاع العربي المشترك الموقَّع عام 1950 كان واضحاً في نصّه: كل اعتداءٍ على دولةٍ عضو هو اعتداء على الجميع.
وبعد أكثر من سبعة عقود، تحوّل هذا الميثاق التأسيسي من عقد صونِ السيادةِ إلى وثيقةٍ خطابية يُستشهد بها في المحافل وتُهمَل حين يحين موعد اختبارها الحقيقي، وهذا بالضبط ما نعنيه بـ “الخيانة الوجودية للميثاق”: ليست جريمة قانونية تستوجب محاكمة، بل حكم فلسفي على منظومةٍ أخلت بروح تأسيسها وتخلّت عن هويتها الجماعية.
إن هذا المشهد الاستراتيجي نجم عن ثلاثةِ عواملٍ بنيوية؛ ولا يجوز تجاوزها بالشكوى دون التشريح.
أولها تضارب الحسابات الثنائية الذي يجعل التحرك الجماعي مكلفًا سياسيًّا واقتصاديًّا لكل دولة على حدة - وهذا بالضبط ما تستثمره القوى المعادية في استراتيجيتها، إذ تعلم أن “معادلة الاستهداف منخفض التكلفة” تعمل لصالحها طالما ظلت الحسابات الفردية تتقدم على الإرادة الجماعية.
وثانيها عجز آليات التنفيذ في جامعة الدول العربية التي تفتقر إلى مشارط إلزامية حقيقية، فالقرارات تصدر والبيانات تُوزَّع لكن لا شيء يُحوّل الإجماع الخطابي إلى فعل ميداني.
أما ثالثها فهو “الانكفاء العربي المُمنهج” الذي تجاوز التردد الظرفي ليُصبح نمطًا بنيويًّا متكررًا، تُغذّيه “متلازمة الصمت الوقائي” حين تُعيد الأنظمة تأطير خوفها من المواجهة باعتباره حكمةً دبلوماسية، فيتحول الصمت من خيارٍ إلى هوية، ومن موقف إلى طبيعة.
غير أن التشخيص دون مبادرة هو يأس مُقنَّع، ولهذا نُقدم هنا ما نسمّيه “التحصين السيادي الاستباقي” — منهج يُحوّل إدارة الأزمة من ردّ فعل لحظي إلى منظومةٍ وقائيةٍ متكاملةٍ تسبق الخطر بخطوات.
يقوم هذا المنهج على ثلاثة أركان لا تقوم المنظومة بغيرها: أولها السيادة الرقمية التي تعني تأمين البُنى التحتية الحيوية من محطات الطاقة وشبكات المياه والاتصالات بوحدات نخبةٍ هندسيةٍ وتقنيةٍ متخصصة.
وثانيها الصلابة المجتمعية التي تعني الاستثمار في “الأمن النفسي الجماعي” لمنع “الاستلاب الاستراتيجي” الذي يُفكّك تماسك المجتمع قبل أن تُفككه الأسلحة.
أما ثالثها فهو اللوجستيا الذاتية المستدامة التي تضمن استمرار الحياة الحيوية للمجتمعات حتى في أحلك سيناريوهات الأزمات.
هذه الأركان الثلاثة مجتمعةً تُشكّل ما يمكن تسميته “الأيض الأمني الجماعي”، القدرة الحيوية على تحويل التهديدات إلى استجابة دفاعية منسّقة بدلًا من تركها تتراكم كسمومٍ في الجسد الجماعي.
“وتتفرع من هذه الأركان ستة بنود إجرائية تفصيلية — من السيادة المعلوماتية والمالية إلى منظومة النخب الميدانية — موثّقة في وثيقة “التحصين السيادية الاستباقية بنسختيها الأولى والثانية” المقدَّمة كخارطة طريق قابلة للتنفيذ الفوري.
في نهاية المطاف، نود أن نؤكد أن الموت الإكلينيكي لا يعني القدر المحتوم، بل يعني أن نافذة الإنعاش لا تزال مفتوحة لمن يملك الإرادة على التحرك.
فالردع العربي لم يمت بعد الموتة النهائية، لكنه يرقد على طاولة الإنعاش بينما تتنازع نُخَبَهُ على من يتحمل تكلفةِ الضغط على زر التشغيل.
وما تستوجبه هذه اللحظة المصيرية ليس بياناً جديداً تُصدره جامعة الدول العربية، ولا خطابًا حماسيًّا يُلقى في مؤتمر، بل قرارًا إراديًّا جماعيًّا واحدًا: أن تُعاد هندسة “فجوة الإرادة الجماعية” من الداخل قبل أن يُعلن العدو — لا الطبيب — الوفاة الرسمية.
لأن التاريخ لا يرحم الأمم التي تملك أسباب البقاء وتفتقر إرادته، ولأن “صدمة الميثاق” التي تتوارثها الأجيال حين تُخذل بمواثيق جوفاء أخطر بكثير من أي تهديد خارجي مهما بلغت حدّته.
وفي ختام مقالي أود أن أنوّه إلى أن “ثمةَ عوار قانوني صارخ يستوجب الوقوف أمامه: أن ميثاق الدفاع العربي المشترك 1950 هو معاهدة دولية ملزمة بموجب القانون الدولي العام لجميع أفرادها المنضوين تحت بنودها، والإخلال بها يُنشئ مسؤولية قانونية صريحة وفق “المادة 60 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات 1969”، غير أن الميثاق يفتقر إلى آلية تقاضٍ إلزامية، ومحكمة مختصة تنظر في حالات الإخلال.
وهنا نطرح تساؤلاً مشروعًا لم يُطرح بعد بصورة منهجية في الأدبيات القانونية الدولية، وهو هل حان الوقت لإنشاء محكمةِ أمنٍ عربيةٍ جماعيةٍ مختصةٍ بالنظر في انتهاكات الدفاع المشترك، تسدّ هذا الفراغ التأسيسي وتُحوّل الميثاق من وثيقة خطابية إلى عقدٍ ملزم ذي مشارط قانونية؟ سؤال يُقدَّم للقانونيين والدبلوماسيين المتخصصين لعله يجد طريقه إلى التأسيس المؤسسي.
باحث في شؤون الإعلام والوعي الاستراتيجي وعلم النفس السياسي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك