رغم أنها ليست دولة كبيرة اقتصاديًا أو سياسيًا، ولا كرويًا حتى، إلا أن المكسيك، ولغرابة الأمر، استضافت كأس العالم لكرة القدم ثلاث مرات في عقود مختلفة؛ عام 1970، وبطولة 1986، والبطولة الحالية في 2026 بالشراكة مع كل من الولايات المتحدة وكندا، ما يجعلها من أكثر الدول استضافةً للبطولة الأهم للعبة الأكثر شعبية.
أربعون عامًا مرت على استضافة المكسيك لكأس عالم 1986، وهي بطولة حفلت بالعديد من المشاهد واللقطات الباقية في ذاكرة من شاهدها.
والطريف أن المكسيك لم تكن الدولة المستضيفة للبطولة، إلا أن كولومبيا، المستضيفة، اعتذرت عام 1982 لعدم الجاهزية، لتُجرى القرعة مجددًا وتنال المكسيك حق التنظيم.
والأغرب أيضًا أنه، وقبل البطولة بأشهر قليلة، ضرب زلزال قوي البلاد بلغت قوته 8 درجات على مقياس ريختر، وأسفر عن وفاة أكثر من 5 آلاف شخص، وباتت البطولة مهددة، إلا أن المكسيك قررت إكمال المسار واستضافة البطولة.
أما المنافسات نفسها، فكانت هناك المشاهد البارزة التالية:المشهد الأول: العراق وواقعة نادرة التكرارشارك المنتخب العراقي في كأس العالم للمرة الأولى في تاريخه في بطولة المكسيك 1986 «ويتصادف أنه سيشارك في بطولة هذا العام للمرة الثانية بالمكسيك أيضًا».
في مباراته الأولى، واجه العراق منتخب باراغواي، وفي الدقيقة الأخيرة من الشوط الأول، احتسب الحكم ضربة ركنية لمنتخب العراق، رفعها أحد اللاعبين على رأس نجم المنتخب الشهير أحمد راضي، ودخلت الكرة المرمى، ولكن المذهل أن الحكم كان قد أطلق صافرته بإنهاء الشوط في الثانية الفاصلة بين خروجها من رأس اللاعب العراقي ودخولها المرمى، ليحتج لاعبو المنتخب العراقي دون جدوى، فيما جادل آخرون بأنه أطلق صافرته قبل وصولها إلى رأس اللاعب.
وانتهت المباراة بفوز باراغواي بهدف.
المشهد الثاني: مغامرة أسود الأطلسفي تلك البطولة، كان العرب والأفارقة على موعد مع التأهل للدور الثاني لأول مرة، وجاء ذلك على يد منتخب المغرب.
وبجيل تاريخي ضم لاعبين مثل التيمومي وعزيز بودربالة وكريمو والحارس بادو الزاكي ومصطفى الحداوي، أوقعت القرعة المغرب في مجموعة صعبة ضمت «إنجلترا» و«البرتغال» و«بولندا».
تعادلت مع بولندا في المباراة الأولى دون أهداف، ثم فاجأت الجميع بالتعادل مع إنجلترا دون أهداف أيضًا، لتربك حسابات المجموعة بأكملها.
وترقب ملايين العرب مباراة المغرب الحاسمة أمام منتخب البرتغال يوم 11 يونيو 1986، ليبهر المغاربة الجميع ويحققوا فوزًا عريضًا بثلاثة أهداف لهدف، ليصبح أسود الأطلس أول منتخب عربي وإفريقي يصل إلى الدور الثاني في البطولة، أو دور الـ16.
بل إنه تصدر مجموعته متفوقًا على إنجلترا.
لكن مغامرة المغرب لم تكتمل، حيث أوقعتها القرعة أمام منتخب ألمانيا الغربية، ضيف المباراة النهائية الدائم في ذلك العقد، وصمد المنتخب المغربي حتى آخر ثلاث دقائق، حيث مُني مرماه بهدف من ركلة حرة، خرج على إثرها من البطولة.
وشهدت تلك البطولة أيضًا مشاركة ثلاث دول عربية لأول مرة، حيث شاركت الجزائر أيضًا بجيل تاريخي، لكنها لم توفق.
المشهد الثالث: يد مارادونا «الإلهية»عندما يقال إن اللاعب الفلاني «أتى بيده ببطولة ما»، فالمقصود أنه قاد فريقه للفوز ببطولة، أو أنه صاحب الدور الأبرز والأهم في الحصول على تلك البطولة.
لكن حالة دييغو أرماندو مارادونا في 1986 كانت استثنائية، فقد أتى بالبطولة «بيده» فعلًا ومجازًا.
كانت بطولة المكسيك هي بطولة مارادونا بامتياز.
فبطولات كثيرة سابقة على بطولة 1986 ولاحقة عليها، كان لنجم الفريق الدور الأبرز في الفوز بها، لكن هناك ما يشبه الإجماع على أن ما فعله أسطورة نابولي لم يتكرر.
ومن المباراة الأولى لمنتخب الأرجنتين أمام كوريا الجنوبية، بات واضحًا أن اللاعب الذي استُبعد من بطولة 1978 لصغر سنه، ولم يظهر كل قدراته في 1982 بسبب الخروج المبكر، جاء ليقدم شيئًا مختلفًا.
وكان المشهد المتكرر طوال المباراة هو تحركه بالكرة ومحاولة حصاره من أربعة أو خمسة لاعبين من الفريق المنافس، وإما ينجح في المرور أو يحصل على مخالفة بسبب التدخل العنيف والواضح من لاعبي كوريا الجنوبية لمحاولة إيقافه.
وفي دور الثمانية، التقت الأرجنتين إنجلترا في مباراة خلد التاريخ الهدفين اللذين أحرزهما مارادونا؛ الهدف الأول الشهير حين ضم قبضة يده بدهاء إلى مستوى رأسه لتسكن الكرة الشباك وسط احتجاج لاعبي إنجلترا، والهدف الثاني حين تلقى الكرة من منتصف الملعب وراوغ كل من قابله ليضع الكرة في المرمى.
والطريف أنه في مباراة نصف النهائي أمام بلجيكا أحرز هدفًا مشابهًا بنسبة كبيرة لهدفه في إنجلترا، حيث راوغ أربعة لاعبين في الثلث الأخير من الملعب قبل أن يودعها في شباك الحارس.
ولعل من الصدف الغريبة في سيناريوهات فوز أسطورتي الأرجنتين مارادونا وميسي بالبطولة أنه في المرتين تقدمت الأرجنتين بهدفين ثم أدرك المنافس التعادل وعقّد المباراة؛ هذا ما حدث في 1986 أمام ألمانيا الغربية، وتكرر في البطولة الماضية مع ميسي ورفاقه أمام فرنسا.
والمدهش أن مارادونا، بكل ما فعله، لم ينل في ذلك العام جائزة أفضل لاعب في العالم، فشروط الجائزة في تلك الحقبة كانت تقتضي أن يكون اللاعب أوروبيًا.
ولو كانت الجائزة بتصويت الجماهير لكانت من نصيبه قطعًا، ولكنها المعايير الأوروبية التي «ربما أعطت من لا يملك من لا يستحق»، وفاز بها لاعب الاتحاد السوفيتي وفريق دينامو كييف إيغور بيلانوف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك