غزة - الدستور - أحمد زقوتعشية عيد الفطر السعيد، يسعى مواطنو قطاع غزة بعد عامين من الحرمان جراء الحرب الإسرائيلية الأخيرة، لإحياء بعض طقوس العيد التقليدية، وسط تحديات اقتصادية قاسية وأجواء من الفقد والنزوح، محاولة إدخال لمسة فرح وأمل رغم الظروف الصعبة.
ويأتي ذلك في أجواء خجولة تراعي أهالي الشهداء والجرحى والمفقودين، حيث يتجول المواطنون في الأسواق الشعبية بحذر، يقارنون الأسعار، وغالبًا يكتفون بأبسط الاحتياجات أو يغادرون دون شراء.
ومع ارتفاع الأسعار وتفاقم الأعباء الاقتصادية، أصبحت الأولويات اليومية تركز على تأمين الغذاء والضروريات الأساسية، تاركة مظاهر الاحتفال بالعيد في المرتبة الأخيرة.
الخمسيني طلال أبو حبل يتجول في سوق الصحابة بمدينة غزة بحثًا عن بعض مستلزمات عيد الفطر لأطفاله، في ظل الأسعار المرتفعة والقدرة الشرائية المحدودة.
وقال أبو حبل لـ «الدستور»: «بعد عامين من الحرب، أصبح من الصعب إدخال البهجة على الأطفال كما في السابق.
أحاول شراء أبسط الأشياء لإدخال بعض السرور على قلوبهم، لكن الأسعار مرتفعة جدًا مقارنة بما نملكه من دخل».
وأضاف أبو حبل: «رغم شعورنا بفقد الأحبة وتكرار عمليات النزوح والمشاهد القاسية، والتحديات الاقتصادية الصعبة التي نواجهها يوميًا، نحاول بكل جهد أن نحافظ على طقوس العيد قدر الإمكان»، مشيرًا إلى أنّه يسعى لمنح أطفاله ولو لمحة بسيطة من الفرح والأمل وسط هذه الظروف الصعبة، ليشعروا بأن الحياة تستمر رغم كل الألم والمعاناة المحيطة بهم.
أما الفلسطينية هدى عثمان، فأكدت لـ «الدستور» أنّ فقدان منزلها واستقرارها خلال العامين الماضيين ترك أثرًا نفسيًا عميقًا عليها، مشيرة إلى أنّ السكن في الخيمة يمثل تحديًا كبيرًا، لكنها تحاول رغم ذلك إدخال بعض الفرح إلى قلوب أطفالها ومساعدتهم على تجاوز صعوبات الماضي.
وأضافت عثمان أن الحركة الشرائية هذا العام خجولة للغاية، حيث تقتصر معظم الأسر على شراء الضروريات الأساسية فقط نتيجة ارتفاع الأسعار وصعوبة تأمين الطعام، مشيرة إلى أنّ الاحتفال بالعيد أصبح مرتبطًا بالقدرة على الموازنة بين إدخال السرور للأطفال وتلبية الاحتياجات اليومية للأسرة.
وأكدت أنّ السكان في غزة يواجهون شعورًا بالخذلان والحزن، ويعيشون بين ألم الفقد وصعوبات المعيشة، لكنهم يحاولون الحفاظ على لمحات الفرح ضمن قدراتهم المحدودة.
أما الفلسطينية إيمان حسونة، فأكدت أنّ الأوضاع الاقتصادية ما تزال صعبة على السكان، مشيرة إلى أنّ العديد من العائلات تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية بسبب الغلاء وارتفاع الأسعار، حتى أن شراء الطعام أصبح تحديًا بالنسبة لبعض الأسر في ظل قلة فرص العمل وتراجع مصادر الدخل.
ولا يمر العيد في غزة دون الحزن على الشهداء، حيث تمتلئ المقابر بالزوار الذين يستقبلون أول أيام العيد على قبور أحبّائهم، حاملين معهم الورود ودموعًا لا تجف.
الفلسطينية حنان العمصي، التي فقدت فلذة كبدها خلال الحرب الأخيرة، تؤكد أنّ الألم العميق لا يمنعها من محاولة إدخال لمسة فرح إلى حياتها.
فقدت والدها في قصف شمال القطاع، قالت لـ «الدستور»: «كان أبي يوقظنا لصلاة العيد، ونحتفل معًا، أما هذا العيد فهو تحت التراب، ولم يبقَ لي سوى صورته في ذاكرتي».
وشددت العمصي على أنّه رغم حجم الفقد والألم الكبير والدمار الذي خلفته الحرب، فهي مصممة، ولو بشكل بسيط، على إدخال لمسة فرح في هذا العيد وتجاوز أثر المعاناة.
من جهته، الخمسيني أبو سامي الحاج أحمد، من سكان مدينة غزة، فقد زوجته وطفليه في قصف استهدف منزله خلال الحرب الأخيرة، قال لـ «الدستور»: «لم أتخيل أن أعيش عيدًا بلا ضحكهم وصوتهم، كانت زوجتي تطبخ صباح العيد، وأطفالي يلهون في الحوش، أما هذا العام فلا شيء سوى الصمت والفقد.
»وأضاف بحسرة: «حتى أبسط مظاهر الفرح أصبحت مستحيلة، نعيش على ذكرياتهم وصورهم، لكن مع كل هذا الألم والخسارة، أحاول التمسك بالحياة، أخرج من البيت لأتنفس قليلاً، أرى من حولي من يحاول إدخال لمحة فرح لأولاده الآخرين»، مؤكدًا أنّ «هذا العيد يعلمنا أنّ الحياة تستمر رغم كل شيء.
»وبرغم الظروف الاقتصادية الصعبة والضغوط الحياتية التي يعاني منها السكان، يأمل أصحاب المحال التجارية والبسطات أنّ يسهم موسم العيد في إعادة بعض الحيوية للأسواق، ولو بشكل محدود.
ويشير هؤلاء التجار إلى أنّ موسم العيد عادةً ما يكون فرصة لتعويض جزء من خسائرهم، وموسمًا لزيادة الحركة الشرائية التي تعكس نشاطًا اقتصاديًا مؤقتًا وسط الأزمة.
أدهم أبو صقر، أحد التجار في سوق خانيونس، أوضح أنّ دخول بعض السلع المستوردة خلال الأشهر الماضية ساهم في تنويع المنتجات، ما أدى إلى انخفاض محدود في الأسعار مقارنة بالفترات السابقة.
وبين أبو صقر في حديثه لـ «الدستور» أنّ الحركة التجارية ما تزال دون المستوى المعتاد في موسم العيد، حيث يفضل كثير من المواطنين الاحتفاظ بما لديهم من أموال تحسبًا لأي طارئ، في ظل حالة ترقب مستمرة للأوضاع الاقتصادية والمعيشية في القطاع.
وتحاول العائلات الفلسطينية إعادة إحياء طقوس صنع كعك العيد بعد عامين من الحرمان، لتملأ المطابخ برائحة السميد والسكر والزبدة، محاولين إدخال البهجة للأطفال رغم ارتفاع الأسعار.
وقالت المواطنة أم محمد ريان لـ «الدستور»: «حتى لو اقتصر الأمر على كمية قليلة، نحاول الحفاظ على هذه الطقوس لأطفالنا لإدخال بعض الفرح، وسأكتفي بما أملك من مواد، فالهدف إدخال الابتسامة وليس التبذير».
وفي مخيمات النزوح، أكدت الشابة جمانة البطش أن «صناعة الكعك تحدٍ للواقع الذي يفرضه الاحتلال، ونسعى من خلالها لإدخال الفرح إلى قلوب الأطفال»، مشيرة إلى أنّ التحضير قبل أيام العيد يملأ الخيام بأجواء من السعادة ولو بشكل محدود، ويمنح الأطفال شعورًا بأن الحياة ما زالت ممكنة رغم الخوف والفقد والنزوح.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك