في الأزقّة القديمة لمدينة دمشق، وبين حارات بيوت الريف السوري، تبدأ حكاية الحلويات قبل أن تصل إلى الأطباق، ومع اقتراب الأعياد والمناسبات، تتحول المطابخ إلى ورش صغيرة تعبق بروائح السمن والهيل وماء الورد.
وتمتزج الأيدي بالدقيق وتُحضَّر العجائن ببطء وصبر، بينما تُحمّص المكسرات والسمسم على نار هادئة، ليست مجرد وصفات تقليدية، بل تقاليد اجتماعية تحمل ذاكرة المكان وروح العائلة، التي تترافق غالباً مع الأحاديث والضحكات وتبادل الخبرات بين الأمهات والجدّات.
تتنوع أساليب تحضير الحلويات السورية بين الوصفات المخبوزة التي تحتاج إلى مهارة وصبر، مثل: المعمول والأقراص الصفراء، وبين الحلويات المقلية أو الباردة التي تنتشر في المواسم والمناسبات، إلا أنه مع مرور الوقت، حافظت هذه الأطباق على هويتها التراثية، حتى مع ظهور طرق جديدة أبسط وأسرع تناسب إيقاع الحياة الحديثة.
ورغم التحديات الاقتصادية التي يعيشها السوريون اليوم، ما تزال صناعة الحلويات المنزلية حاضرة بقوّة، ليس فقط كجزء من العادات والتقاليد، بل كوسيلة للحفاظ على التراث ونشر البهجة داخل البيوت.
حكاية الحلويات الدمشقية تقاليد تتوارثها الأجيالتجلس الجدّة أم سليم (65 عاماً) من دمشق أمام طاولة خشبية، تحيط بها وصفات من الدّقيق والسُمسم والمُكسّرات، بينما يقف الأحفاد يراقبون المشهد بفضول.
تقول أم سليم في لحظات تحضير العجين وهي تبتسم: " اليوم ستتعلمون سر الحلويات التي لا يعرف طعمها إلا أهل الشام".
أم سليم اعتادت منذ الصغر على صُنع حلويات العيد ضمن المنزل، في رحلة امتدت من بيت أهلها ومن ثم بيت زوجها وصولاً إلى يومنا هذا الذي تروي فيه لأحفادها طرق العمل الصحيحة وفق معايير الجودة من مكونات وطرق تحضير، مع إضافة الحب الذي يغلب على طعم الحلوى.
تقول أم سليم في حديثٍ لموقع تلفزيون سوريا: " سابقاً، لم تكن فكرة شراء الحلويات ضمن مُتطلبات العيد، بل كان لتحضيرها في المنزل أولويّة لدى ربّات البيوت، ضمن سباق للحصول على لقب أفضل صانعة حلو منزلي بشهادة أهل البيت والجيران".
أم سليم لم تكتفِ بتعلم أصول الحلويات، بل نقلتها لزوجات أولادها وبناتها، بوصفها إرثاً يحمل عبق الماضي وبهجة العيد التي بتنا نفتقدها شيئاً فشيئاً.
في المنزل المجاور، تجتمع عدة نساء حول طاولة كبيرة، تتعالى الضحكات بينما تنشغل الأيدي بالعجين والحشوات، هذه" اللّمة" ليست مجرد عمل جماعي، بل تقليد اجتماعي قديم عاد بقوة، ولكل واحدة منهن وصفة من أمها أو جدتها، لتتحول اللحظة إلى تبادل للخبرات والذكريات.
تروي سعاد النابلسي (55 عاماً) من دمشق ذكرياتها في تحضير الحلويات ضمن أجواء عائلية وتنافسية، فتقول: " كنا نصنع الحلويات في الأعياد فقط، نقسم العمل ضمن ثلاث مراحل: العجين، أي تحضير الرقائق وكرات العجين، ومن ثم تشكيلها ضمن قوالب، لينتهي بها المطاف إلى الفرن، ثم التبريد والتعبئة ضمن عُلب مخصصة لكل نوع".
وتضيف: " أما الآن فأصبح تجهيز الحلويات في البيت لا يقتصر على الأعياد فقط، بل طوال العام، وذلك من مبدأ ـحلو البيت فيه بركة أكترـ بينما حلويات السوق لا نشعر بمذاقها ولا تكفي عائلة بأكملها مع الضيوف".
الحلويات التراثية.
أسرار تُروى في المطابخ السوريةتتنوع طرق إعداد الحلويات المنزلية بين الوصفات التقليدية المتوارثة والحلول السريعة التي ظهرت مؤخراً لتوفير الوقت والكلف.
ويحتل المعمول المشهد العام في سوريا، وفق رواية ربّة المنزل هنادي يوسف من دمشق، التي تقوم بإعداده سنوياً، ويتكون المعمول من عجينة طرية تُحشى بالتمر أو الجوز أو الفستق الحلبي وتُشكَّل بقوالب خشبية تعطي كل حشوة رسمة خاصة يعرفها أهل البيت من النظرة الأولى.
وتضيف هنادي: " في صباح العيد.
يتحوّل تقديم المعمول إلى طقس عائلي، من خلال" صينية" تتنقل بين الضيوف مع فنجان قهوة مُرّة، في توازن متعمد بين مرارة القهوة وحلاوة الحشوة".
أما صنف السمسميّة أو" المقروطة"، الذي يعد من أساسيات الضيافة في ريف دمشق الغربي، يشكل الأولوية لدى ربّة المنزل زينب المصري، لشعبيتها أولًا وسرعة تحضيرها مقارنة بأنواع أخرى.
وتتميز" السمسمية" بشكلها الهندسي وطريقة تحضيرها عبر لفّ العجين المُكوّن من الطحين والسكر و" البيكنج باودر" والسمنة النباتية، ومن ثم تقطيعها ورش السمسم على الطبقة العلوية للقطعة، ما يجعلها مميزة من حيث المكونات والطعم وحجم القطعة والكلفة المتوسطة قياساً بأنواع أخرى.
كما تروي الموظفة سعاد عثمان من ريف دمشق الغربي قصّة" الغريبة"، وهي عبارة عن حلوى ناعمة وهشّة، تعتمد على البساطة في مكوناتها: سمن، وسكر، ودقيق.
لكنها تتطلب دقّة في تحديد النسب أي" العيارات"، لتخرج بقوام يذوب في الفم دون أن يتفتت في الصينية.
وتشير سعاد إلى ارتباط هذا الصّنف في الذاكرة من خلال حفظه بصينية بيضاء داخل خزانة الضيوف، تُفتح في المناسبات أو عند استقبال شخص استثنائي.
بالمقابل، تجد ربة المنزل عائشة سرور من ريف دمشق أن العيد لا يحلو إلا بحضور" الأقراص الصفراء" ضمن تشكيلة العيد، لما لها من وقع خاص في نفوس عائلتها، وتعتبر هذه الأقراص من المعجنات التقليدية المعروفة باسم" قرص السعانين" أو" الكليجة الصفراء"، تحضر في المناسبات الدينية وتتميز بلونها الأصفر القادم من الكُركُم.
عائلات تُحارب الأسعار المرتفعة بالعمل المنزليارتفاعٌ جنونيٌ بالأسعار لَحِق أصناف الحلويات أيضاً، واقعٌ جعل من حضورها حكراً على المناسبات الخاصّة والأعياد.
وبينما يرجع البعض الأمر لارتفاع أسعار المكونات، يلجأ آخرون لخيارات الصناعة المنزلية، أمثال الموظفة راما عبد العال من دمشق، التي تمكنت أخيراً وبعد دراسة واقع السوق والقدرة الشرائية من تأمين حلويات العيد بالحدود الدنيا.
ووفق حديث راما لموقع تلفزيون سوريا، يبقى صنع الحلويات بالمنازل أوفر بكثير من شرائها جاهزة، حيث وصل سعر كيلو المعمول بالجوز والسمن الحيواني إلى 180 ألف ليرة سورية، أما معمول الفستق بلغ الكيلو منه نحو 300 ألف ليرة سورية.
ليبدو في النهاية أن كلفة تجهيز المعمول والغريبة ضمن المنزل نحو 200 ألف ليرة سورية، وهي تشمل: السميد 9 آلاف ليرة سورية، الطحين 8 آلاف ليرة، سمنة نباتية بمعدل كيلو نحو 70 ألف ليرة، عجوة 15 ألف ليرة، كيلو جوز بمعدل وسطي 90 ألف ليرة سورية.
وتصف الموظفة رنا بدران من دمشق الفروق الكبيرة بين الحلويات المنزلية والجاهزة، فتقول: " لا بديل للحلويات المنزلية.
كما أن الفرق واضح بالطعم والنّكهة بسبب اعتمادها على مكونات طبيعية وطازجة، مثل: الزبدة الحقيقية والفانيليا الأصلية، بعيداً عن النكهات الصناعية".
وأضافت رنا أن التحكم بكمية السكر والدسم في الحلويات المنزلية يعد عاملاً رئيسياً لتحقيق التوازن في المذاق، وهو ما يجعلها أفضل بكثير من الحلويات الجاهزة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك