نشرت مجلة “بوليتيكو” تقريرا أعدته إيلي ستوكول وبن جوناسين وجاك ديستش وبول ماكليري قالوا فيه إن حملة الرئيس دونالد ترامب الإعلامية المكثفة للحرب مع إيران حطمت عقودا من الأعراف الرئاسية المتعلقة بالخطابات في زمن الحرب، وأثارت استياء مسؤولين دفاعيين سابقين وأعضاء في الكونغرس.
ولكن البيت الأبيض يحب هذه العملية، فقد أثارت مقاطع الفيديو المدمجة التي نشرتها الإدارة الأمريكية على تطبيق “تيك توك” مثلا، والتي تظهر ضربات صاروخية مدمجة مع مقاطع من أفلام وألعاب فيديو، بالإضافة إلى لغة وزير الدفاع بيت هيغسيث الهجومية في المؤتمرات الصحافية بالبنتاغون، أثارت دهشة أولئك الذين يتبنون نظرة أكثر تقليدية لصورة خطاب الحكومة في زمن الحرب.
ولكن البيت الأبيض يرى أن الاستراتيجية الإعلامية الحديثة تحقق ما يريده: التواصل مع الجمهور.
ونقل الموقع عن مسؤول بارز قوله: “على مدى أربعة أيام، حصدت مقاطع الفيديو التي نشرناها أكثر من 3 مليارات مشاهدة.
وهذا يفوق بكثير أي شيء حققناه خلال الولاية الثانية”.
وتقول المجلة إن هذا الجهد، يعد جزءا من استراتيجية اتصالات حربية تجمع بين عدة جوانب، وكما هو الحال غالبا مع هذا البيت الأبيض، لا تعير اهتماما يذكر للسوابق الرئاسية أو الأعراف الاجتماعية.
وقد ساهمت أكثر من ستة مقاطع فيديو، نشرها فريق صغير من موظفي الاتصالات في البيت الأبيض النشطين جدا على الإنترنت والمكلفين بمشاركة المحتوى الذي يملأ مجموعاتهم الخاصة، في توجيه النقاش.
ومع ذلك، أعرب مسؤولون سابقون عن استيائهم من مقاطع الفيديو، سواء كانت تلك التي تحمل عنوان “ها هو الانفجار” والتي تظهر جناح الدفاع في دوري كرة القدم الأمريكية وهم يعرقلون لاعبي الهجوم بعنف (مع تعليق “تاتش داون”)، أو مقاطع أخرى في تطبيق تيك توك تظهر ضربات “هوم رن” في دوري البيسبول الرئيسي، ولعبة “غراند ثيفت أوتو”، وأفلاما مثل “الرجل الحديدي” و”توب غان” و”غلادييتور”.
وعلق جو فوتيل، القائد السابق للقيادة المركزية خلال إدارة ترامب الأولى قائلا: “لا أعتقد أن أداء رجالنا ونسائنا في الزي العسكري يحتاج إلى تجميل من هوليوود أو ألعاب الفيديو، فهم يمثلون الشعب الأمريكي خير تمثيل”.
ويرى بعض من لبسوا الزي العسكري وكانوا مسؤولين عن إرسال قوات إلى ساحة المعركة، أن هذا التغليف السطحي المُستوحى من ألعاب الفيديو يقلل من شأن الحرب ويظهر قلة احترام لها.
وقال الجنرال المتقاعد بن هودجز، والذي قاد القوات الأمريكية في أوروبا خلال الولاية الثانية للرئيس باراك أوباما: “يبدو الأمر منفصلا عن الواقع” و”ينظر حلفاؤنا إلى هذا ويتساءلون: ما الذي يحدث بحق الجحيم؟ لا يبدو أننا جادون”.
وتضيف المجلة أنه ومنذ بدء الحرب قبل ثلاثة أسابيع، كثف الرئيس ترامب ومساعدوه منشوراتهم ورسائلهم عبر منصات مختلفة، عدد منها على شكل مقاطع فيديو صممت خصيصا لجذب جمهور محدد.
وقد روج ترامب لرسائل منفلتة في عشرات المقابلات العفوية مع صحافيين يتصلون به على هاتفه الشخصي في عدة مناسبات.
كما ردّد هيغسيث، الذي غالبا ما يرافقه رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين، خطاب الرئيس المبالغ فيه، حيث أعلن عن سلسلة من الانتصارات، حتى مع امتناعه عن تحديد ما يعنيه بالنصر الأمريكي.
ويقول البيت الأبيض إن ما يقدمه هو رسالة رابحة، وبحسب مسؤول بارز فيه: ” تظهر الاستطلاعات أن الكثير من الشبان يدعمون بطريقة ما هذه الحرب، وهدفنا هو تقديم محتوى لهم”، مضيفا: “ما نفعله لا علاقة له بقلة احترام للجنود، بل على العكس، نسلط الضوء على كل العمل العظيم.
العمل البطولي الذي يقومون به من خلال مقاطع الفيديو هذه، ونعملها بطريقة تأسر المشاهدين”.
وتعلق المجلة أن أيا من الإدارات السابقة لم تحاول تسويق الحرب عبر الفيديو من خلال تصوير لاعب البولينغ المعروف بيت ويبر، وهو يحرز الضربة القاضية ضد الجيش الإيراني باستخدام صور مولدة بالكمبيوتر ومرفقة بموسيقى لينيرد سكينيرد.
لكن الإدارات السابقة لم تكن موجودة في عصر المحادثات الجماعية المتواصلة وتطبيق تيك توك والذكاء الاصطناعي.
وقال المسؤول: “نستخدم كل الأدوات المتاحة لدينا لضمان وجود رسائل مناسبة لتصحيح المعلومات المغلوطة، ولتمكين حلفائنا من المساعدة في نشر رسالتنا.
على سبيل المثال، ما المقصود بـ”التواصل الحربي”؟ ما الذي كان يقوله فريق بوش السابق؟ حسنا، إذا أردنا الحديث عن التواصل الحربي في عهد بوش، فالأمر ليس جيدا.
“إنجاز المهمة”؟ إنه ببساطة زمن مختلف وجمهور مختلف”.
وفي نظر مسؤول بارز آخر في البيت الأبيض، مشارك بشكل قريب في جهود إنتاج الفيديوهات، فإن المشروع هو جهد إبداعي تعاوني.
وقال المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن هويته: “نحن هنا نعمل بجد على إنتاج فيديوهات مضحكة ومسلية، هناك جانب ترفيهي لما نقوم به، لكن في النهاية، الأمر يرجع إلى حقيقة أنه لم يسبق لأحد أن حاول التواصل مع الشعب الأمريكي بهذه الطريقة من قبل”.
وتعلق المجلة أن ما يقوم به فريق ترامب في البيت الأييض يشبه أسلوب الحملة السياسية للرئيس خلال انتخابات 2024.
وتقول لورين كاب، الاستراتيجية الرقمية الديمقراطية ومؤسسة شركة “لوميناري ستراتيجيز”: “استراتيجيتهم بأكملها تقوم على إثارة الغضب والحصول على أكبر عدد ممكن من المشاهدات، لا يهمهم إن كان التفاعل سلبيا أم إيجابيا، فهم يريدون أن يشاهد هذه الفيديوهات أكبر عدد ممكن من الشباب الذين يسهل التأثير عليهم”.
كما اتخذ مسؤولو البنتاغون نبرة حادة، في محاولة للسخرية من منتقدي “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” والصحافيين والنظام الإيراني، في امتداد واضح لاستراتيجية البيت الأبيض في نشر المحتوى على نطاق واسع.
وقال هيغسيث بأن الولايات المتحدة لن تتهاون مع أعدائها ولن ترحمهم، في إشارة إلى أنه لا ينبغي للقوات أن تتسامح في قتل أعدائها، وهو ما يعد جريمة حرب محتملة.
كما وصف هيغسيث قواعد الاشتباك بأنها “سخيفة”، ووصف القادة الإيرانيين بأنهم “جرذان” يختبئون تحت الأرض.
ولم يرد البنتاغون على طلب التعليق من المجلة.
وقال توم ريكس، المراسل العسكري المخضرم والمؤرخ العسكري والمؤلف حاليا: “إن نهج إدارة ترامب في مناقشة الحرب ضد إيران غير مألوف وغير مسبوق، فمع وجود هيغسيث على رأسها، يمزجون بين عدم الكفاءة والغطرسة.
ويبدو أنهم لا يكترثون برأي الشعب الأمريكي، وهو نهج خطير”.
ومع ذلك، لا توجد مؤشرات تذكر باستثناء أرقام المشاركة، على أن رسائل الإدارة تكسب الرأي العام.
فقد أظهر استطلاع لمؤسسة يوغوف هذا الأسبوع، أن 56% من الأمريكيين و63% من الناخبين المستقلين، لا يوافقون على تعامل ترامب مع إيران.
وبنفس الطريقة، لم تمنع الحملة الإعلامية باستخدام الفيديوهات لمنع انقسامات في قاعدة ترامب الشعبية “ماغا” والتي دفعته للفوز بالولاية الثانية، حيث وعدهم بأنه سينهي الحروب الأبدية ويركز على الشؤون المحلية.
فقد انتقد جو روغان، وهو مقدم بودكاست شهير، ساعد ترامب في الوصول إلى الشباب خلال حملته الانتخابية، الحربَ على إيران ووصفها بـ”الجنون”، وأكد أن عددا من مستمعيه يشعرون بـ”الخيانة” بسبب تركيز ترامب على المغامرات العسكرية.
كما أظهر استطلاع رأي أجرته رويترز/إيبسوس في شباط/ فبراير أن 33% من الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاما راضون عن أداء ترامب في البيت الأبيض، بانخفاض عن نسبة 43% التي حصل عليها مع نفس الفئة العمرية العام الماضي.
وتقول المجلة إن استراتيجية الرسائل الموجهة لقاعدة ترامب الانتخابية قد يكون لها أثر عكسي وهو تعزيز التصورات السلبية عن الحرب.
ويقول ماكس بيرنز، وهو استراتيجي ديمقراطي ومؤسس شركة “ثيرد ديغري ستراتيجيز”: “إنها تستهدف قاعدة ترامب الانتخابية بشكل مباشر وبخاصة هؤلاء الشباب الذين ينشطون على الإنترنت، وخاصةً أولئك الذين يروجون لأفكار ترامب المؤيدة له على منصة فور تشان ماغا، والذين، تماما مثل ترامب، يتعاملون مع الحرب وكأنها لعبة فيديو”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك