لماذا لا يعني “الشامل” حماية كاملة… ولماذا تحتاج آلية التعويض إلى إعادة نظر“ليست المشكلة في وجود التغطية… بل في كيفية تفسيرها وتطبيقها عند الحاجة.
”في سوق التأمين على المركبات في مملكة البحرين، يتعامل كثير من الأفراد مع التأمين الشامل على أنه ضمان لحماية كاملة من جميع المخاطر.
وهذا التصور، رغم انتشاره، إلا انه لا يعكس الواقع الفعلي لطبيعة الوثائق التأمينية، بل يساهم في خلق فجوة واضحة بين توقعات العملاء وما يتحقق فعليًا عند وقوع الحوادث وتقديم المطالبات.
القانون في البحرين يُلزم جميع مالكي المركبات بالحصول على تأمين ضد الغير (الطرف الثالث)، وهو يغطي الأضرار التي قد تلحق بالآخرين.
أما التأمين الشامل، فهو خيار إضافي يوسّع نطاق التغطية ليشمل أضرار المركبة نفسها، إلى جانب مخاطر مثل السرقة أو الحريق.
إلا أن هذا التوسع لا يعني أن التغطية مطلقة أو غير محدودة، بل تظل محكومة بشروط وحدود واستثناءات تختلف من شركة إلى أخرى، مع العلم بأن مصرف البحرين المركزي قد اصدر في العام ٢٠٢٠ قراراً حدد في صيغة الوثيقة الموحدة التي توفر الحد الأدنى من التغطيات الواجب توفيرها للعملاء.
هذه الوثيقة الموحدة ايضاً حددت كيفيّة احتساب نسبة الاستهلاك على قطع الغيار وكذلك لزوم تصليح المركبات المتضررة في الوكالة لمدة السنوات الثلاث الاولى من عمر المركبة.
إن مصطلح “شامل” قد يعطي انطباعًا لغويًا بأنه يغطي كل شيء، بينما هو في الحقيقة توصيف لتغطية أوسع فقط، وليس كاملة.
هذه الفجوة بين المعنى اللغوي والمعنى الفني تُعد من أبرز أسباب سوء الفهم في السوق.
في الواقع، يعتمد كثير من العملاء في البحرين على السعر كعامل رئيسي في اختيار وثيقة التأمين، وهذا يرجع إلى افتراض هم أن جميع وثائق التأمين الشامل متشابهة.
لكن الحقيقة أن الفروقات بين الوثائق قد تكون جوهرية، حتى وإن بدت متقاربة في ظاهرها.
فعلى سبيل المثال قد تتضمن وثيقة إصلاح المركبة لدى الوكالة لمدة تصل إلى عشر سنوات من عمر المركبة بينما تقتصر وثيقة أخرى على التصليح في ورش معتمدة من شركة التأمين.
وقد تشمل بعض الوثائق تغطية للكوارث الطبيعية، في حين تستثنيها أخرى.
كما تختلف طريقة احتساب التعويض، حيث تعتمد بعض الوثائق القيمة الاستبدالية، بينما تطبق أخرى نسب الاستهلاك على قطع الغيار.
هذه التفاصيل، التي قد لا تحظى بالاهتمام الكافي عند الشراء، تصبح حاسمة عند وقوع الحادث.
وهنا تبرز لحظة الحقيقة.
عند تقديم المطالبة، يواجه بعض العملاء واقعًا مختلفًا عن توقعاتهم.
فكثير من الناس يتوقعون تعويضًا كاملًا دون خصومات، بينما تنص الوثائق على وجود نسب تحمل، وتطبيقات للاستهلاك، وقيود على نوع الإصلاح.
ومن أبرز النقاط التي يغفل عنها الكثيرون مسألة الاستهلاك (Depreciation) على قطع الغيار، حيث يتم في كثير من الحالات خصم نسبة من قيمة القطع المستبدلة بناءً على عمر المركبة أو حالتها.
وهذا يعني أن العميل قد يتحمل جزءًا من تكلفة الإصلاح رغم وجود تأمين شامل، وهو ما يشكل مفاجأة غير متوقعة لمن لم يكن على دراية بهذه الآلية مسبقًا.
هذه الفجوة لا تعني بالضرورة وجود خلل في الوثيقة، بل تعكس في كثير من الأحيان عدم وضوح الفهم منذ البداية.
لكن الإشكالية الأكثر حساسية لا تتعلق فقط بنطاق التغطية، بل بأساس التعويض نفسه، وتحديدًا الفرق بينمبلغ التأمين” والقيمة السوقية" ”فعند إصدار الوثيقة، يتم تحديد مبلغ التأمين في الغالب من قبل العميل وهو القيمة التي تم تقدير المركبة بها، وقبلتها شركة التأمين كأساس للتغطية، وتم احتساب القسط بناءً عليها.
هذا الرقم يعطي انطباعًا واضحًا بأنه يمثل القيمة التي سيتم التعويض على أساسها في حال الخسارة الكلية.
إلا أن ما يحدث في بعض الحالات هو الرجوع إلى القيمة السوقية للمركبة وقت الحادث، والتي قد تكون أقل من مبلغ التأمين، وكثيراً ما يتم الاستعانة بخبراء لتقييم المركبات المتضررة لتحديد قيمتها قبل الحادث، وبهذا يجد العميل نفسه أمام تعويض يقل عن القيمة التي تم الاتفاق عليها عند إصدار الوثيقة.
هذا الواقع يطرح تساؤلًا منطقيًا: إذا كانت شركة التأمين قد قبلت مبلغ التأمين عند الإصدار، واستوفت القسط بناءً عليه، فهل من العدل إعادة تقييم هذه القيمة عند المطالبة؟ وإذا كانت القيمة السوقية هي المرجع الفعلي، فلماذا لا يتم اعتمادها بشكل واضح منذ البداية؟هذه المسألة لا تُعد مجرد تفصيل فني، بل تمس جوهر العلاقة التعاقدية بين الطرفين.
فالعقد التأميني يفترض أن يكون واضحًا وثابتًا، بحيث يعرف كل طرف حقوقه والتزاماته منذ البداية، وليس عند وقوع الخسارة.
كما أن هذا التباين ينعكس بشكل مباشر على مستوى الثقة في القطاع.
عندما يشعر العميل أن ما تم الاتفاق عليه لا يُطبق كما هو، تتأثر نظرته للتأمين بشكل عام، حتى وإن كانت الإجراءات من الناحية الفنية متوافقة مع شروط الوثيقة.
من هنا، تبرز الحاجة إلى تعزيز مستوى الشفافية في السوق، سواء من خلال توضيح الفروقات بين الوثائق بشكل أدق، أو من خلال تحديد آلية واضحة لاحتساب التعويض تكون مفهومة للعميل منذ البداية.
كما أن للجهات التنظيمية دورًا مهمًا في مراجعة هذه الممارسات لضمان تحقيق التوازن والعدالة بين جميع الأطراف.
في النهاية، التأمين الشامل في البحرين ليس مشكلة بحد ذاته، بل إن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية فهمه وتطبيقه.
الفرق بين تجربة تأمينية ناجحة وأخرى مخيبة لا يكون في اسم المنتج، بل في تفاصيله، وفي مدى وضوح هذه التفاصيل منذ البداية.
وقبل اتخاذ قرار شراء أو تجديد التأمين، يبقى السؤال الأهم:هل يتم اختيار الوثيقة بناءً على السعر فقط، أم على أساس الفهم الحقيقي لما توفره من حماية؟خبير تأمين معتمد وزميل معهد التأمين القانوني البريطاني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك