على مدى أكثر من 6 عقود، ظلت طائرة" KC-135 Stratotanker" واحدة من أهم ركائز سلاح الجو الأميركي، باعتبارها الطائرة التي تتولى مهمة التزوّد بالوقود جواً، وهي تقنية بالغة الحساسية تعتمدها الولايات المتحدة حتى اليوم.
ورغم أن مظهر ال" ستراتوتانكر" يوحي بأنها نسخة عسكرية من إحدى طائرات بوينغ المدنية، فإن الحقيقة أن مسار تطويرها كان أقرب إلى تطور منفصل عن عالم الطيران التجاري، لا مجرد تحويل طائرة ركاب لأغراض عسكرية.
تعود القصة إلى عام 1954، حين كانت" بوينغ" تعمل على تطوير النموذج 367-80، أو ما عرف لاحقاً باسم" Dash 80".
وإذا شاهدته اليوم في مركز" أودفار هازي" التابع لمتحف الطيران والفضاء الأميركي، فستلاحظ أنه يشبه إلى حد كبير طائرات الركاب الحديثة.
كان الهدف من تطويره مزدوجاً: تقديم منصة جديدة للجيش الأميركي، وفي الوقت نفسه استعراض مستقبل الطيران التجاري أمام شركات الطيران العالمية، وذلك بعد أقل من عقد على نهاية الحرب العالمية الثانية وفي خضم اشتداد الحرب الباردة.
أبهرت هذه الطائرة رجال الصناعة والمسؤولين العسكريين على حد سواء.
فبالنسبة لشركات الطيران، بدا ال" داش 80" بمثابة ثورة، وهو ما دفع بوينغ لاحقاً لتحويل هذا النموذج إلى" بوينغ 707" الشهيرة، إحدى أهم الطائرات في تاريخ الطيران المدني.
أما الجيش الأميركي، فقد كان إعجابه أكبر.
ففي العام نفسه (1954) طلب سلاح الجو 29 طائرة من النموذج الذي سيعرف لاحقاً باسم" KC-135"، قبل أن يتوسع الإنتاج ليصل إلى 732 طائرة غادرت خط التجميع خلال السنوات التالية.
وطلبت القوات الجوية من بوينغ توسيع جسم الطائرة بمقدار قدم واحدة لتتمكن من أداء مهام متعددة، سواء كناقلة وقود أو طائرة نقل.
وفي عام 1955، وبينما كانت بوينغ تستعرض ال" داش 80" حول العالم، خطف قائد الاختبارات الشهير تكس جونستون الأنظار عندما نفذ مناورة مفاجئة وخطيرة: دوران البرميل (Barrel Roll) بالطائرة العملاقة، في مشهد أراد منه إظهار مدى قدراتها وإقناع المشترين المحتملين.
ومنذ ذلك الوقت، كما يقولون، أصبح التاريخ يكتب في السماء.
فبعد 72 عاماً، ما زال سلاح الجو الأميركي والحرس الوطني الجوي يستخدمون" القريب" المباشر لأول طائرات الركاب النفاثة في العالم.
صحيح أن النسخة الحديثة من" ستراتوتانكر" تغيرت كثيراً، إذ باتت مزودة بقوة دفع تصل إلى 86,536 رطلاً مقارنة بنحو 40 ألف رطل فقط في نموذج ال Dash 80، كما حصلت على أحدث أنظمة الطيران والملاحة للقيام بأدوار إضافية، مثل مهام القيادة والسيطرة أو الاستطلاع.
ومع كل هذا التطور، تبقى الفكرة الأصلية نفسها: طائرة ولدت كمشروع يجمع بين المدني والعسكري، لكنها صنعت إرثاً خاصاً جعلها جزءاً لا يتجزأ من القوة الجوية الأميركية حتى يومنا هذا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك