- دعنا من حكاية الحسن البصرى مع رابعة العدوية، فقد سمعت أنها كانت بينها وبين المحدث سليمان الثورى مواقف كثيرة.
- نعم، كانت الثورى يستريح لها، ويطلق عليها صفة «المؤدِّبة»، أى المربية التى يتعلم منها آداب الدين، وقد دخل عليها يوماً فرفع يده، وقال: اللهم إنى أسألك السلامة، فبكت رابعة، فسألها: ما يبكيك؟ أجابت: أنت عرضتنى للبكاء، فسألها: كيف؟ قالت: أما علمت أن السلامة من الدنيا ترك ما فيها، فكيف وأنت متلطخ بها؟وقالت له مرة إنما أنت أيام معدودة، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك، ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكل وأنت تعلم، فاعمل.
وذات مرة ثالثة كان بين يديها، وزفر متألماً وقال: واحزناه، فقالت له: لا تكذب، قل واقلة حزناه، فلو كنت محزوناً ما هنأ لك العيش.
- ألهذه الدرجة كانت ترى سفيان الثورى على صلاحه وورعه مشغولاً بالدنيا؟- نعم، كان لها حدس عميق فى هذا، ولا تغرها المظاهر، أو تحجب الأقوال عنها حقيقة الأفعال.
فذات مرة دخل عليها أناس، وتذكروا الدنيا، فراحوا يذمونها، فنظرت إليهم رابعة، وقالت: إنى لأرى الدنيا بترابيعها فى قلوبكم؟
اندهشوا وسألوها: من أين توهمت علينا؟ أجابتهم: إنكم نظرتم إلى أقرب الأشياء من قلوبكم فتكلمتم فيه.
- هل عاشت بتولاً؟ سأل سرحان.
- يقال إن أمير البصرة محمد بن سليمان الهاشمى، أُعجبها، وأراد الزواج منها، فأرسل إليها يقول: «لى غلّة عشرة آلاف فى كل شهر أجعلها لك»، فردت عليه: «ما يسرّنى أنك لى عبد وأن كل ما لك لى وأنك شغلتنى عن الله طرفة عين».
وهناك رواية أخرى تقول إنها كتبت للأمير: «أما بعدُ: فإن الزهد فى الدنيا راحة البدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فهيئ زادك، وقدّم لمعادك، وكن وصىّ نفسك، ولا تجعل الرجال أوصياءك فيقتسموا تركتك، وصُم الدهر، واجعل فطرك الموت.
وأما أنا فلو خوّلنى الله أمثالك ما حزت وأضعافه فلم يسرّنى أن أشتغل عن الله طرفة عين، والسلام».
وقيل إنه قد سعى فى خطبتها رجل آخر اسمه عبدالواحد بن زيد، وكان ذا شأن كبير، فهجرته أياماً حتى شفع له إليها إخوانه، وأدرك أنها لا تريده.
- لكن هناك من يقول إنها قد تزوجت.
- لا، هذا راجع إلى خلط بينها وبين رابعة الشامية زوجة أحمد بن أبى الحوارى، وقد ورد فى هذه الرواية المكذوبة حديث عن أن الحسن البصرى طلب منها أن تتزوج ثانية بعد وفاة زوجها، بينما الحسن ولد سنة 21 هـ، وتوفى سنة 110 هـ، فى حين أن رابعة ولدت سنة 95 أو 99 هـ، وتوفيت سنة 180 أو 185 هـ، ولذا من المستحيل لقياهما.
ويقال إنها قد عبرت عن استغنائها بمحبة الله، ولم تنشغل بمحبة الرجال فى أبيات أنشدت فيها:«راحتى يا إخوتى فى خلوتى.
وحبيبى دائماً فى حضرتىلم أجد لى عن هواه عوضاً.
وهواه فى البرايا محنتىحيثما كنت أشاهد حسنه.
فهو محرابى إليه قبلتىإن أمت وجداً وما ثم رضا.
واعنائى فى الورى وشقوتىيا طبيب القلب يا كل المنى.
جد بوصل منك يشفى مهجتىيا سرورى وحياتى دائماً.
نشأتى منك وأيضاً نشوتىقد هجرت الخلق جمعاً أرتجى.
منك وصلاً فهو أقصى منيتى».
وتقول فى أشعار أخرى عن هذه المحبة:«إنى جعلتك فى الفؤاد محدثى.
وأبحت جسمى من أراد جلوسىفالجسم منّى للجليس مؤانس.
وحبيب قلبى فى الفؤاد أنيسى».
هز سرحان رأسه سابحاً فى بديع الشعر الذى ينطق بمحبة الله، وقال:- تبدو وكأنها المعادل الصوفى للسيدة مريم العذراء.
تفَّكر عرفان فيما سمع، وقال:- قولك هذا يذكرنى بما قاله فيها فريد الدين العطار.
- وصفها قائلاً: «ذات الخدر الخاص المستور بستر الإخلاص، المتقدة بنار العشق والاشتياق، المتحرقة إلى القرب والاحتراق، الفانية فى الوصال، المقبولة عند الرجال، كأنها مريم ثانية، صافية صفية، إنها رابعة العدوية».
- يبدو أنها كانت تعبد الله محبة فيه، وليس طمعاً فى جنة، ولا خوفاً من نار.
قال سرحان.
- فعلاً، وهناك حكاية تروى فى هذا الشأن، إذ سألت قوماً كانوا عندها عن سبب عبادتهم الله، فقال أحدهم: إننا نعبده خوفاً من النار.
وقال آخر: بل نعبده خوفاً من النار وطمعاً فى الجنة.
فقالت رابعة: ما أسوأ أن يعبد العابد الله رجاء الجنة أو مخافة النار! وتساءلت: إذا لم تكن هناك جنة ولا نار، أفما كان الله يستحقّ العبادة؟ فسألوها: فلماذا تعبدين أنتِ الله؟ فقالت: إنما أعبده لذاته، أفلا يكفينى إنعامه علىّ بأنه أمرنى أن أعبده؟ساد بين الصاحبين صمت، طال هذه المرة، قطعه سرحان قائلاً:- قد يكون محبو رابعة، ومن أرادوا لها بلوغ هذا المقام، قد أنشأوا سيرتها إنشاء، لكن لا بأس من تصويرها على هذا النحو المكتمل، كأمثولة خالدة.
- رأيك هذا يذكرنى بما قاله عبدالرحمن بدوى، الذى جمع كثيراً عنها فى كتابه ثم قال: «ليس لنا ويا للأسف عن حياتها من الوثائق ما يسمح بتأريخ تطورها الروحى على نحو مفصل أو شبه مفصل، إن مؤرخ التصوف الإسلامى لا يكاد يملك وثيقة واحدة عن سيرة رابعة يستطيع الاطمئنان إليها».
- هل ضمن هذا الإنشاء شىء عن كراماتها؟- نعم، وهو ما أورده العطار، حيث يقول إنها قصدت الكعبة حاجة ذات مرة، وكان معها حمار حمّلته متاعها، فلما بلغت نصف الطريق نفق منها، وأراد بعض الناس أن يحملوا أثقالها فرفضت، وقالت لهم: أنتم اذهبوا فإنى ما جئت متوكلة عليكم، فارتحلت القافلة وبقيت رابعة فى البادية منفردة، قالت: إلهى! أكذا يفعل الملوك بعبيدهم الضعفاء العاجزين؟ لقد دعوتنى إلى زيارة بيتك، وها أنت ذا تدع حمارى ينفق فى الطريق، وتدعنى فى الفيافى وحيدة، فما أتمت هذه الكلمات حتى نهض الحمار مليئاً بالحياة، فوضعت عليه متاعها، وهمت، فلحقت بالقافلة.
وهناك من يقول إنها حين انقطعت عن قيام الليل لعلة أصابتها، رأت فى المنام ما جعلتها تدرك غضب الله منها، لكن فضل الله وعفوه جعلها ترى حورية راحت تطوف بها الجنة، وتطمئنها على حالها.
- عاشت رابعة قانتة عابدة حتى صارت عجوزاً، تنتظر الموت، لتلتقى حبيبها.
ويقال إنها قد علقت كفنها على مشجب من قصب طوله ذراعان، كى تتأمله دوماً، فإذا نظرت إليه، وتذكرت الموت انتفضت، وأصابتها رعدة شديدة.
- وهل أوصت بشىء قبيل وفاتها؟ سأل سرحان.
- نعم، يقال إنها حين حضرها الموت نادت خادمتها عبدة بنت أبى شوال، وقالت لها: يا عبْدة لا تُؤذِنى بموتى أحداً، وكفّنينى فى جُبّتى هذه، وهى جبّة من شعر كانت تقوم فيها إذا هدأت العيون.
قالت عبدة: فكفّناها فى تلك الجبّة، وفى خمار صوف كانت تلبسه.
ثم رأيتُها بعد ذلك بسنة أو نحوها فى منامى عليها حُلّة إستبرق خضراء، وخمار من سندس أخضر لم أر شيئاً قط أحسن منه.
فقلتُ يا رابعة: ما فعلتِ بالجبّة التى كفنّاك فيها والخمار الصوف؟ قالت: إنه والله نُزع عنى، وأُبدلتُ به ما ترينه علىّ، فطويتُ أكفانى وخُتم عليها، ورُفعتُ فى عليين ليُكمل لى بها ثوابها يوم القيامة.
قلتُ فمُرينى بأمر أتقرّب به إلى الله عزّ وجل.
قالت: عليك بكثرة ذكره يوشك أن تغتبطى بذلك فى قبرك».
- اختلف المؤرخون حول تاريخ وفاتها.
ـ نعم، لكن الأرجح أنها توفيت سنة 180 هـ أو 185 على الأكثر.
- واختلفوا أيضاً حول مكان دفنها.
- نعم، هناك من يزعم دفنها فى بيت المقدس، لكن هذا ناجم عن الخلط بينها وبين رابعة الشامية، كما قلت لك، والأرجح أنها دفنت بالبصرة، حيث عاشت.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك