يصح فى فهم الآية الكريمة التى تقول: «وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ» أن نضع فرضيتين، الفرضية الأولى أن النهى بمعنى «الحماية» والنأى بمعنى «البعد»، والفرضية الثانية أن النهى بمعنى «التحريض» على الابتعاد والنأى -كما هو- معناه «البعد».
ذلك ما تستطيع أن تفهمه من التأويلات التى قدمها المفسرون للآية.
يذهب «ابن كثير» إلى أن ثمة تأويلاً ظاهراً للآية يشير إلى ما كان يفعله المشركون من نهى لأهل مكة عن الإيمان بالنبى، صلى الله عليه وسلم، ورسالة الإسلام التى كان يدعو إليها.
والنهى هنا كان يأخذ شكلين: النهى بالقول وذلك بالتحريض ضد الرسول والرسالة، والنهى بالفعل عن طريق التعذيب المذل للمؤمنين المستضعفين حتى يكونوا عبرة لغيرهم، وكى يفكر أى مستضعف ألف مرة قبل أن يعطى أذنه للنبى ويؤمن بالإسلام.
وبالطبع لم يكن المشركون يكتفون بالنهى عن النبى، بل كانوا يبعدون هم الآخرون عنه وعن الرسالة ويناصبونها العداء، ويحاصرونه ويطاردونه فى كل الاتجاهات.
وقد طرح «ابن كثير» تأويلاً آخر للآية الكريمة أشار فيه إلى أنها نزلت فى عم النبى أبى طالب، حيث كان ينهى الناس عن أذية رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وينأى هو عما جاء به الرسول من الهدى ودين الحق.
وهذا التأويل فيه نظر، لأن الآية صريحة فى التعبير عن مجموع وليس عن فرد معين: «وهم ينهون عنه وينأون عنه».
فالنهى والنأى كان مصدره المجموع المشرك.
وموقع أبى طالب من النبى معروف وحمايته له معلومة بالضرورة، ويكفى أن النبى أطلق على العام الذى توفى فيه عمه: «عام الحزن» بسبب إحساسه بفقد السند الذى كان يدفع عنه أذى قريش، وهو فى كل الأحوال لم ينأ أو يبتعد عن النبى، صلى الله عليه وسلم، يقول «ابن كثير»: «وأبوطالب لم يكن بهذه المثابة بل كان يصد الناس عن أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بكل ما يقدر عليه من فعال ومقال ونفس ومال، ولكن مع هذا لم يقدر الله له الايمان لما له تعالى فى ذلك من الحكمة العظيمة والحجة القاطعة البالغة الدامغة التى يجب الإيمان بها والتسليم لها، ولولا ما نهانا الله عنه من الاستغفار للمشركين لاستغفرنا لأبى طالب وترحمنا عليه».
فى المجمل تشير الآية القرآنية إلى حالة إنسانية قد ينهى فيها شخص عن فكرة معينة ويمنع الناس منها ويحذرهم من الاقتراب من صاحبها ويدعوهم إلى النأى عنه، كما تعبر عن حالة أخرى يدافع فيها الشخص دفاعاً موضوعياً عن شخص آخر، ويصد عنه هجمات الآخرين، لكنه لا يؤمن بما يدعو إليه من أفكار.
فالفكرة فى الحالة الأولى هى الأصل، أما الشخص فهو الأصل فى الحالة الثانية.
والآية فى الحالتين تمنحك مؤشراً على سخاء المعانى الذى تتميز به آيات القرآن الكريم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك