Independent عربية - لماذا اختفى فيروس "هانتا" من الأخبار؟ قناة الغد - خشية تهديدات أمنية.. تحذير للرئيس الصربي من حضور قمة الجبل الأسود روسيا اليوم - موسكو: واشنطن متمسكة بالتسوية في أوكرانيا وأوروبا ليست طرفا مفاوضا نتيجة موقفها المعادي روسيا اليوم - شراكة استراتيجية تجاوزت الصدمات.. مسؤولون روس يتحدثون عن علاقة وثيقة مع السعودية سويس إنفو - كيف تضغط مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي على الموارد المائية في سويسرا؟ روسيا اليوم - "اليونيفيل" تعلن مقتل جندي وإصابة اثنين بقصف في جنوب لبنان وكالة الأناضول - تركيا.. مدينة أفس الأثرية تفتح أبوابها ضمن مشروع المتاحف الليلية العربي الجديد - "فيفا" يشدد الإجراءات الأمنية في ملاعب كأس العالم 2026 يني شفق العربية - كاتس: استمرار إطلاق النار في لبنان مشروط بإبعاد حزب الله شمال الليطاني سكاي نيوز عربية - لجنة الحصر تتحرك.. العراق يبدأ المعركة ضد شعار السلاح المقدس
عامة

من «فرصة أخيرة» إلى قلم «قنصوة» الرصاص

الوطن
الوطن منذ شهرين
5

ثمة لحظات فى الدراما لا تعكس الخيال بقدر ما تعكس الواقع الذى نحياه ثم ننساه، عندما يظهر القاضى على الشاشة فى مسلسل «فرصة أخيرة» مرتدياً الرداء الأسود، لا يبدو مجرد شخصية درامية تقود الحبكة نحو النهاية...

ملخص مرصد
مسلسل «فرصة أخيرة» يستحضر صورة القاضي الحقيقي المستشار المحمدى قنصوة، الذي حمل العدالة بصمت ورجفة، مؤكداً استقلال القضاء وإنسانية القاضي في مواجهة الضغوط والمسؤولية الكبرى.
  • القاضي الحقيقي يحمل العدالة بصمت ورجفة قبل النطق بالحكم
  • المستشار قنصوة رفض التدخلات الخارجية وتمسك باستقلال القضاء
  • الدراما تعكس إنسانية القاضي وصراعه بين القانون والضمير
من: المستشار المحمدى قنصوة أين: مصر

ثمة لحظات فى الدراما لا تعكس الخيال بقدر ما تعكس الواقع الذى نحياه ثم ننساه، عندما يظهر القاضى على الشاشة فى مسلسل «فرصة أخيرة» مرتدياً الرداء الأسود، لا يبدو مجرد شخصية درامية تقود الحبكة نحو النهاية، لكنه يبدو كأنه يحمل على كتفيه وزن فكرة أقدم من الدراما نفسها، هى تحقيق العدالة.

يقف الفنان الكبير محمود حميدة فى دور المستشار يحيى الأسوانى بوجه هادئ ونظرة حادة، كأن القانون نفسه اتخذ هيئة إنسان، لكن الغريب أننى، وأنا أتابع تلك المشاهد، لم أرَ شخصية خيالية بقدر ما رأيت ظل رجل عرفته يوماً فى قاعات المحاكم، رجل لم يكن ممثلاً ولا بطلاً درامياً، بل كان قاضياً حقيقياً اسمه المستشار المحمدى قنصوة.

فى الحياة الواقعية لا توجد موسيقى تصويرية تسبق النطق بالحكم، ولا كاميرا تقترب من وجه القاضى لحظة الحسم، لكن هناك صمتاً أثقل من أى موسيقى، صمت القاعة عندما يقف الجميع انتظاراً للكلمة التى قد تغير حياة إنسان، فى تلك اللحظة يدرك القاضى أن العدالة ليست نصوصاً فى كتاب، إنما مصائر بشرية معلقة فى جملة واحدة، وربما لهذا السبب بدا لى عالم الدراما قريباً جداً من الحقيقة، لأن الحقيقة نفسها، فى قاعات المحاكم، مليئة بالدراما الصامتة.

سنوات طويلة قضيتها صحفياً بين تلك القاعات، كانت المقاعد الخشبية القديمة تحفظ وجوه المتهمين وملامح القلق فى عيونهم، المحامون يتحدثون بحماسة، والنيابة ترتب الأدلة، لكن اللحظة الأكثر كثافة فى كل جلسة كانت لحظة دخول القاضى، لم يكن الأمر مجرد إجراء بروتوكولى، كان دخول المنصة يشبه دخول فكرة العدالة نفسها إلى المكان، عندما كان المستشار المحمدى قنصوة يدخل القاعة، كان النظام يسود فجأة دون أن يطلبه أحد، الهمسات تخفت، والأنظار تتجه نحو المنصة، كأن الجميع يدرك فى تلك اللحظة أنه يقف أمام سلطة مختلفة عن كل السلطات الأخرى.

لم يكن الرجل صاحب حضور صاخب، لكن كان صمته هو حضوره الحقيقى، لم يكن ضيفاً دائماً على البرامج، ولم يكن من هواة التصريحات الصحفية، كان يختصر حياته المهنية كلها فى عبارة بسيطة تبدو كأنها تعريف للقضاء نفسه: «أنا قاضٍ فقط»، تلك الجملة كانت كافية لتفسر كل شىء، فالقاضى الحقيقى لا يحتاج إلى أن يكون أكثر من ذلك.

ورغم هذا الصمت، دخل اسم الرجل إلى ذاكرة القضاء المصرى عبر قضايا أصبحت جزءاً من تاريخ المجتمع نفسه، جلس يوماً على منصة المحكمة لينظر قضايا هزت الرأى العام، وكانت القضايا فى وقتها عواصف إعلامية هائلة، يتحدث عنها الناس فى المقاهى كما يتحدثون عنها فى نشرات الأخبار، لكن القاضى الذى جلس على المنصة لم يرَ تلك العواصف، كان يرى أوراقاً فقط، أوراق تحقيقات وأدلة وشهادات، لا أكثر.

هكذا يتصرف القاضى الحقيقى، فالعالم خارج المحكمة قد يضج بالآراء والتحليلات، لكن داخل القاعة لا صوت يعلو فوق صوت الدليل، ولذلك كان المستشار المحمدى قنصوة يردد دائماً فكرة تبدو بسيطة لكنها تكشف فلسفة كاملة للقضاء: «الحكم عنوان الحقيقة، وليس هو الحقيقة، إنما الحقيقة النسبية الثابتة فى الأوراق والتحقيقات، أما الحقيقة المطلقة فلا يعلمها إلا الله وأصحابها أنفسهم».

هذه الفكرة تحديداً هى ما تجعل القضاء أكثر تعقيداً مما يتخيله الناس، فالقاضى لا يجلس ليبحث عن الانتقام، لكن ليبحث عن التوازن، ولهذا كان المستشار قنصوة يردد قاعدة قديمة من قواعد العدالة تبدو كأنها وُلدت أمس: «خير للعدالة أن يبرأ مائة متهم من أن يدان برىء واحد».

تلك الجملة وحدها تكفى لتفسير لماذا كان الرجل يتعامل مع كل قضية وكأنها عالم كامل يحتاج إلى التأمل والدراسة، ومع ذلك، فإن أكثر ما أدهشنى عندما قرأت يوماً اعترافه الإنسانى البسيط عن شعوره وهو يصعد إلى منصة القضاء، أدركت أن الدراما لم تبالغ، فقد قال القاضى الحقيقى ذات مرة: «أقسم بالله أنه أثناء صعودى إلى المنصة حتى آخر جلسة حضرتها كانت رجلاى تصطكان (بتخبط فى بعض)، وهذا الشعور ناتج عن أن القضاء رسالة يؤديها القضاة وهى مسئولية كبرى تنوء بحملها الجبال».

وربما لهذا السبب ظل المستشار المحمدى قنصوة طوال مسيرته المهنية بعيداً عن وسائل الإعلام، كان يعرف أن العدالة لا تحتاج إلى خُطب، لكنها تحتاج إلى تركيز، وأن غرفة المداولة ليست مكاناً للكلام والتصريحات الصحفية، إنما للتفكير، ولعل التفاصيل الصغيرة كانت تكشف أحياناً جانباً إنسانياً خفياً فى شخصية المستشار قنصوة، حيث كان يحتفظ دائماً بقلم رصاص بسيط بين أوراقه، وعندما سُئل عنه قال بهدوء: «ده قلمى.

وده الحاجة الوحيدة اللى خرجت بها من المحكمة»، لم يكن القلم مجرد أداة للكتابة، لكنه بدا كأنه قطعة من ذاكرة طويلة عاشها الرجل فوق منصة العدالة، بقلم بسيط كهذا يدوّن ملاحظاته على آلاف الصفحات، ويراجع تفاصيل قضايا شغلت الرأى العام، وكأن ذلك القلم الرصاص كان شاهداً صامتاً على سنوات كاملة من التفكير والتأمل قبل أن تتحول الكلمات إلى أحكام قد تغير مصائر البشر.

نجحت الدراما فى مسلسل «فرصة أخيرة» فى إعادة إحياء هذه الأسئلة القديمة فى قالب معاصر، فالقاضى الذى يجسده محمود حميدة، المستشار يحيى الأسوانى، ليس مجرد رجل يطبق القانون، لكنه رجل يجد نفسه فى اختبار أخلاقى قاسٍ عندما تدخل العدالة إلى بيته نفسه، تبدأ الحكاية كقضية قانونية عادية، لكن العالم ينقلب فجأة عندما تختطف حفيدته الصغيرة «فيروز»، فى تلك اللحظة يتحول القاضى الذى اعتاد أن ينظر إلى القضايا من خلف الأوراق إلى أب مهدد بفقدان طفلته، وهنا تبدأ المأساة الإنسانية التى يقوم عليها العمل كله، فالرجل الذى كان يقف طوال حياته المهنية مدافعاً عن القانون يجد نفسه محاصَراً بين خيارين مستحيلين، الأول أن يظل قاضياً مخلصاً للقانون، والثانى أن يصبح جداً يحاول إنقاذ حفيدته بأى ثمن.

ومع كل حلقة تتصاعد الضغوط على القاضى، الرأى العام يراقب، والإعلام يلاحق القضية، والشرطة تحاول فك خيوط الجريمة، بينما يقف الرجل فى قلب العاصفة وحيداً مع ضميره، وهنا تحديداً يقترب العمل من الحقيقة أكثر مما يظن المشاهد، فالقاضى فى الحياة الواقعية ليس آلة قانونية باردة، لكنه إنسان يحمل همومه ومخاوفه مثل أى إنسان آخر، الفارق الوحيد أن قراراته لا تخص حياته وحده، بل حياة الآخرين أيضاً.

ولذلك لم يكن غريباً أن تذكرنى هذه الشخصية الدرامية برجل حقيقى مثل المستشار المحمدى قنصوة، ليس لأن القصتين متشابهتان، لكن لأن الفكرة واحدة، القاضى الذى يحمل العدالة على كتفيه هو فى النهاية إنسان قد يرتجف قلبه قبل أن ينطق بالحكم، لكنه يعرف أن عليه أن يقول الكلمة التى يعتقد أنها الأقرب إلى الحق.

فى إحدى القضايا التى نظرها المستشار قنصوة حاول أحد المحامين أن يستند إلى ضغط سياسى خارجى، فأشار أمام المحكمة إلى اهتمام وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك هيلارى كلينتون بالقضية، وكأن هذا الاهتمام يجب أن يؤثر فى مسار العدالة، يومها رد القاضى بجملة بقيت فى ذاكرة كل من سمعها: «تنكسر رقبة هيلارى على كلينتون نفسه، وماحدش يتدخل فى أعمال القضاء المصرى»، لم يكن ذلك تحدياً سياسياً بقدر ما كان تأكيداً لفكرة أن القضاء إذا فقد استقلاله فقد معناه.

لهذا، وأنا أتابع عالم «فرصة أخيرة»، لم أرَ فقط شخصية القاضى على الشاشة، لكنى رأيت صورة رجل يصعد إلى المنصة فى صمت، رجلاه ترتجفان، لكن حكمه ثابت، لأنه لا يخاف المتهمين، ولا يخاف السلطة، ولا يخاف الرأى العام، بل يخاف فقط أن يظلم إنساناً، وهذا هو المعنى الحقيقى للعدالة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك