شهد الفضاء الرقمي ليلة فكرية استثنائية، ليلة الأربعاء 18 مارس 2026، حيث التقت الخبرة التقنية بالرؤية السياسية في محاضرة نوعية نظمتها المنظمة الدولية للعلوم والتنمية – ليبيا، بالتعاون مع المنظمة المتوسطية للإعلام والتنمية وحقوق الإنسان، التي يترأسها الإعلامي هشام ناصر.
المحاضرة التي قدمتها المهندسة التونسية والناشطة السياسية إيمان شهيبي، حملت عنوان" المصادر المفتوحة في عصر الحروب والأزمات.
بديل أم تضليل؟ "، لم تكن مجرد عرض أكاديمي، بل كانت استشرافاً لمستقبل الصراع على الوعي في المنطقة العربية.
وبإدارة حوارية رشيقة من الإعلامية اللبنانية إيمان عبد الملك، وبحضور نخبة من الباحثين يتقدمهم الأستاذ إدريس احميد والدكتور هشام ناصر، فككت شهيبي تعقيدات المشهد المعلوماتي الراهن الذي بات يتسم بسيولة مفرطة وغياب للمركزية التقليدية.
اللامركزية المعلوماتية: ثورة ديمقراطية المعرفة وسقوط الحارس التقليدياستهلت شهيبي طرحها بتسليط الضوء على التحول الجذري في بنية السلطة المعرفية، مؤكدة أننا نعيش اليوم في عصر اللامركزية المعلوماتية حيث لم تعد الدول أو المؤسسات الإعلامية الضخمة هي الحارس الوحيد لبوابات الحقيقة.
فاليوم، تحول كل مواطن يحمل هاتفاً ذكياً إلى مصدر محتمل للخبر وشاهد عيان على الحدث، وهو ما خلق ثورة في مفهوم" ديمقراطية المعلومة".
هذه الثورة التي انطلقت بذورها تاريخياً من أروقة الاستخبارات العسكرية في منتصف القرن الماضي، وصلت اليوم إلى ذروتها الرقمية، محولة المعرفة من سلعة نادرة يتقاسمها النخبة إلى مورد عام متاح للجميع، لكنه مورد محفوف بمخاطر" لعنة الوفرة" التي تجعل من عملية الفرز والتمييز التحدي الأكبر للإنسان المعاصر.
المصادر المفتوحة (OSINT) في مناطق" الثقوب السوداء" والنزاعاتوفي تفصيل دقيق لواقع النزاعات المعاصرة، توقفت المهندسة إيمان عند مفهوم" الثقوب السوداء للمعلومات" التي تظهر في مناطق الصراع كغزة والسودان، حيث يُعمد إلى تغييب الرواية الرسمية واستهداف الكوادر الصحفية بشكل منهجي.
وفي هذه المساحات المظلمة، تبرز المصادر المفتوحة ليس كخيار ثانوي، بل كشريان حياة وحيد للحقيقة، إذ كشفت الأرقام أن المحتوى المولد من المستخدمين بات يتفوق على التغطيات التقليدية بمعدلات سرعة وانتشار مذهلة.
فعلى سبيل المثال، استطاعت المنصات الرقمية أن تكسر حصار المعلومة في أوقات قياسية، متجاوزةً قدرات وكالات الأنباء العالمية التي باتت تعتمد هي الأخرى على ما يتم توثيقه عبر هواتف المواطنين في قلب الحدث.
سيكولوجية التضليل الرقمي وفخاخ التزييف العاطفي بالذكاء الاصطناعيومع ذلك، لم تغفل شهيبي الجانب المظلم لهذا الانفجار الرقمي، حيث حذرت بشدة من الانتقال من عصر التعديل الصوري البسيط إلى عصر" التزييف العاطفي" الممنهج.
فمن خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق، لم يعد التحدي يكمن في فبركة الوجوه فحسب، بل في تزييف السياقات الإنسانية والوجدانية لإثارة الذعر أو توجيه الرأي العام نحو سرديات مضللة.
وأوضحت أن الخوارزميات التي تدير كبرى المنصات الرقمية تساهم في تعميق هذا الانقسام عبر حصر المستخدمين في" فقاعات معرفية" تعزز معتقداتهم المسبقة وتمنعهم من رؤية الجانب الآخر من الحقيقة، وهو ما يخدم تكتيكات" إغراق المنصات" بالحسابات الآلية التي تبث مئات الأخبار الزائفة في لحظات التصعيد السياسي.
خارطة الطريق نحو السيادة الرقمية العربية واستعادة الوعيوفي ختام محاضرتها، صاغت شهيبي رؤية مستقبلية لاستعادة" السيادة الرقمية العربية"، مشددة على أن الاعتماد الكلي على منصات دولية غريبة يضع الأمن القومي المعلوماتي للمنطقة في خطر دائم.
ودعت إلى ضرورة مأسسة" التربية الإعلامية" كحق أساسي للمواطن العربي، لتمكينه من أدوات التحقق الرقمي والفرز الواعي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك