في غضون 48 ساعة فقط، جرّت إسرائيل وإيران كلاً من قطر والسعودية والإمارات إلى دائرة الاستهداف المباشر، ما أدى إلى اندلاع حرائق هائلة في مجمع" راس لفان" القطري، أكبر مركز لتسييل الغاز في العالم، وإغلاق مضيق هرمز فعلياً، وسط ارتفاع جماعي لأسعار الطاقة وقفزة قياسية في أسعار الغاز الأوروبي بنسبة 35%، فيما هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتفجير كامل لحقل" بارس الجنوبي" الإيراني إذا ما تجرأت طهران على مهاجمة قطر مجدداً.
ففي الساعات الأولى من صباح الخميس، اهتز مجمع" رأس لفان" الصناعي في قطر على وقع صواريخ إيرانية للمرة الثانية خلال 24 ساعة.
وأعلنت شركة" قطر للطاقة" الحكومية في بيان عاجل أن الضربات الإيرانية أحدثت" أضراراً جسيمة" في عدة منشآت للغاز الطبيعي المسال، مما تسبب في" حرائق كبيرة" التهمت أجزاء واسعة من المجمع، وفق ما نقلته وكالتا فرانس برس ورويترز.
وأكدت وزارة الداخلية القطرية أن فرق الدفاع المدني تمكنت من إخماد الحرائق بالكامل، مع استمرار عمليات التبريد، مشيرة إلى عدم وقوع إصابات بشرية.
وكشفت تفاصيل نشرتها وول ستريت جورنال أن الأضرار طاولت مصنع" بيرل جي تي إل"، وهو المشروع العملاق المملوك لشركة شل، والأكبر في العالم لتحويل الغاز إلى سوائل، بطاقة إنتاجية تصل إلى 140 ألف برميل يومياً من الوقود فائق النقاء.
وأفادت مصادر مطلعة الصحيفة بأن المصنع تعرض، بسبب الهجوم، لأضرار هيكلية في وحدات التكرير، مما سيخرج جزءاً كبيراً من طاقته الإنتاجية عن الخدمة لأشهر.
ولم تقتصر الهجمات على قطر، فقد وسّعت إيران دائرة النار لتشمل دولاً خليجية أخرى.
ففي الإمارات، أعلنت السلطات اعتراض صواريخ باليستية استهدفت منشآت" حبشان" للغاز وحقل" باب" النفطي، ما أدى إلى إغلاق مؤقت للمنشآت الحيوية، وفق وول ستريت جورنال.
وفي السعودية، استهدف هجوم جوي مصفاة" سامرف" في ميناء ينبع على البحر الأحمر، وهو مشروع مشترك بين أرامكو السعودية وإكسون موبيل، وأحد منفذَي التصدير الوحيدين للنفط الخليجي بعد إغلاق مضيق هرمز بشكل شبه كامل، وفق ما نقلته رويترز عن مصدر بقطاع النفط.
اهتزاز عرش الغاز الإيرانيتأتي هذه الضربات الإيرانية رداً مباشراً على غارة إسرائيلية وصفت بأنها" الأكثر جرأة" منذ عقود، استهدفت منشآت إيرانية مرتبطة بحقل" بارس الجنوبي" للغاز.
ونقلت رويترز عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصفه الهجوم الإسرائيلي بأنه كان" عنيفاً" وتم" بدافع الغضب".
وأوضحت وول ستريت جورنال في تحليل موسّع أن الهدف الإسرائيلي كان شل مصدر تمويل رئيسي للحرس الثوري الإيراني، حيث يعتبر هذا الحقل العمود الفقري للاقتصاد الإيراني، إذ ينتج نحو 730 مليون متر مكعب من الغاز يومياً، وهو ما يقارب متوسط الاستهلاك اليومي للاتحاد الأوروبي بأكمله.
ويُعد" بارس الجنوبي" الجزء الإيراني من أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم، والذي تتقاسمه طهران مع الدوحة (التي تسميه" الحقل الشمالي" )، ويحتوي على حوالي 10% من احتياطي الغاز العالمي المعروف.
وقد أثار الهجوم غضباً عربياً غير مسبوق، حيث وصفته قطر بأنه" خطوة خطيرة وغير مسؤولة" تهدد أمن الطاقة العالمي، كما نقلت الصحيفة الأميركية عن مسؤولين خليجيين غاضبين شعورهم بأنهم أصبحوا في مرمى النيران بسبب تصرفات إسرائيل.
الغاز يقفز 35% والنفط يناهز 120 دولاراًولم تنتظر الأسواق المالية طويلاً لتعكس حجم الكارثة.
فوفقاً لبيانات بلومبيرغ، قفزت أسعار الغاز الأوروبي (العقد الآجل الهولندي) بنسبة 35% الخميس، ليتجاوز 74 يورو للميغاواط/ساعة، مسجلاً بذلك أكثر من ضعف مستويات ما قبل الحرب.
وأرجعت الوكالة هذا الارتفاع الجامح إلى المخاوف من خروج إمدادات قطر، التي توفر نحو خُمس إمدادات الغاز العالمية، عن الخدمة لفترة غير معلومة.
كما صعد خام برنت إلى نحو 120 دولاراً للبرميل، وسط تقديرات بنك" جي بي مورغان" التي نقلتها وول ستريت جورنال بأن انقطاعات إمدادات النفط قد تصل إلى 12 مليون برميل يومياً بنهاية الأسبوع، أي أكثر من 10% من الطلب العالمي اليومي.
وفي هذا السياق، نقلت عن المحللة في بنك جي بي مورغان، ناتاشا كانيفا، قولها إن" السوق لن يعود للتوازن إلا من خلال خفض مماثل في الاستهلاك".
" أسوأ من تفجير نورد ستريم"وفي تحليل عميق لتداعيات الهجمات، قالت الأستاذة الزائرة في مركز هيوستن للقانون، سوزان ساكمار، لوكالة بلومبيرغ: " هذا قد يكون مغيّراً لقواعد اللعبة في صناعة الغاز، ويمكن مقارنته بتفجير نورد ستريم، بل قد يكون أسوأ.
إنه انقطاع مفاجئ دون أي مؤشر على قدرة قطر على استئناف الإنتاج قريباً".
وأضاف كبير المحللين في شركة" غلوبال ريسك مانجمنت"، أرني لومان راسموسن، أن" الغاز القطري قد يكون خارج الخدمة لأشهر، وفي أسوأ السيناريوهات، لسنوات.
فالأزمة لا تنتهي بمجرد انتهاء الحرب وإعادة فتح المضيق".
كما أشار نيل كروسبي من شركة" سبارتا كوموديتيز" إلى أن هذه الضربات" تفتح الباب أمام المزيد من الهجمات على البنى التحتية في المنطقة".
وأضاف رئيس تسعير الغاز المسال في" أرجوس ميديا"، مارتن سينيور، لوول ستريت جورنال أن الوقت اللازم لإصلاح المرافق المتضررة قد" يطول إلى ما بعد انتهاء الحرب".
وسط هذه الفوضى العارمة، خرج ترامب بتصريحات حاسمة هدفها احتواء التصعيد وطمأنة الحلفاء.
فقد نفى أي علم مسبق بالغارة الإسرائيلية على" بارس الجنوبي" رغم تقارير سابقة لوول ستريت جورنال أشارت إلى موافقته عليها.
وكتب ترامب على منصة إكس: " لن تشن إسرائيل أي هجمات جديدة على حقل بارس الجنوبي".
وفي رسالة تحذيرية شديدة اللهجة إلى إيران، أضاف الرئيس الأميركي، وفق ما نقلته رويترز وبلومبيرغ: " إذا قررت إيران، بحماقة، مهاجمة دولة بريئة للغاية، هي قطر هنا.
فإن الولايات المتحدة، سواء بمساعدة أو موافقة إسرائيل أو من دونها، ستقوم بتفجير حقل بارس الجنوبي بالكامل، بقوة لم تشهدها إيران من قبل".
وأكد ترامب أن الولايات المتحدة" لم تكن متورطة بأي شكل أو طريقة" في الهجوم الإسرائيلي.
لم تكتف إيران بالضربات، بل وسّعت نطاق التهديد.
فقد أصدر الحرس الثوري الإيراني تحذيرات بإخلاء عدد من المنشآت النفطية في السعودية والإمارات وقطر، معتبراً إياها" أهدافاً مشروعة" بعد الضربة الإسرائيلية.
وأدى هذا التصريح إلى إجراءات استباقية وإخلاء بعض المواقع الحيوية، وفق مسؤولين خليجيين نقلت عنهم وول ستريت جورنال.
وفي ردة فعل غاضبة، نقلت وكالة فرانس برس عن وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان تحذيره من أن" الضغط الإيراني سيرتد عليها"، مؤكداً احتفاظ المملكة" بالحق في اتخاذ إجراءات عسكرية إذا اقتضت الضرورة".
جاء ذلك خلال اجتماع طارئ لوزراء خارجية 12 دولة إسلامية في الرياض أدانوا فيه الضربات الإيرانية ووصفوها بأنها" غير مبررة".
تدفع هذه الأحداث العالم نحو أزمة طاقة حقيقية وطويلة الأمد.
فمن جهة، تواجه أوروبا، التي خرجت من شتاء قاس استنزف مخزونها الغازي، موسم تعبئة صعباً هذا الصيف في ظل شح الإمدادات القطرية والتنافس مع آسيا على الكميات المتاحة، كما تشرح بلومبيرغ.
ومن جهة أخرى، تواجه الدول الآسيوية المستوردة الرئيسية للغاز القطري، مثل اليابان وكوريا والهند والصين، خطر تعطل إمداداتها طويلة الأجل التي ترتبط بعقود مدتها 20 عاماً.
ويؤكد تقرير وول ستريت جورنال أن العالم يفتقر إلى احتياطيات استراتيجية كافية من الغاز الطبيعي المسال لتعويض صدمة مفاجئة بهذا الحجم، على عكس النفط الذي توجد له مخزونات استراتيجية في الدول المستهلكة الكبرى.
وهذا يعني أن التعافي من هذه الأزمة سيكون أبطأ وأكثر إيلاماً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك