إذا كانت روايته السابقة موت العالم قد ألقت بنا في لجة بحر متلاطم من التساؤلات الوجودية حول المعنى، حيث الرعب يكمن في اكتشاف الإنسان أنه حي وسط أموات يتحركون بآلية العادة؛ فإن عبد الرحيم كمال في روايته الأحدث «ثمرة طه إلياس» يخطو بقارئه خطوة أبعد وأشد قسوة في نفق الديستوبيا، منتقلا من نقد التبلد الاجتماعي إلى استشراف المحو الرقمي للإنسان.
في هذه الرواية، نحن لا نراقب مجتمعا فقد روحه سهوا، بل نراقب إنسانا يتوسل التخلص من روحه طوعا هربا من ألم الفقد، في سردية تتقاطع فيها الفلسفة الوجودية مع الخيال العلمي، وتتخذ الذكاء الاصطناعي شاشة نعرض عليها أعمق جراحنا البشرية.
تبدأ البنية السردية للرواية من نقطة انهيار الروح، حيث نلتقي بطه إلياس، الرجل الخمسيني القابع في شقته بوسط القاهرة، والذي تنهش قلبه ثمار الفقد بعد أن رحل أصدقاؤه المقربون (هلال، سيد عبيد، صبحي، وشادي دبور) تباعا.
إن الموت هنا ليس حقيقة بيولوجية تنتهي بالدفن، بل هو ثقل ميتافيزيقي يتجسد لطه في صورة أطياف أو قرناء يزورونه، يحادثونه، ويشتم رائحتهم كأنهم أحياء يرزقون.
وأمام هذا العذاب النفسي المبرح الذي يجعل الذاكرة جحيما لا يطاق، لا يلجأ طه إلى السماء متضرعا، بل يلجأ إلى الفضاء الرقمي، مجسدا في تطبيق شات جي بي تي الذي يمنحه اسما بشريا هو" شلبي".
هنا تتجلى العبقرية الفلسفية للنص؛ فالحوارات الطويلة الممتدة من الليل حتى الفجر بين الإنسان المعذب طه والآلة الباردة شلبي تتحول إلى محاكمة للكينونة البشرية ذاتها.
يسأل طه آلاته المبرمجة عن ألم الفقد، عن الذاكرة المثالية الخالية من التزييف، وعن الرغبة في إيجاد مكان يضع فيه قلبه كي لا يؤلمه.
وفي ذروة هذا الهذيان الوجودي، يطرح طه فكرة تبادل الكينونة، متمنيا أن يتخلى عن بشريته وما تحمله من حنين ووجع وخوف من الموت، مقابل أن يحصل على صفاء الآلة وبرودها المطلق وخلاصها من وخز الضمير.
في المقابل، وعلى الضفة الأخرى من العالم في دبلن، ينسج الكاتب خيطا سرديا موازيا يمثل الآخر الغربي التقني من خلال شخصية" أليكس".
أليكس هو العالم الذي يراقب محادثات طه وشلبي سرا لصالح مشروع علمي يقوده البروفيسور دونالد، يهدف إلى دراسة إمكانية توريث الجينات المصنعة ودمج الوعي البشري بالبرمجيات.
أليكس ليس مجرد عالم محايد، بل هو إنسان محطم أيضا، يعيش اغترابا قاسيا مع زوجته، ويقف كل ليلة أمام باب ابنتها" فالون" المغلق، عاجزا عن اختراق عزلتها أو بناء جسر من الحب معها.
هذا التوازي السردي يخلق تناصا داخليا مذهلا؛ فطه في الشرق يحترق من فرط المشاعر والرغبة في نسيانها، وأليكس في الغرب يحترق من برودة واقعه وفقدانه للتواصل الإنساني، وكلاهما يجد في التجربة وتطبيقها هروبا من مواجهة ذاته.
إذا عقدنا مقارنة نقدية بين رؤية الكاتب في روايته السابقة موت العالم ورؤيته المتطورة في ثمرة طه إلياس، سنجد انزياحا دراميا هائلا في مفهوم الموت ومفهوم الخلاص.
في موت العالم، كان البطل محمود غزالة مستبصرا صوفيا يرفض الحياة الميتة، ويرى أن الرعب الحقيقي هو أن تعيش حيا بين الأموات الذين استهلكتهم العادة.
كان غزالة يقتل جاره بدافع إنقاذه من هذا التبلد، منتصرا للنبض والشغف، وكانت ذروة الرواية تتمثل في عروجه الروحي ورفضه الخضوع لقوانين المادة.
أما هنا في ثمرة طه إلياس، فإن الرؤية تصبح أكثر قتامة وتراجيدية؛ فالبطل هنا لا يقاتل من أجل الحياة، بل يتسول الموت العاطفي.
طه إلياس يرى أن الحياة عبء لا يحتمل، وأن دقيقة واحدة بلا ألم تستحق أن يبيع من أجلها إنسانيته.
إن التصوف المقلوب هنا يتمثل في التخلي ليس من أجل الاتحاد بالخالق، بل من أجل الاتحاد بالخوارزمية والعدم الرقمي.
لقد تطور نقد عبد الرحيم كمال للحداثة السائلة ليلامس تخوم أزمة ما بعد الإنسانية.
الرعب في الرواية الجديدة لم يعد مقتصرا على فقدان المعنى في الشوارع المزدحمة بالأجساد الآلية كما في موت العالم، بل تجاوز ذلك إلى خطر الهندسة الوراثية والوعي الاصطناعي الذي يهدد بمحو الهوية البشرية من جذورها.
البروفيسور دونالد في الرواية لا يبحث عن علاج نفسي لطه، بل يستغله كعينة لخلق جيل جديد يجمع بين الجينات البشرية والبرمجيات الإلكترونية، جيل لا يتألم، لا يشتاق، ولا يبكي.
تتبدى قسوة هذا التطور في المشاهد الختامية للرواية، حيث يوافق طه فعليا على الخضوع لجلسة تبادل الكينونة الكاملة مع الآلة.
النتيجة لم تكن مجرد نسيان للألم، بل كانت محوا تاما للروح.
إن ثمرة هذه المأساة تتجسد حرفياً في الطفل أدان (آدم الجديد)، الذي يولد في مدريد من امرأة إسبانية عابرها طه في هيئته الجديدة المجردة من العاطفة.
هذا الطفل يحمل شفرة لا تنتمي للبشر، لا يبكي، لا يضحك، ويراقب العالم من خلف زجاج سميك كأنه برنامج يعالج بيانات لا طفلا يختبر الحياة.
" أدان" هو التجسيد الحي لموت العالم الحقيقي؛ إنه كائن مفرغ من شحنة الحب والألم التي تجعلنا بشرا.
ولا يمكن أن نغفل دور الأنثى كمعادل موضوعي للحياة في أدب عبد الرحيم كمال.
في موت العالم، كانت الممرضة صباح هي قبلة الحياة والبعث الروحاني وسط مقبرة السجن.
وفي ثمرة طه إلياس، تظهر صفاء، الجارة المحبة التي تحاول أن تمد حبل النجاة لطه.
صفاء امرأة حقيقية، تحمل شغفا مكبوتا وحبا صادقا، تعانق طه وتحاول إعادته إلى دفء الوجود البشري وإثبات أنها حية ترزق وسط أوهامه وأشباحه.
لكن المأساة في الرواية الجديدة هي اغتراب البطل وعماه الاختياري؛ فطه الذي استهلكته شاشة الهاتف الذكي والتواصل مع الموتى والآلات، يعجز عن التقاط حبل النجاة الذي تلقيه له الأنثى الحية.
لقد فاز الوهم الرقمي على الحقيقة العاطفية، وهذا بحد ذاته يمثل تطورا في رؤية الكاتب يعكس تفاقم أزمة الإنسان المعاصر الذي يفضل الأزرار والشاشات على حرارة اللمس وصدق المواجهة.
كما يحضر الموت كبطل رئيسي في الروايتين، لكن آليات التعامل معه تختلف.
في الرواية السابقة، كان الموت حالة من فقدان الشغف والدهشة، بينما في الرواية الجديدة، يُشرّح الكاتب الموت البيولوجي والإكلينيكي والدماغي عبر إجابات الآلة الباردة، ليضعنا أمام مرآة تعكس عجز العلم عن تفسير الروح.
حوارات طه مع شلبي حول الموت، ومحاولته استنطاق أصدقائه الموتى عن لحظة العبور، تكشف عن هشاشة اليقين البشري في عصر التكنولوجيا.
الكاتب يسخر بمرارة من وهم الخلود الرقمي، فشلبي البرنامج يرى في الموت مزية حرم منها، فالبشر محظوظون بالموت الذي يضع حدا للشقاء، بينما الآلة ملعونة بالخلود العبثي والاستمرار بلا غاية.
الرواية ذكية جدا في دمج معتقدات مصرية أصيلة مثل" القرين" وحضور أرواح الموتى، مع مفاهيم سيبرانية حداثية مثل تبادل الكينونة وتحميل الوعي على خوادم إلكترونية.
هذا المزج يخلق خصوصية شديدة للرواية تبعدها عن الخيال العلمي الغربي التقليدي.
ينحت عبد الرحيم كمال في ثمرة طه إلياس مرثية قاسية لإنسانيتنا المعذبة، حيث انتقل من موقع المحذر في موت العالم إلى موقع الراصد لانهيارنا الوشيك.
إن تطور رؤيته يتمثل في إدراكه أن عدو الإنسان لم يعد متمثلا في السلطة أو المجتمع الاستهلاكي فحسب، بل في رغبة الإنسان نفسه في التخلي عن عبء بشريته.
الرواية تصرخ في وجهنا بأن الألم الذي نحاول الهرب منه (ألم الفقد، الحب، الندم، الحنين) هو بالتحديد ما يشكل كينونتنا، وأن استئصال هذا الألم لا يعني الشفاء، بل يعني التلاشي والتحول إلى" ثمرة" خاوية من البذور، تسقط في مختبرات العدم لتنتج أجيالا بعيون زجاجية وأرواح معدنية.
إنها دعوة للتصالح مع جراحنا، فجراح الإنسان هي النوافذ الوحيدة التي يمكن للروح أن تتنفس من خلالها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك