تتجه الأنظار عادة في العيد نحو الأسواق التي تستعيد نشاطها، وتعود معها طقوس الشراء وصناعة الحلويات والزياارات العائلية.
غير أن هذا المشهد يبدو مختلفا لدى شريحة من السوريين المقيمين في مصر، حيث فرضت مخاوف الاعتقال والترحيل واقعا مغايرا انعكس بشكل مباشر على تفاصيل الحياة اليومية، وحد من القدرة على ممارسة مظاهر العيد التقليدية.
وبحسب شهادات متقاطعة، فإن هذا التغيير لا يرتبط بعامل واحد، بل هو نتيجة تداخل بين اعتبارات أمنية وضغوط اقتصادية متزايدة، مما جعل العيد يأتي هذا العام بقدر أقل من التفاعل مقارنة بالسنوات السابقة.
الخوف كعامل منظم للحياة اليوميةيلعب الخوف من التعرض لإجراءات قانونية دورا أساسيا في إعادة تشكيل السلوك اليومي للسوريين في مصر، فقد أصبح الخروج، حتى في المناسبات، قرارا محسوبا، خاصصة في الفترات التي تشهد ازدحاما مثل الأعياد.
هذه الحذر لا يقتصر على التنقل لمسافات طويلة، بل يشمل أيضا الأنشطة البسيطة مثل زيارة الأقارب أو التسوق من الأسواق.
يشير" سامر" ( اسم مستعار)، وهو شاب يعمل بشكل حر، إلى أن نمط حياته تغير بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخير موضحا: أصبحنا نفكر كثيرا قبل الخروج، حتى الزيارات العائلية لم تعد كما كانت، وكل تحرك يتم بحذر.
ويضيف لموقع تلفزيون سوريا، أن هذا الواقع دفع كثيرين إلى تقليص نشاطهم الاجتماعي إلى الحد الأدنى، و استبدال اللقاءات المباشرة بوسائل تواصل عن بعد.
أثر مباشر على دخل الأسر واستقرارهافي موازاة ذلك، تواجه العديد من العائلات أوضاعا اقتصادية صعبة نتيجة فقدان مصدر الدخل الأساسي، ففي حالات متعددة، تم ترحيل رب الأسرة، أو اضطراره إلى التوقف عن العمل بسبب المخاوف المرتبطة بالتوقيف، خاصة في المهن التي تتطلب تنقلا مستمرا، أو العمل في أماكن عامة.
هذا الواقع أدى إلى تراجع القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية، وزاد من الضغوط المعيشية على الأسر.
وتوضح رجاء محمد، وهي ربة منزل، أن أسرتها كانت تعتمد بشكل كامل على دخل زوجها اليومي، لكنها اليوم تواجه صعوبة في تأمين المصاريف الأساسية بعد توقفه عن العمل، وتقول، " لم نعد نفكر في أي شيء إضافي، حتى العيد يأتي بدون أي تجهيزات، كل ما نهتم به الآن هو تأمين الطعام ودفع الإيجار".
وتضيف أن هذا التغيير انعكس على الأطفال أيضا، الذين باتوا يدركون اختلاف الظروف مقارنة بالسنوات الماضية.
الملابس والحلويات خارج الأولوياتانعكس هذا الوضع الاقتصادي بشكل مباشر على طبيعة الاستهلاك خلال موسم العيد، حيث تراجع الإقبال على شراء الملابس الجديدة، التي كانت تعد من أبرز مظاهر الاحتفال، كما انخفض الطلب على الحلويات التقليدية التي ارتبطت بالهوية السورية في الاغتراب.
ويؤكد عدد من أصحاب المحال لموقع تلفزيون سوريا، أن المبيعات هذا العام أقل مقارنة بالمواسم السابقة، بين البائن السوريين الذين أصبحوا أكثر حذرا في الإنفاق.
ويشير أحد أصحاب الملابس (فضل عدم ذكر اسمه) إلى أن العائلات لم تعد تخصص ميزانية للعيد كما في السابق، فالأولوية أصبحت للمصاريف الأساسية، بينما يتم تأجيل أو إلغاء أي نفقات إضافية.
ويعكس هذا التوجه تحولا واضحا في أولويات الإنفاق، مدفوعا بغياب الاستقرار المالي لدى شريحة واسعة من الأسر.
تغير في المشهد الديمغرافي للأسواقإلى جانب العوامل الأمنية والاقتصادية، ساهمت مغادرة عدد كبير من السوريين مصر خلال الفترة الماضية في تقليص الكتلة الاستهلاكية داخل بعض الأماكن التي كانت تعرف بتركزهم فيها.
هذا التغير لم يؤثر فقط على حجم الطلب، بل انعكس أيضا على طبيعة الأسواق، التي باتت تعتمد بشكل أكبر على الزبائن المصريين، بعد أن كانت شريحة السوريين تشكل جزءا مهما من نشاطها.
ويقول أحد العاملين في قطاع الأغذية إن" الأسواق التي كانت تشهد إقبالا كبيرا من السوريين في مواسم الأعياد أصبحت أكثر هدوءا، ليس فقط بسبب قلة عددهم، بل أيضا بسبب تغير سلوكهم في الخروج والشراء"، ويضيف أن هذا التحول فرض على بعض المحال إعادة النظر في استراتيجياتها التجارية.
العلاقات الاجتماعية تحت الضغطلم تقتصر التأثيرات على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع السوري، حيث تراجعت اللقاءات والتجمعات التي كانت تشكل عنصرا أساسيا في طقوس العيد.
فقد أصبحت هذه اللقاءات محدودة ومقتصرة على نطاق ضيق، في ظل تفضيل كثيرين البقاء في منازلهم لتجنب أي مخاطر محتملة.
يقول سليم عبد الله، ومو طالب جامعي، إن العيد لم يعد مناسبة للتجمعات الكبيرة، " عندما كنا في سوريا كانت العائلة جميعها تجتمع في أول أيام العيد، حتى هنا في مصر كنا نجتمع مع الأهل والأصدقاء، لكن هذا العام أعتقد أن اللقاءات ستكون قليلة أو حتى معدومة".
رغم هذه التحديات، تحاول بعض العائلات الحفاظ على الحد الأدنى من طقوس العيد داخل المنازل، من خلال إعداد بسيط للحلويات داخل المنازل أو تنظيم زيارات قصيرة ومحدودة، هذه المحاولات تهدف إلى الحفاظ على شعور الاستمرارية، خاصة لدى الأطفال، لكنها تبقى محدودة التأثير في ظل الضغوط القائمة.
تقول رنا (اسم مستعار) وهي أم لطفلين، " أحاول خلق أجواء بسيطة داخل المنزل، ليشعر أطفالي بقدوم العيد، حتى لو بشكل بسيط، لكن الواقع مختلف تماما عن السابق"، وتضيف أن هذه المحاولات لا تعوض بالكامل غياب الأجواء العامة التي كانت ترافق العيد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك