تمر اليوم، 20 مارس 2026، الذكرى العاشرة لرحيل الدكتور علي مبروك، أستاذ الفلسفة الإسلامية والفكر العربى الحديث بجامعة القاهرة، الذى رحل فى 20 مارس 2016، بعد مسيرة فكرية تركت أثرًا واضحًا فى درس التراث الإسلامى ونقد آليات التفكير السائدة فى الثقافة العربية.
والدكتور على مبروك قدمه كثيرون، وقت رحيله، بوصفه من أبرز المفكرين المصريين والعرب الذين اشتبكوا بجدية مع أسئلة التراث والدين والسياسة، لا من باب التكرار، بل من باب التفكيك وإعادة الفهم.
ونتوقف اليوم عند عدد من كتبه المهمة:من يتأمل كتب علي مبروك يكتشف أنه كان يبنى مشروعًا متماسكًا، تتجاوب أجزاؤه معًا.
فى كتابه" النبوة.
من علم العقائد إلى فلسفة التاريخ" يخرج بالقضية من نطاقها الكلامى الضيق إلى أفق أوسع يتصل بالتاريخ البشرى وطريقة تشكل المفاهيم داخل الوعى الإسلامى.
وفى كتاب" عن الإمامة والسياسة، والخطاب التاريخى فى علم العقائد" يواصل تفكيك العلاقة بين ما يقدم بوصفه عقيدة خالصة، وما يختبئ وراءه من صراعات السياسة وإنتاج الشرعية، هنا كان علي مبروك يلفت النظر إلى أن كثيرًا مما استقر فى الوعى العام لم يكن منفصلًا عن شروطه التاريخية، وأن النصوص لا تُقرأ خارج ما أحاط بها من سلطة وتأويل وصراع.
ويأتى كتاب" الخطاب السياسى الأشعرى.
نحو قراءة مغايرة" ليؤكد هذا المسار، إذ ينشغل فيه بالمسكوت عنه داخل البناء الكلامى، وبالطريقة التى تتحول بها المقولات النظرية إلى أدوات ضمنية لتثبيت تصور معين للعالم والسلطة والإنسان.
أما كتاب" ما وراء تأسيس الأصول.
مساهمة فى نزع أقنعة التقديس" فيكشف، حتى من عنوانه، جوهر انشغاله الفكرى: نزع ما تراكم من أقنعة فوق التاريخ، وردّ الظواهر إلى سياقاتها البشرية، لا بهدف الهدم المجانى، وإنما بهدف الفهم.
وهذا بالضبط ما منح كتاباته قيمتها؛ لأنها لم تكن تقف عند حدود الاعتراض، بل كانت تبحث فى الجذور العميقة التى صنعت اليقين المغلق.
" السلطة والمقدس" و" أفكار مؤثمة".
يظل كتاب" السلطة والمقدس.
جدل السياسى والثقافى فى الإسلام" واحدًا من أبرز أعمال علي مبروك وأكثرها دلالة على مشروعه الفكرى.
وتوضح بيانات مؤسسة هنداوى أن الكتاب صدر أولًا عام 2005، ثم أعيد تقديمه فى نسخة لاحقة، وفيه ينشغل مبروك بتحليل العلاقة التاريخية بين السلطة السياسية والمقدسات الثقافية والاجتماعية، وكيف تُنتج السياسة أشكالًا من التقديس تدعم البقاء والهيمنة.
إننا هنا أمام عقل يحاول أن يشرح كيف لا تكون القداسة دائمًا معطًى خالصًا ومفارقًا، بل قد تكون، فى بعض مستوياتها، صناعة تاريخية وثقافية.
وفى كتاب" أفكار مؤثمة.
من اللاهوتى إلى الإنسانى"، الصادر عام 2015، تتجلى شجاعة المفكر على نحو أكثر وضوحًا.
فبحسب تقديم هنداوى، فإن الكتاب يضم بحوثًا سبق أن رُفضت ضمن مسار ترقيته بسبب التحفظ على مضمونها، وهو ما يضفى على الكتاب دلالة خاصة: فالأفكار التى وُصمت بأنها" مؤثمة" تحولت إلى عمل منشور يفتح باب النقاش حول الانتقال من أسر اللاهوت المغلق إلى أفق إنسانى أرحب.
ولا تبدو أهمية الكتاب هنا فى تفاصيله فقط، بل فى رمزيته أيضًا؛ لأنه يكشف طبيعة المعركة التى خاضها علي مبروك: معركة السؤال الحر فى وجه التصنيف والوصاية والتحفظ المؤسسى.
وإذا أضفنا إلى ذلك كتبًا مثل" ثورات العرب.
خطاب التأسيس"، و" الدين والدولة فى مصر.
هل من خلاص؟ "، و" فى لاهوت العنف والاستبداد.
الفريضة الغائبة فى تجديد الخطاب الدينى"، و" القرآن والشريعة.
صراعات المعنى وارتحالات الدلالة"، أمكننا أن نرى صورة المشروع كاملة تقريبًا: مفكر لم يتوقف عند حدود التراث القديم، بل انتقل إلى الحاضر العربى، سائلًا عن العنف، وعن الاستبداد، وعن الدولة، وعن تجديد الخطاب الدينى، وعن الصراع على المعنى نفسه.
لهذا فإن الرجوع إلى علي مبروك فى ذكرى رحيله لا يبدو مجرد وفاء لمثقف غاب، بل عودة إلى عقل نقدى ما تزال أسئلته مفتوحة، وربما أكثر إلحاحًا من أى وقت مضى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك