حين كنت أطالع كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، سجلت على هوامشه بعض الملاحظات العامة التي استقرت في يقيني، وهي لا تقتصر على مادة الكتاب فقط، بل تتسع لتطوق الملابسات التي أحاطت به، والمنهج الذي اتبعه صاحبه في صياغة مضمون كتابه.
ويمكن سرد هذه الملاحظات على النحو التالي:1- اتبع علي عبد الرازق في كتابه المنهج الذي كان سائدًا عند فقهاء المسلمين وكتّاب السير، والذين استفادوا من طريقة القرآن الكريم في عرض حجج المشككين فيه، وفي الإيمان، وفي وجود الله سبحانه وتعالى، ثم دحضها؛ فعبد الرازق كان يعرض ما يتوقع أن يقوله خصومه حول ما جاء في كتابه، ثم يتولى الرد عليه تباعًا.
2- من يُمعن النظر في تفاصيل معركة كتاب «الإسلام وأصول الحكم» وأطرافها، ربما يجد تحققًا عمليًا لبعض ما جاء في الكتاب ذاته.
فالسياسة طغت على الدين، عبر استغلال المتنافسين في حلبتها الضارية لمادة الكتاب، بغية تحقيق مآرب أبعد ما تكون عن مسائل العقيدة والعبادة.
وهذا الأمر كان من الأسباب الرئيسية التي دعت علي عبد الرازق إلى رفض الربط بين الإسلام والسلطة السياسية.
3- لم ينجُ علي عبد الرازق من الوقوع في خطأ متكرر عند كثيرين، وهو اتخاذ الممارسة التاريخية حجة على النص.
فالنص يعرض المثل العليا، والممارسة تجسد الواقع، ودومًا هناك فجوة بين الاثنين، تتسع وتضيق، وتتقارب وتتباعد، لكن زلات التطبيق لا تعني أن النص به خلل، وهذه مسألة تنسحب على قضايا كثيرة حفل بها النص الإسلامي المؤسس، وهو القرآن الكريم، ومنها عدالة الحكم، بغض النظر عن عدم وجود تفاصيل تحدد هيكل الحكم ونوعه ومساره تحديدًا صارمًا.
في الوقت نفسه، يجب ألا تُبنى الاستدلالات على إعطاء كل ما عدا القرآن حجية هذا الكتاب المنزل.
فالفقه والتفسير هما منتج بشري، والصحيح من الأحاديث المنسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يقع في درجة أدنى من القرآن، وإن تعارض معه فلا يُلزم أحدًا.
4- يجب إعادة التفكير في مسألة ربط الإسلام، كدين، بقيام دولة تعبر عنه تعبيرًا محددًا وتسهر على حراسته.
فالإسلام انتشر في أفريقيا من دون دولة، إنما عبر جهود مشايخ الطرق الصوفية والتجار، ووصل إلى أصقاع في آسيا بالطريقة ذاتها، وهو الآن يتمدد في أوروبا إلى درجة أن 63 شخصًا يعلنون إسلامهم كل يوم، حسب إحصاء مكتب الهجرة الأوروبي في النمسا، من دون أن يكون هناك إطار سياسي أو سلطوي يساعد هذا التمدد أو يحرسه، ونظرًا لأن جانبًا كبيرًا من حجج من يربطون الإسلام بالدولة هو دور الأخيرة في حراسة الدين.
5- حين نتعرض لطبيعة دور الرسول صلى الله عليه وسلم، علينا أن نفرق بين «القيادة» و«الرئاسة»؛ فالأولى ذات طبيعة اجتماعية، وهي تتأسس على سمات وصفات لدى شخص تلقى قبولًا عند الجماعة التي ينتمي إليها، فيخلعون عليه مهابة واحترامًا وحبًا، من دون أي تقيد رسمي حياله، ولا سلطة رسمية له عليهم.
أما الثانية فذات منحى رسمي، يرتبط وجودها بوجود منصب، ولا يحظى من يشغله بالضرورة حبًا واحترامًا ومهابة، وليس له من طاعة على الناس إلا بمقتضى ما يوفره له المنصب من صلاحيات.
وأعتقد أن وضع الرسول الكريم كان وضع «القائد» في المسلمين، وليس وضع الرئيس، وأن تصرفاته السياسية كانت بنت القيادة وليست نابعة من الرئاسة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك