في الأيام التي سبقت تصويت أغلبية أعضاء مجلس الخبراء في إيران بتعيين مجتبى خامنئي لمنصب المرشد الأعلى، تناقلت الأوساط العارفة بالشؤون الإيرانية أسماء بعض المرشحين من غير علماء الدين المعممين، وقالت إن علي لاريجاني (الذي اغتالته إسرائيل الثلاثاء) قد يكون أوفر هؤلاء حظا.
وأكدت هذه الأوساط أن مجتبى ما كان يوما بالمرشح القوي أو الخليفة الطبيعي.
وأحد الأسباب أنه ليس من كبار الراسخين في علوم الدين حسب أصول المذهب الجعفري.
أما أهم الأسباب فهو أن الأب، المرشد السابق علي خامنئي، لم يكن مؤيدا البتة لتولي الابن هذا المنصب الخطير فقهيا وسياسيا.
ونقلت وسائل الإعلام الأمريكي أن وكالة الاستخبارات المركزية أبلغت ترامب بأن علي خامنئي لم يكن مرتاحا لفكرة تولي ابنه منصب المرشد من بعده، بل كان متوجسا من هذا الاحتمال لأن مجتبى لم يكن معدودا من النابغين أو اللامعين، ناهيك عن أن يكون من المؤهلين للقيادة العليا.
هذا فضلا عن أن الوالد كان مدركا، حسب المعلومات الاستخبارية، أن الابن كان يواجه مصاعب في حياته الشخصية.
نمط الحكم الإسلامي الأول كان جمهوريا في الأساس، وأن معيار التولية والتكليف لم يكن يتمثل في الولاء بل الكفاءة، ولا في النسب والقرابةوثمة شبه إجماع أن مجتبى عُين لأنه مرشح المؤسسة الأقوى في النظام، أي مؤسسة الحرس الثوري التي أصبحت تتركز في أيديها جل، إن لم يكن كل، السلطات.
وهذا تفسير معقول لأن طبيعة الدولة العميقة في إيران هي طبيعة أمنية-عسكرية في المقام الأول.
على أنه يوجد، في نظري، تفسير إضافي يرفد هذا التفسير السائد ويعضده.
وهو أن التسليم المطلق بعُلوية، أو طبيعية، الحكم الوراثي إنما هو عنصر راسخ في الثقافة الفارسية على مر الدهور، وهو جزء لا يتجزأ من “أخلاق الطاعة” التي تسم الحضارة الفارسية بميسمها الدائم، حسبما بينه محمد عابد الجابري رحمه الله في كتابه “العقل الأخلاقي العربي”.
والرأي عندي أن هذا التسليم المطلق بالحكم الوراثي (إلى حد التعصب الرومانسي له) هو أحد أهم الدوافع التي جعلت طوائف من الفرس يُعرضون باكرا (منذ بدايات الدولة الأموية) عن مذهب أهل السنة والجماعة الذي يقول بأحقية الأمة (سواء مباشرة أو عن طريق أهل الحل والعقد) في اختيار من تراه الأصلح للإمامة (أي الحكم)، ويتحيزون للمذهب الشيعي الذي يعدّ الإمامة مسألة من مسائل العقيدة التي لا مجال فيها للرأي والاختيار، بل ينبغي للمسلمين أن يسلّموا بها لأهل البيت حصرا.
كيف؟ بالتوارث العائلي في عقب الحسين بن علي رضي الله عنهما.
وليس هذا الاعتقاد إلا نقلا قوميا للمبدأ السلالي، الذي كان أساس شرعية الحكم الملكي في فارس، إلى المجال الإسلامي.
ومؤدى هذا الاعتقاد الموروث عن الكسروية أن الدين ليس إلا… طاعة رجل!والحقيقة أن هذه الصيغة المؤدلجة من التشيع قد أدت إلى إقحام مقام آل البيت إقحاما ضمن حدود مسلّمات العقيدة القومية الفارسية رغم أن الواضح من السيرة النبوية، في مجال اختيار القادة والأمراء، ومن سيرة الخلفاء الراشدين جميعهم أن نمط الحكم الإسلامي الأول كان جمهوريا في الأساس، وأن معيار التولية والتكليف لم يكن يتمثل في الولاء بل الكفاءة، ولا في النسب والقرابة بل العمل والاستقامة.
ومعروف أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول لبناته إن عليهن أن يجتهدن في طاعة الله والتقرب إليه بالعمل الصالح لأن والدهن لن يغني عنهن من الله شيئا.
أما حبه عليا رضي الله عنه فلم يكن لمجرد أنه ابن عمه وصهره، بل لما كان يمتاز به علي من فضائل العلم والورع والمروءة، فضلا عن الشجاعة والصدق عند اللقاء ونُبل الفروسية التي يحق القول إنه سيدها الأول في التاريخ الإنساني كله.
ويكفي التذكّر بأن معجزة انتصار علي، وهو بعد في العشرينيات من عمره، على فارس فرسان العرب عمرو بن عبد ود، لما بارزه في غزوة الخندق، قد جعلت يحيى بن آدم يقول “ما شبهت قتل علي عمرا إلا بقول الله عز وجل “وقتل داود جالوت”!ثم إن من العوامل التي عززت تشبث الفرس بالتشيع الملكي السلالي وغلوّهم في حب الحسين ورثائه وبكائه، إلى حد تحويله إلى أسطورة تحتل في المخيال الشيعي مكانة تضاهي مكانة يسوع في المخيال المسيحي، أنهم عملوا منذ بدايات الحركة الشعوبية في العصر العباسي الأول على الترويج لأسطورة تزعم أن الحسين قد تزوج شهربانو بنت يزدجرد الثالث آخر الأكاسرة الساسانيين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك