يبدو العالم اليوم، إلى حد بعيد، وكأنه منظومة ضخمة تُدار من قبل مراكز قوة تحدد الأدوار وتوزع النفوذ بما يتوافق مع مصالحها، لا مع مبادئ العدالة أو تكافؤ الفرص.
الدول تتحرك ضمن هذا الإطار، ولكل دولة حدود غير معلنة لا يُسمح لها بتجاوزها.
وعندما تحاول دولة ما كسر هذه الحدود، فإنها غالباً ما تواجه ردود فعل قاسية، قد تصل إلى حد التدمير الشامل، لأن تجاوز السقف المرسوم يُعد تهديداً مباشراً لبنية النظام نفسه كما نرى اليوم من خلال ما يحدث مع إيران.
من هنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله، هل تقدمت دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية والصين وأوروبا فقط بفضل قدراتها الذاتية وطموحاتها الداخلية رغماً عن أنف أمريكا، أم إن تقدمها كان أيضاً متوافقاً مع توازنات النظام الدولي ومصالح القوى المهيمنة؟ الفكرة هنا ليست إنكار جهود هذه الدول، بل التشكيك في حيادية البيئة التي سمحت لها بالصعود دون أن تُقابل بمحاولات كبح مماثلة لما تعرضت له دول أخرى.
لاحظوا اليوم كيف أصبحت فرملة النهضة الصينية الشغل الشاغل للولايات المتحدة بعد أن أدركت خطورتها على التفوق الأمريكي.
في هذا السياق، يصبح واضحاً أن مسألة التقدم ليست قراراً داخلياً فقط.
العالم اليوم تحكمه أدوات سيطرة معقدة، في مقدمتها النظام المالي العالمي الذي يتمحور حول الدولار.
أي حركة مالية دولية تقريباً تمر عبر قنوات مرتبطة بالولايات المتحدة، ما يمنحها قدرة استثنائية على التحكم في الاقتصادات الأخرى، سواء عبر العقوبات أو القيود أو حتى التهديد غير المباشر.
وإلى جانب ذلك، هناك الهيمنة التكنولوجية، حيث تعتمد البنية الرقمية العالمية، من الإنترنت إلى مراكز البيانات، بشكل كبير على منظومات وشركات أمريكية.
هذا يعني أن أي دولة يمكن أن تتعرض لضغط هائل بمجرد استهداف وصولها إلى هذه الشبكات، لهذا صنعت الصين لنفسها نظاماً إلكترونياً مستقلاً كي لا تقع فريسة الأخطبوط الأمريكي.
ورغم كل ذلك، لا يمكن تبرئة العالم العربي من مسؤوليته في التخلف العلمي والصناعي.
هناك تقصير واضح في بناء قاعدة معرفية حقيقية وفي الاستثمار الجاد في البحث والتطوير.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن بعض محاولات النهوض، حين تقترب من مجالات حساسة، تُواجه بردع شديد.
تجربة العراق تقدم مثالاً صارخاً على ذلك.
فالعراق، بغض النظر عن تقييم نظامه السياسي القديم، استطاع في مرحلة ما أن يحقق تقدماً ملحوظاً في مجالات التعليم والطب والهندسة.
قضى على الأمية تقريباً، وأرسل آلاف الطلاب إلى الجامعات العالمية، وبنى مؤسسات علمية متقدمة نسبياً قياساً بدول العالم الثالث.
حتى مشروعه النووي كان جزءاً من محاولة لبناء قوة علمية وصناعية مستقلة.
وقد عُرف مفاعل تموز في حينه كرمز لطموح علمي كبير، لكنه تعرض لضربة عسكرية أنهت هذا المسار مبكراً.
يبدو العالم اليوم، إلى حد بعيد، وكأنه منظومة ضخمة تُدار من قبل مراكز قوة تحدد الأدوار وتوزع النفوذ بما يتوافق مع مصالحها، لا مع مبادئ العدالة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك