يبدو الغلاف في هذه الرواية متوهجًا ببقعة صفراء تمثل ربما الشمس فوق نهر «تيزا»، وعلى الضفة تبدو الأزهار الحمراء، بينما تنعكس ظلال الأشجار فوق صفحة النهر.
الفراشات تحلّق، ويبدو في حركة رمزية تعود لمشهد في الرواية تم نقله للغلاف الخلفي الذي بدا بلون الغروب، وأسراب الطيور تستعد للطيران.
«ارتفعت سحابة هائلة ومنتظمة الشكل فوق المياه، ووجد جورجيو ومارينا أنفسهما محاطين بتلك السحابة، التي تمتد في مرمى النظر.
».
في حين جاء غلاف الرواية في نسخته الأصلية في صورة زهرة حمراء متوهجة تشير إلى زهور الهبيسكوس.
جاءت الترجمة في 108 صفحات.
نتعرف إلى جورجيو من خلال الراوي العليم الذي يخبرنا أن جورجيو تخلف عن موعد مهم لحضور اجتماعات ثقافية مع مسؤولين مجريين بشركائهم الأوربيين بمناسبة انضمام المجر للاتحاد الأوربي.
يتخذ البطل قرارًا بهجران عمله، فيذهب إلى منزله في القرية، ويعتزل حياة المدينة وضجيجها.
لقد قاده عمله إلى عواصم أوربية كثيرة، والآن حان وقت إيقاف كل ذلك الضجيج.
يبحث عن كتاب يصف حالته الخاملة.
يتذكر أن الأمر بدا له ذات ليلة في بودابست، حين استيقظ فجأة في الظلام الدامس، فتراءت له امرأة مصورة أو هي لوحة منسوبة للفنان فيرونيزي بعنوان «اغتصاب أوروبا».
هذه لوحة للفنان تيتان وليست لفيرونيزي.
ربما تشكل هذه الإحالة رمزية البطل وحالاته في أحلام اليقظة التي نجدها ونحن نقرأ؛ خيالات نساء مررن في حياته، بعضهن مرور عابر يغذي صور رغباته المتكررة في الأحلام، معززًا حضور تلك اللوحة وتشكيلها لخياله الإيروسي الملتهب.
نكتشف في كل فصل شخصية أو شخصيات جديدة، وأغلبها شخصيات ثانوية.
يستخدم الكاتب تكنيك «الفلاش باك» بمهارة، إذ يقص علينا مشاهد وأحداثًا كثيرة من طفولة جورجيو، وحياته الزوجية، وحياته مع عائلته.
ولا يعتمد الكاتب لغة تمهيدية لحدث ما؛ إذ فجأة تطل علينا شخصية جديدة وكأننا نقرأ قصة خارج الرواية، ثم نكتشف بعد ذلك براعة الكاتب في ربط هذه الشخصية بالبطل.
تعود بعض الشخصيات النسائية في نهاية الرواية، وبعض الشخصيات تتبخر.
ونكتشف أنه شخصية غير قوية، وأنه لا يستطيع اتخاذ أبسط القرارات، وفي سطور قليلة نعرف أنه يخاف زيارة أمه خوفًا من زوجته.
وفي بداية فصل آخر نكتشف موت أمه وحضوره الجنازة.
يفترش الوصف مساحة كبيرة من الرواية، لكنه موظف بشكل يشعرك بالمكان والزمان، وكذلك يلقي بك في عمق المشاهد.
يفصل الراوي العليم في وصف أشياء كثيرة، وقد تبطئ السرد، لكنها ضرورية للولوج في أعماق الرواية والشعور بمشاعر البطل وبقية الشخصيات، وامتصاص التفاصيل الضرورية لعيش لحظات القراءة وكأنك مع البطل.
«عندما خلد جورجيو إلى النوم في نهاية اليوم تراءت له ومضات أمام عينيه.
بعد تردد قرر أن يتناول إحدى الحبوب.
خلد إلى النوم فورًا.
أيقظه صوت التليفون.
جريتا تخبره بمجيئها على أول طائرة.
».
تختم الرواية بهذا الاقتباس من كتاب صغير مصفر لعمل مسرحي طالما صحبه هذا الكتاب في أسفاره.
نقرأ مع جورجيو إحدى الصفحات: «لندن المشهد الحادي عشر، السوق الواقعة بين البرج ونهر التايمز.
آدم مع إبليس، وإبليس يقول له: يبدو لي أنك أصبحت تقيًا، ويرد آدم: مزحتك سخيفة، أنا صدئ الروح، وأجوف النفس، ولكنني أحلم بالنقاء، بفتاة تصدق أبيات الشعر.
».
وبهذا الاقتباس يبدأ يتشكل سؤال: هل يشير الكاتب إلى عوالم البطل النفسية؟ فهل كان جورجيو قد عاش حياة جوفاء وللتو بدأ يستشعر العمر الذي ضاع؟ ولعل صداقته السريعة والعاجلة مع عاملة التوصيل مارينا تكشف عن حياته التي تتهادى كما يتهادى القارب بهما فوق مياه النهر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك