التدهور الذي يعيشه السودان في مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الذي قاد للحرب الجارية من أجل تصفية الثورة والاستمرار في نهب ثروات البلاد من المحاور الاقليمية والدولية التي تسلح طرفي الحرب’ هو نتاج لتراكم وتطور تاريخي تعمق مع الاحتلال البريطاني – المصري للسودان.
فكيف تم إعادة إنتاج الأزمة والتخلف في السودان؟بعدالاحتلال الانجليزي للسودان عام 1898م، اصبح السودان دائرةا في فلك النظام الرأسمالي العالمي’ وعاد الاقتصاد السوداني مرة اخري للتوجه الخارجي بعد نهاية الاحتلال التركي – المصري، اى اصبح الاقتصاد خاضعا لاحتياجات بريطانيا ومد مصانعها بالقطن ( كان القطن المحصول النقدي الرئيسي، ويشكل 60% من عائد الصادرات)، وتم تغليب وظيفة زراعة المحصول النقدي علي وظيفة توفير الغذاء للناس في الزراعة.
هذا اضافة لسيطرة الشركات والبنوك البريطانية علي معظم التجارة الخارجية، وارتباط السودان بالنظام الرأسمالي العالمي، وفي علاقات تبادل غير متكافئة، صادرات: مواد أولية (قطن، صمغ، ماشية، جلود،
)، وواردات سلع رأسمالية مصنعة.
في عام 1956م، كان 72% من عائد الصادرات تتجه الي اوربا الغربية وامريكا الشمالية، و50% من الواردات تأتينا منها، أى كان الاقتصاد السوداني في ارتباط وثيق مع النظام الرأسمالي العالمي.
كما كان مجموع الواردات والصادرات تشكل 40% من اجمالي الناتج القومي، هذا اضافة لتصدير الفائض الاقتصادي للخارج فعلي سبيل المثال في الفترة: 1947 – 1950م، كانت ارباح شركة السودان الزراعية اكثر من 9,5 مليون جنية استرليني، تم تحويلها الي خارج البلاد.
كما كانت الصناعة تشكل 9% من اجمالي الناتج القومي، واجهض المستعمر اى محاولات لقيام صناعة حرفية وطنية، كما تم تدمير صناعة النسيج والاحذية التي كانت موجودة خلال فترة المهدية، بعد أن غزت الأقمشة والاحذية الرأسمالية المستوردة السوق السوداني.
وكان نمط التنمية الاستعماري الذي فرضه المستعمر يحمل كل سمات ومؤشرات التخلف التي يمكن تلخيصها في الآتي:90% من السكان يعيشون في القطاع التقليدي، قطاع تقليدي يساهم ب56,6% من اجمالي الناتج القومي، القطاع الزراعي يساهم يساهم ب61% من تكوين الناتج المحلي، ضعف ميزانية الصحة والتعليم، تتراوح بين(4- 6%)، كان دخل الفرد 27 جنية مصري، اقتصاد غير مترابط ومفكك داخليا ومتوجه خارجيا، تنمية غير متوازنة بين أقاليم السودان المختلفة.
بعد الاستقلال استمر هذا الوضع، وتم اعادة انتاج التخلف واشتدت التبعية للعالم الخارجي أو التوجه الخارجي للاقتصاد السوداني: ديون تجاوزت ٦٠ مليار دولار، انخفاض قيمة العملة والارتفاع في الاسعار مع ضعف المرتبات، ظهور طبقة رأسمالية طفيلية اسلاموية استحوذت علي الجزء الأكبر من السلطة والثروة، عجز غذائي ( مجاعات)، حروب أهلية، تصنيع فاشل، اشتداد حدة الفقر حتي اصبح اكثر من 90% من السودانيين يعيشون تحت خط الفقر حسب الاحصاءات الرسمية، اضافة لانهيار القطاعين الزراعي والصناعي وانهيار وخصخصة خدمات التعليم والصحة، انهيار القيم والاخلاق، وانتشار الفساد بشكل غير مسبوق، واصبحت البلاد معتمد علي سلعة واحدة: البترول بدل القطن سابقا، وحتي عائدات البترول فقدت البلاد حوالي 70% منها بعد انفصال الجنوب ولم يذهب جزء من عائداته لدعم الصناعة والزراعة والتعليم والصحة والخدمات.
الخ.
تفاقم الوضع حتى انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ الذي اعاد التمكين للإسلاميين والأموال المستردة للفاسدين وقاد للحرب الجارية.
وهذا الوضع مواصلة التصعيد الجماهيري لوقف الحرب واستعادة مسار الثورة وخروج العسكر والدعم السريع والمليشيات من السياسة والاقتصاد وقيام الحكم المدني الديمقراطي ‘وتفكيك التمكين وعدم الإفلات من العقاب والسير في طريق التنمية المستقلة المتوازنة التي تسهم في ترقية الأوضاع المعيشية والاقتصادية والصحية والأمنية والتعليمية.
وغير ذلك من أهداف ثورة ديسمبر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك