تجدد العدوان الإسرائيلي على لبنان في 2 مارس/ آذار، الذي صادف 12 رمضان، حيث نزح عشرات آلاف الصائمين من منازلهم إلى مراكز الإيواء أو افترشوا طرقات العاصمة بيروت ومناطق أخرى على وقع إنذارات الإخلاء والقصف الإسرائيلي.
وها قد حل عيد الفطر، ولم تنتهِ الحرب بعد.
فالعيد لا يصل هذه المرة محملًا فقط برائحة المعمول، أو على وقع الزيارات العائلية وثياب الأطفال الجديدة، بل مثقلًا بصور البيوت المهدمة، ويوميات النزوح، والقلق المزمن الذي تسلّل إلى تفاصيل الحياة اليومية.
ومع ذلك، لا يختفي العيد تمامًا، بل يبقى حاضرًا في أشكال صغيرة، متواضعة.
حين يتقلّص العيد ولا يختفييتمسك اللبنانيون بالعيد بقدر ما يتمسكون بفكرة الحياة نفسها، ويجدون في المناسبة فرصة لسرقة بعضًا في الفرح.
ففي الظروف الطبيعية، يرتبط العيد بفكرة الوفرة: وفرة الوقت، والطعام، واللقاء، والقدرة على الإنفاق، وحتى وفرة المزاج نفسه.
أما في زمن الحرب، فإن هذه العناصر كلها تتعرض للاهتزاز.
تتراجع حركة الأسواق، تضيق قدرة العائلات على الشراء، تُختصر الزيارات، وتُعاد صياغة الأولويات على قاعدة النجاة أولًا.
لكن المفارقة أن العيد لا يختفي مع هذا الانكماش، بل يعيد إنتاج نفسه بأدوات أقل.
وباتت التفاصيل الصغيرة أكثر من مجرد عادات موسمية: قطعة حلوى تُحضَّر في المنزل، زيارة سريعة لقريب، لعبة بسيطة لطفل، أو حتى إصرار أم على تنظيف البيت واستقبال صباح العيد بملابس مرتبة، رغم كل ما يحيط بها من اضطراب.
كما يتحول شراء ملابس جديدة لكل أفراد الأسرة إلى قطعة واحدة لطفل صغير.
وقد تتراجع مائدة العيد العامرة إلى طبق متواضع يُحضَّر بما تيسّر.
وقد تُستبدل الزيارات الطويلة باتصال هاتفي أو رسالة صوتية أو لقاء سريع تحكمه الظروف الأمنية والاقتصادية.
ومع ذلك، يبقى المقصود واحدًا: ألا يمرّ العيد كأنه يوم عادي تمامًا.
تظهر أهمية هذه الطقوس بصورة أوضح حين يتعلق الأمر بالأطفال.
ففي البيئات المضغوطة بالحرب والنزوح والخوف، لا يكون الطفل قادرًا على فهم كل ما يجري سياسيًا أو عسكريًا، لكنه يلتقط جيدًا تبدّل المزاج في البيت، وارتباك الكبار، وغياب الأمان.
ومن هنا، تحاول كثير من العائلات أن تبقي على الحد الأدنى من طقوس العيد.
قد يكون ذلك عبر" عيدية" رمزية، أو حلوى بسيطة، أو نزهة قصيرة إذا أمكن، أو حتى عبر جهد واضح من الأهل لصنع أجواء مختلفة داخل المنزل.
وهي محاولات لا تلغي الواقع القاسي، لكنها تخفف من وطأته، وتمنح الطفل شعورًا بأن العالم لم يتحول كله إلى خوف.
ولا يتعلق الأمر بالأطفال وحدهم.
فالكبار أيضًا يحتاجون إلى هذه العلامات الصغيرة كي لا تستسلم حياتهم بالكامل لمنطق الحرب.
ففي مثل هذه الظروف تظهر قوة الطقوس الصغيرة، التي لا تحتاج إلى إمكانات كبيرة، لكنها تمنح الناس شعورًا بأن الزمن لم ينكسر بالكامل، وأن المناسبات ما زالت قادرة على أن تجد لها موطئ قدم، ولو في أضيق المساحات.
ويصبح الفرح الصغير نوعًا من المقاومة الهادئة بالمعنى الإنساني العميق: مقاومة التبلّد، ومقاومة الانهيار الداخلي، ومقاومة تحوّل الخوف إلى نظام حياة دائم.
فالناس يحتاجون، حتى في أكثر الأوقات قسوة، إلى إشارة ما تقول إن الحياة لم تتوقف نهائيًا، وإن المستقبل، مهما بدا بعيدًا، لا يزال ممكنًا.
فحتى بصيغته المصغّرة، يذكّر العيد الناس بأنهم ما زالوا قادرين على الاجتماع، وعلى تبادل الكلمات الطيبة، وعلى منح الأطفال ذاكرة أقل قسوة من الواقع المحيط بهم.
وتكشف الأزمات، غالبًا، هشاشة الصورة التقليدية للعيد بوصفه مناسبة استهلاك وإنفاق ومظاهر.
ففي أوقات الضيق، يتراجع هذا البعد تلقائيًا، ويظهر معنى آخر أكثر جوهرية: العيد بوصفه لحظة صلة، ومواساة، وتبادل اعتراف بأن الناس ما زالوا معًا رغم كل ما تصدّع.
وفي مثل هذه اللحظات، لا تصبح قيمة الهدية في ثمنها، بل في رمزيتها.
ولا تقاس الزيارة بطولها، بل بمجرد حصولها.
ولا يعود إعداد الطعام استعراضًا للقدرة، بل فعل عناية وحماية.
وهكذا، تُعاد صياغة المناسبة من الداخل: أقل بهرجة، وأكثر صدقًا.
أقل احتفالًا بالشكل، وأكثر تمسكًا بالمعنى.
لا يمكن الادعاء أن العيد في لبنان اليوم يشبه ما كان عليه في سنوات أكثر هدوءًا.
فهو عيد ناقص، مثقل بالخسارات، محاصر بالقلق، ومكسور بإحساس جماعي بعدم اليقين.
فقد استشهد أكثر من 1000 شخص، بينهم 118 طفلًا.
كما أصيب 2641 شخصًا منذ 2 مارس/ آذار الماضي، فيما بلغ عدد النازحين في 134616 شخصًا، وفقًا لوحدة إدارة الكوارث في السراي الحكومي اللبناني.
ومن هنا، فإن تمسك اللبنانيين بطقوس الفرح الصغيرة لا يبدو تفصيلًا هامشيًا، بل تعبيرًا عن حاجة عميقة إلى حماية ما تبقّى من الإيقاع الإنساني للحياة.
فحين تضيق البلاد بالحرب، يتراجع الفرح إلى حجمه الأول: كلمة طيبة، لقاء قصير، قطعة حلوى، ثوب جديد لطفل، أو دعاء صامت بأن تمرّ الأيام الأقل قسوة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك