سكاي نيوز عربية - نتنياهو: اتفاق وقف إطلاق النار مع لبنان لم يكتمل قناة القاهرة الإخبارية - عون ينتقد حزب الله ويتهم إيران باستخدام لبنان كورقة تفاوض مع واشنطن القدس العربي - الصحافي التونسي مراد الزغيدي يضرب عن الطعام داخل السجن الجزيرة نت - بوتين "يوبخ" زيلينسكي وينفي تسليح إيران يني شفق العربية - فرنسا تفتح تحقيقا في تعذيب الاحتلال الإسرائيلي ناشطين بأسطول الصمود الجزيرة نت - العطش يحاصر مخيمات النازحين في مواصي خان يونس قناة القاهرة الإخبارية - حرب ترسيم الدوائر الانتخابية تشتعل في أمريكا قبل انتخابات الكونجرس قناة الجزيرة مباشر - The US announces the passage of the amphibious assault ship Tripoli through the Arabian Sea to su... قناة التليفزيون العربي - هل أن إيران جزء من مسار الحديث عن تدمير اليورانيوم عالي التخصيب، وسط مفاوضات متعثرة؟ الجزيرة نت - من زياش إلى بوعدي.. كيف نجح المغرب في استقطاب المواهب وخسر لامين جمال؟
عامة

رسُلُ المعاني

القدس العربي
القدس العربي منذ شهرين
1

تُظهر الدراسات اللسانية الحديثة، خصوصا في حقل التداولية، أن فهم الخطاب لا يقتصر على تحليل البنية اللغوية، أو المعنى المعجمي للألفاظ، بل يتجاوز ذلك إلى دراسة العلاقة بين القول والسياق والمقصد التواصلي....

ملخص مرصد
تُظهر الدراسات اللسانية الحديثة أن فهم الخطاب يتجاوز تحليل البنية اللغوية إلى دراسة العلاقة بين القول والسياق والمقصد التواصلي. عبارة «هل أتاك حديث…» في القرآن الكريم تعمل كأداة خطابية تمهد للخبر وتعظمه، بدلاً من كونها سؤالاً ينتظر جواباً.
  • عبارة «هل أتاك حديث…» تعمل كأداة خطابية تمهد للخبر.
  • السؤال يدفع المتلقي إلى الاستعداد لاستقبال الخبر.
  • الاستفهام يعمل على مستويين: حرفي وتداولي.

تُظهر الدراسات اللسانية الحديثة، خصوصا في حقل التداولية، أن فهم الخطاب لا يقتصر على تحليل البنية اللغوية، أو المعنى المعجمي للألفاظ، بل يتجاوز ذلك إلى دراسة العلاقة بين القول والسياق والمقصد التواصلي.

ومن هذا المنظور يمكن قراءة بعض الصيغ الاستفهامية في القرآن الكريم، قراءةً تتجاوز معناها الظاهري، كما في افتتاح عدد من الآيات بعبارة «هل أتاك حديث…».

تبدو عبارة «هل أتاك حديث.

» في القرآن الكريم في ظاهرها استفهاما يسأل عن وصول خبر إلى المخاطَب، غير أن النظر فيها من منظور التداولية يكشف أنها لا تؤدي وظيفة السؤال الحقيقي الذي ينتظر جوابا، بل يخرج فيها الاستفهام عن وظيفته الأصلية بما هو عمل لغوي مباشر ليدلّ على عمل آخر غير مباشر اعتمادا على قرائن سياقية يترجمها المتلقّي إلى استدلالات ذهنية يسيّر بها السؤال إلى مسالك أخرى.

ولنقل إنّ عبارة (هل أتاك حديث كذا؟ ) هي مقدمة تشرّع لفعل الحكاية أو الإخبار من غير أن تنتظر إذنا فعليا من المستمع.

ومن هنا خروجها عن بنية الاستفهام المزدوجة التي تتطلب مزاوجة ومراوحة بين السؤال والجواب.

إنّ المقصود هنا برسل المعاني، أنّ في بعض الكلام رسائل مشفرة ترسل لكي تكون وسيطا بين خطابين أحدهما مفتاح للثاني، وواسطة له.

بعبارة أخرى وفي كلامنا اليومي من الممكن أن أشرع في قصّ على مخاطبي، من دون مقدمات وهذا من مألوف الأحاديث، ولكنّي قد أعمد أحيانا إلى أن أقدم للخبر والقصّ برسالة أولى أدفع بها من يستمع إليّ، إلى أن يطلب الحكاية بنفسه.

في النصّ القرآني تلعب عبارة (هل أتاك حديث.

) هذا الدور فنجدها في سورة سورة الغاشية (1) (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ )، في سورة طه (9) (وهل أتاك حديث موسى ) وفي سورة الذاريات (24) (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين) الظاهر أنّ السؤال موجّه إلى استفسار المخاطب النبي عن هذه الأخبار السالفة، والمعرفة بها ولكنّه سؤال لا ينتظر جوابا، فليس بين الإله السارد العليم ونبيّه المستعدّ للعلم بما لا يعلم هذا الأفق من التفاعل، فعلى سبيل المثال لا يكون المقصود بالاستفهام عن علم المخاطَب بحديث القيامة في سورة الغاشية، وإنما في السؤال رسالة تشرّع الحديث عن هول هذا اليوم ومهابة مشهديته.

فتتحول عبارة «هل أتاك حديث…» من مجرد تركيب استفهامي إلى أداة خطابية دقيقة تُدار بها حركة المعنى داخل النص القرآني.

إنها تمهد للخبر قبل وروده، وتمنحه وزنا خاصا في الوعي، فيغدو السؤال رسولا للمعاني تسبق الأخبار لتفتح له قناة الإدراك لقيمته بعد أن تؤسس إدراكيا للإقبال عليه إنّه ضرب من توجيه الانتباه بآلية السؤال، حيث يقوم السؤال بدور تمهيدي يمهد لانتقال المتلقي إلى مجال دلالي جديد.

في سورتي طه والذاريات، يُؤسس السؤال لشيء مختلف في الخطاب عمّا سلف يسمّى تغيير الموضوع Topic Shift، بالانتقال من حديث إلى حديث، أو من سرد للصفات أو الأفعال إلى ضرب من القصّ موجّه إلى موضوع برأسه؛ لكن علينا أن نراعي أنّ الانتقال بالموضوع إلى مسار سردي ليس الغرض منه الخروج عن سياق موضوع سابق، بقدر ما فيه ترسيخ له فهو من جهة الشكل تغيير للموضوع بتأسيس خبر جديد، أو سرد حادث، ولكنه من جهة الدور والوظيفة ترسيخ للأفكار العامة التي ينخرط فيها ذلك الحديث.

في قوله تعالى في سورة طه: (وهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَأَىٰ نَارا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى)، ننتقل بالسؤال من سياق عام إلى سرد قصة موسى قال السعدي في تفسيره: «يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم على وجه الاستفهام التقريري، والتعظيم لهذه القصة والتفخيم لها: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى) في حاله التي هي مبدأ سعادته، ومنشأ نبوته، أنه رأى نارا من بعيد، وكان قد ضل الطريق، وأصابه البرد، ولم يكن عنده ما يتدفأ به في سفره)» فيدمج المفسر بين السؤال ومحتوى القص، رابطا بين ذلك المحتوى وغرضه المباشر.

فهو بهذا الشكل يبرز أنّ القول المقصود ليس مضمون الخبر عن موسى، ولكنّ المقصود تقوية المحكي له الخبر.

هذا القول مندرج في سياق تأويل لا يراعي الانتقال بين المواضيع ولا العلاقة بين السؤال وجوابه وما يلعبه القرن بينهما من بناء الترقب الدلالي، الذي يتحول الاستفهام بمقتضاه إلى أداة خطابية لإدارة انتباه المتلقي داخل النص.

ويمكن فهم هذا الأسلوب أيضا في ضوء مفهوم الاستلزام الحواري الذي اقترحه الفيلسوف اللغوي بول غرايس.

فالمخاطَب يدرك أن السؤال لا ينتظر جوابا فعليا، ولذلك يستنتج ضمنيا أن المقصود هو تعظيم الخبر والتنبيه إلى أهميته.

وهذا الاستنتاج لا يأتي من المعنى المعجمي للجملة، بل من العلاقة بين الجملة والسياق الخطابي.

فالاستفهام يعمل على مستويين متكاملين: المستوى الأول حرفي، حيث تأخذ الجملة شكل السؤال؛ والمستوى الثاني تداولي، حيث تتحول الجملة إلى أداة تنبيه وتمهيد وتعظيم للحدث.

بهذا المعنى، لا تكون صيغة «هل أتاك حديث…» مجرد تركيب لغوي، بل تصبح آلية خطابية لإدارة التلقي داخل النص القرآني.

وفي إطار مبدأ التعاون الغرايسي فإن المتلقي يدرك أن السؤال لا ينتظر جوابا فعليا، لأن السائل يعلم مسبقا خلو ذهن المخاطَب الرسول بما يخاطب به.

ومن هنا يستنتج السامع ـ عبر الاستلزام ـ أن المقصود الحقيقي هو إبراز أهمية الخبر والتنبيه إلى خطورته، أو عظمته وتنشيط الأفق التأويلي للمتلقي: فبدلا من أن يمر الخبر مباشرة، يُدعى المخاطَب أولا إلى الاستعداد الإدراكي لاستقباله، وهو ما يوسع المجال التأويلي للنص.

إنّ ما يصنعه السؤال هو ضرب من إدارة التلقّي على قطبين، وليس على قطب واحد، كما هو في مألوف الإخبار بأحداث جهلناها ويريد الكلام المسموع أن يعلمنا بها، هذان القطبان هما: السؤال عن خلو الذاكرة من الخبر المراد قصه من ناحية؛ والإخبار بما ليس في الذاكرة الطويلة المدى من أخبار من أخرى.

خلو الذاكرة من الخبر، لا يعني اللاعلم، ولا يعني الجهل، بل يعني أنّ المعرفة المتاحة بالأحداث ناقصة وأنّ استكمالها أمر مهمّ بل ضروري في الرسالة النبوية يحتاج الرسل إلى جملة من المعاني، تثبّت رسالتهم وتقوّيها، وهي معان لم تدر في خلدهم من قبل ولا حملها إليها إخباريون سابقون، أو أنّها حملت إليهم من غير طريقها الأصليّ: طريق العالم بالكون وخوافيه، قديمه وحديثه.

الإخبار هنا يدفعه السؤال من مرتبة الاختيار، أو الإتاحة إلى الضرورة: هل بلغك حديث فلان؟ جوابه المفترض الأول: لا لم يبلغني وهذا يقوّي الشوق إلى المعرفة بما غاب عن المخاطب؛ والجواب المفترض الثاني: بلغني ولكنّ الطريق التي سأبلغ بها الآن أكثر موثوقية وأكثر ثباتا: هنا يمكن أن تكون القصص الأولى في الكتب السابقة قابلة للمراجعة أو النسخ، وهذا جزء مهم من إدارة التلقي الجديدة: أنّ ما قيل قابل للمراجعة لأنّها جاء من طرق من الممكن أن يدخلها الضعف لكثرة الرواة وهذا أقوى سبل التصديق القديم.

إنّ للمعاني رسلا عليهم أن يحسنوا أخذها، لكي يحسنوا تبليغها وهذه الرسل ضربان في النصوص الكتابية ضرب من داخل اللغة تبني أكوانا مفارقة منها أخبار الرسل السابقين وضرب من خارج اللغة يخصّ الرسل أنفسهم وكيف يصبحون بدورهم أنسجة من المعاني تقصّ وتحكى.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك