حين تُدار الحروب بالثقة… وتُترك نهاياتها للفوضىنهج أربك النظام الدولي… وأرهق الدبلوماسية“الحروب لا تبدأ حين تُطلق… بل حين يظن صانعوها أنهم يملكون نهايتها”.
منذ 28 فبراير 2026، لم يعد الشرق الأوسط يقترب من الحرب، بل يعيش داخلها، ومع اتساع المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم يعد السؤال كيف بدأ كل شيء، بل لماذا يبدو أن إنهاءه أصعب بكثير مما تصوّره من أشعلوه، وما يحدث اليوم ليس انفجارًا مفاجئًا، بل لحظة انكشاف، حيث تتحول قرارات سياسية متراكمة إلى واقع لا يمكن التحكم به.
ما نشهده ليس خطأً في التقدير، بل نتيجة نهج كامل، حيث لم تعد القوة تُستخدم لضبط التوازن، بل لفرض واقع سريع، في منطق يقوم على الصدمة بدل التدرج، وعلى الضغط بدل التفاوض، وهو ما تجسد في أسلوب دونالد ترامب، الذي تعامل مع التعقيد كعائق يجب تجاوزه، لا كحقيقة يجب إدارتها.
في الماضي، كانت القوة تُستخدم لإبقاء العالم قابلًا للإدارة، أما اليوم فهي تُستخدم لتغييره بسرعة، لكن التغيير السريع لا يصنع استقرارًا، بل يخلق فراغًا، وهذا الفراغ هو ما نراه الآن، حيث تتحرك الأحداث أسرع من قدرة السياسة على اللحاق بها.
المشكلة ليست في الحرب، بل في أن السياسة لم تعد تسبقها، بل تأتي بعدها لتفسيرها، لا لمنعها، وقد كتب هنري كيسنجر أن الاستقرار يقوم على توازن مقبول، لكن هذا التوازن لا يُبنى بعد الضربة، بل قبلها.
الحروب لم تعد تُخاض لتحقيق أهداف واضحة، بل لإجبار الواقع على التغير، لكنها في لحظة ما تكتشف أنها فقدت اتجاهها، فتستمر لأنها بدأت، لا لأنها تعرف إلى أين تتجه، وقد أشار كارل فون كلاوزفيتز إلى أن الحرب امتداد للسياسة، لكن ما يحدث اليوم هو العكس، حيث تصبح السياسة امتدادًا للحرب.
النصر… حين يصبح وهمًا منظمًامع استمرار المواجهة، يتحول الخطاب، لا حديث عن ما سيحدث، بل عن ما “تحقق”، لا بحث عن حل، بل عن صياغة نهاية، وقد كتب جان بودريار أن الحروب الحديثة تُخاض على مستوى الصورة بقدر ما تُخاض على الأرض، وهنا يصبح النصر ممكنًا في الرواية حتى لو لم يتحقق في الواقع.
الشرق الأوسط… حيث تتكاثر الحروبفي هذه المنطقة، لا تبقى الحروب ضمن حدودها، كل ضربة تخلق دائرة، وكل دائرة تفتح أخرى، والتنسيق بين الولايات المتحدة وحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يحد من الصراع، بل وسّعه، لأن الحرب هنا لا تُدار من مركز واحد، بل من تداخل مصالح لا يمكن ضبطها.
الاقتصاد… ساحة الحرب الحقيقيةالحرب اليوم لا تُخاض فقط بالسلاح، بل بتسعير الخطر، الأسواق تتحرك قبل الجيوش، والطاقة تتحول إلى أداة ضغط، والمخاطر تُباع وتُشترى، وقد حذّر صندوق النقد الدولي من أن اتساع الصراع لن يبقى محليًا، لأن الاقتصاد لا ينتظر نهاية الحرب، بل يعيد تعريفها.
الخليج… سقوط الفكرة لا التحالفما سقط في هذه الحرب ليس التحالف، بل الفكرة التي قامت عليه، فكرة أن الحماية يمكن أن تكون كاملة، وأن الردع يمكن أن يكون نهائيًا، لكن الواقع أثبت أن الحماية تقلل الخطر، ولا تمنعه.
من الحماية إلى إدارة الخطرما يحدث الآن لن يغيّر التحالفات، لكنه سيغيّر معناها، العلاقة مع الولايات المتحدة ستستمر، لكن كأداة ضمن خيارات، لا كضمان مطلق، وهذا التحول هو الأهم.
ما نراه ليس انهيارًا للنظام الدولي، بل تآكله، القواعد ما زالت موجودة، لكنها لم تعد كافية، والعالم يعيش مرحلة انتقالية بين نظامين.
ليس انتصارًا… بل إعادة توزيع الخسارةما يحدث اليوم ليس أزمة عابرة، بل إعادة تعريف لقواعد الصراع، حيث لم تعد الحروب تُخاض للفوز، بل لإعادة توزيع الخسارة، ولم يعد النصر نهاية، بل أداة خروج.
دول الخليج ليست أمام خيار الحرب أو السلام، بل أمام خيار أعمق، إما الانجرار إلى صراع لا تملك قراره، أو إعادة تعريف موقعها فيه، كما أشار حمد بن جاسم آل ثاني فإن المنطقة لا تحتمل مغامرات جديدة.
لقد دُفعت مليارات في مفهوم الحماية، لكن ما ثبت هو أن الأمان لا يُشترى، بل يُبنى، وأن التحالف لا يمنع الخطر، بل يحدد حدوده.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك