كما هو الحال مع العديد من جوانب الحياة المصرية، لم تكن الولادة تُعتبر مجرد حدث بيولوجي فحسب، بل كانت حدثاً متجذراً يقدسه المصري القديم، بعد ما عرف الطريقة التي يحدد بها جنس المولود وتتابع المرأة المصرية بحرص شهور حملها، تأتي اللحظة الحاسمة التي لم يجهلها عقل المصري ضمن ابتكاراته الطبية.
وفي إحدى اللوحات والكتب القديمة التي تروي تاريخ الابتكارات المصرية وتوثقها، يظهر في كتاب «من أسرار الفراعنة» للكاتب حسن سعد الله، الطريقة التي كانت تلد بها المرأة قديما على كرسي عجيب اشتهر لاحقًا بـ«كرسي الولادة».
حكاية كرسي الولادة.
كيف فكر المصري القديم في راحة المرأة؟يقول الكاتب، قبل اختراع الغرب جهازا طبياً حديثا يشبه الكرسي تجلس عليه النساء أثناء الولادة، وقد أثار هذا الجهاز إعجاب الأوساط الطبية التي أشادت به وادعت أنه فريد من نوعه، كانت العقلية المصرية في الطب متقدمة جدا في مصر القديمة، حيث أبطل الفراعنة المصريين ادعاءات الغرب في هذا الاتجاه تحديداً، لأنهم أول من صمم هذا الكرسي منذ عام 1550 ق.
م، واستخدمته نساء الفراعنة في الولادة.
وظهر الكرسي واضحًا من خلال نقش بالمتحف المصري، إذ ظهرت جدارية عليها الوالدة تجلس على هذا الكرسي واضعة يديها على فخذيها، وتساعدها على كلا جانبيها الإلهة حتحور.
وقد نُقش هذا الكرسي الفرعوني بمناظر عدة على جدران المعابد، ومن هذه النقوش كلمة «مس» وتعني بالهيروغليفية «تلد»، ورُسمت على شكل سيدة تجلس على كرسي الولادة في حالة استعداد، وقد تدلّى منها الطفل.
وكان الدكتور عماد مهدي، الخبير الأثري وعضو اتحاد الأثريين، كشف عن طقوس الولادة والاحتفال بالمولود خلال عهد الفراعنة في مصر القديمة، مؤكدًا أن المرأة الفرعونية توصلت إلى طرق طبيعية للكشف عن الحمل ومعرفة نوع الجنين من خلال التبول على القمح والشعير، قبل أن تنتقل إلى مرحلة الولادة على «كرسي الولادة».
هو كرسي مستطيل مخروق من المنتصف، ذو أرجل قصيرة جدًا، يوضع بداخله إناء مستدير واسع، تجلس عليه المرأة عند الولادة، لتتلقى منه السيدة التي تقوم بتوليدها الطفل عند نزوله، فتمسك الأم بذراعي الكرسي أثناء الطلق، بينما تجلس «الداية» أمامها لمتابعة خروج رأس الطفل.
ويرجع استخدام هذا الكرسي إلى الأسرة السادسة (حوالي 2500 ق.
م)، حيث دلت على ذلك الرسومات والنقوش الموجودة في معبد الدير البحري بالأقصر، وكذلك معبد الأقصر، بحسب ما ورد في كتاب «الطب والتحنيط في عهد الفراعنة».
وكانت «بيوت الولادة» أو «ماميسي» ملحقة بالمعابد، وكانت النساء الحوامل يزرنها طلباً للمساعدة الإلهية، بدلاً من أن تكون مكاناً للولادة.
كان يتم إرضاع الأطفال الرضع رضاعة طبيعية لمدة ثلاث سنوات، وكان هذا الأمر يُشجع عليه: «لا شيء أشرف من حليب الأم» كما ورد في البرديات القديمة، ثم تم اللجوء إلى محفزات الحليب، كما ورد في بردية إيبرس والتي تحدثت عن بعض الوصفات الطبيعية القديمة في هذا الأمر.
وبحسب البردية، لم يلجأ المصري القديم إلى حليب البقر إلا عندما فشلت الأم في إطعام رضيعها.
وتُظهر بردية إدوين سميث خياطة الجروح غير المصابة بالإبرة والخيط، كان يُوضع اللحم النيء في اليوم الأول، ثم يُستبدل بضمادة من الأعشاب القابضة والعسل والزبدة أو الخبز، من المعروف أن اللحم النيء وسيلة فعالة لوقف النزيف، العسل مادة ماصة للرطوبة (تمتص الماء) ويحفز إفراز خلايا الدم البيضاء، وهي خط الدفاع الأول الطبيعي للجسم.
واستمر استخدام الخبز الحامض أو المتعفن في الطب الأوروبي حتى عصر النهضة، في عام 1928 ميلادي، استخلص ألكسندر فليمنج البنسلين من العفن، وبعد 17 عامًا مُنح جائزة نوبل في الطب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك