لا أعتقد أن هناك حربا صنعت كراهية بين شعوب المنطقة مثل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
ربما تتفوق على حرب غزة التى دمرت فيها القوة الإسرائيلية الغاشمة مقومات حياة وطن، وقتلت أكثر من مائة ألف مدنى فلسطينى، فى مذبحة لم يشهد التاريخ الحديث لها مثيلا.
فى حرب غزة كانت بوصلة الكراهية تتجه الى الكيان الصهيونى المجرم الذى قتل ودمر وحرق الأخضر واليابس وعاث فى الأرض فسادا بدعم متواصل من الولايات المتحدة الأمريكية حيث نالت هى الأخرى ثمن دعمها السياسى والعسكرى للكيان الصهيونى كراهية لن يمحها الزمن حيث تؤمن كل شعوب المنطقة بأنه لولا الدعم الأمريكى ما تمكن الكيان المحتل من حرق وتدمير غزة والضفة وجنوب لبنان كما فعل.
فى الحرب القائمة حاليا فمشاعر الكراهية تتوزع بين أمريكا والكيان الصهيونى ومعهما إيران بسبب هجماتها المتكررة على دول الجوار بصرف النظر عن مبررات حكامها.
وبذلك تتعدد مشاعر الكراهية وتتعمق بين شعوب المنطقة وأعتقد أن الشعب اليهودى بعد وصول صواريخ إيران المدمرة الى العمق الإسرائيلى أصبح الآن أكثر خوفا من المستقبل.
والسبب فى كل مشاعر الكراهية والخوف الذى يسيطر على شعوب المنطقة كلها هو غياب الحكمة السياسية والضمير الإنسانى عن الطرف الذى أشعل الحرب وجلب للعالم كله خسائر فادحة أمنيا واقتصاديا حيث أهدرت أموال ودمرت منشآت وطاقات إنتاجية كانت دول المنطقة فى أمس الحاجة إليها لتوفير مقومات الحياة الكريمة لشعوبها.
فضلا عن الأرواح البريئة التى أزهقت فى إيران ولبنان وعدد من دول الخليج.
مع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أسبوعها الرابع، لم يعد المشهد مجرد صراع عسكري تقليدي، بل بات نموذجا صارخا لفشل السياسة حين تستبدل الحكمة بالقوة، وتختزل العلاقات الدولية في منطق الغلبة لا منطق العقل.
ما يحدث اليوم ليس مجرد حرب جديدة في منطقة مضطربة، بل حلقة إضافية في سلسلة طويلة من القرارات التي تتخذ تحت لافتة الأمن، بينما تدفع الشعوب ثمنها من دمائها ومستقبلها واستقرارها.
وفى النهاية لا يتحقق الأمن فالحروب الظالمة دائما تؤسس لصراعات وحروب مستقبلية حيث تظل مشاعر الكراهية كامنة فى النفوس حتى تأتى الفرصة للانتقام.
فى الحرب القائمة حاليا لن يكون هناك منتصرا فرغم أعداد القتلى الضخم فى إيران وما لحق بها من دمار وخراب فى كل منشآتها العسكرية والمدنية والعلمية لا يمكن الجزم بأن الطرف الآخر قد انتصر عليها.
ولذلك فإن ما يتردد على ألسنة القادة السياسيين والعسكريين الأمريكان والصهاينة عن الانتصار فى الحرب وتحقيق أهدافها هى مجرد شعارات كاذبة.
وسوف يسجل التاريخ أن هذه الحرب لن يخرج منها طرف رابحا رغم كل القتل والدمار والخراب الذى أسفرت عنه.
فالدول المتحاربة تستنزف مواردها، وتغامر بسمعتها الدولية، وتفتح أبوابا يصعب إغلاقها لاحقا، بينما تدفع الشعوب—كما هو معتاد—الفاتورة كاملة.
فالمدن التي تقصف اليوم ستحتاج سنوات لإعادة إعمارها، والاقتصادات التي تهتز قد لا تستعيد توازنها بسهولة، والأخطر أن الثقة بين الدول تتآكل بطريقة تجعل أي تسوية مستقبلية أكثر تعقيدا.
اذا كانت شعوب العالم البعيدة جغرافيا عن نطاق الحرب تتحدث يوميا عن خسائرها الاقتصادية ومعاناة شعوبها من ارتفاع أسعار الطاقة وما ينتج عن ذلك من تضخم يضرب كل احتياجات الانسان.
فإن التداعيات السياسية والأمنية والاقتصادية على شعوب المنطقة أكبر وأخطر ومن الصعب تجاوزها فى حقبة زمنية قصيرة وسوف يدرك الجميع أن الاقدام على هذه الحرب كان خطئا استراتيجيا ساذجا حيث غابت عن متخذى قرار الحرب التداعيات الخطيرة التى تنتج عنها اقليميا وعالميا فمن السذاجة الاعتقاد أن هذه الحرب شأن إقليمي محدود.
فالعالم مترابط على الاقل اقتصاديا بشكل يجعل أي اضطراب في منطقة حساسة كمنطقة الشرق الأوسط كفيلا بإحداث موجات صادمة تمتد إلى كل الأسواق.
وهو ما حدث بالفعل.
فارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب الملاحة، وتراجع الاستثمارات، وتذبذب العملات وانهيار أسعار المعادن النفيسة… كلها نتائج بدأت تظهر بالفعل، لكنها قد تتفاقم بشكل أكثر حدة إذا استمرت الحرب أو اتسعت رقعتها.
وفي دولنا العربية، حيث تعاني اقتصادات عدة من هشاشة هيكلية، فإن هذه التداعيات تتحول بسرعة إلى أزمات معيشية حقيقية يشعر بها المواطن في أبسط تفاصيل حياته اليومية.
والخلاصة.
إذا كان الدمار المادي يمكن إصلاحه بمرور الوقت، فإن الدمار النفسي والاجتماعي أكثر تعقيدا وخطورة.
فالحروب لا تقتل البشر فقط، ولا تدمر مقومات حياتهم فقط بل تزرع في داخلهم مشاعر الخوف والرغبة فى الانتقام، وتعيد تشكيل الوعي الجمعي على أسس من العداء.
ولذلك فإن أخطر ما في هذه الحرب ليس ما حدث بالفعل، بل ما يمكن أن يحدث فى المستقبل من تنامى مشاعر العداء.
كل يوم إضافي في عمر هذا الصراع يزيد احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع، سواء عبر تدخلات مباشرة أو عبر اشتعال جبهات جديدة.
وفي منطقة مليئة بالتوترات والتحالفات المعقدة، فإن أي خطأ في الحسابات قد يشعل سلسلة من الأحداث يصعب السيطرة عليها.
في خضم هذا التصعيد، يبدو صوت العقل خافتا، والدبلوماسية متراجعة، وكأن العالم يسير بإرادة واعية نحو مزيد من التصعيد.
لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن استمرار هذه الحرب لن يحقق استقرارا، بل سيؤسس لموجات جديدة من الصراعات.
الحل لا يكمن في مزيد من القصف، بل في مراجعة شاملة لمنطق إدارة الأزمة، والعودة إلى طاولة الحوار قبل أن يصبح ثمن التراجع أعلى بكثير من ثمن الاستمرار.
ما نشهده اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل جرس إنذار جديد يؤكد أن العالم لم يتعلم بعد من دروس الماضي.
فالتمادي في هذه الحرب لا يعني فقط مزيدا من الدمار، بل يعني إعادة إنتاج بيئة خصبة للصراعات والكراهية وعدم الاستقرار.
وفي النهاية، قد تختلف الأطراف حول من بدأ الحرب، لكن الجميع سيدفع ثمن استمرارها.
والسؤال الذي يجب أن يطرح الآن، قبل فوات الأوان:هل لا يزال هناك متسع للحكمة؟هل تتحرك دول العالم الفاعلة على المستوى الدولى لوقف هذه الحرب المدمرة.
ام ستظل تكتفى بالفرجة؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك