كثيرًا ما يطمئن الإنسان ما دام أمامه حل أرضي، أو باب بشري، أو سند يظن أنه قادر أن ينقذه.
ولكن حينما تُغلق الأبواب واحدًا بعد الآخر، ويقف عاجزًا أمام ما لا يستطيع تغييره، يبدأ يشعر أن الأرض كلها قد ضاقت به.
ومع ذلك، ففي هذه اللحظة بالذات، قد يكتشف أن باب السماء لم يُغلق، وأن معونة الله تبدأ واضحة حينما تعجز الوسائل الأخرى.
فالكتاب يقول: «اَللهُ لَنَا مَلْجَأٌ وَقُوَّةٌ.
عَوْنًا فِي الضِّيْقَاتِ وُجِدَ شَدِيدًا» (مز 46: 1).
فالضيقة ليست دائمًا علامة على أن الله ابتعد، بل قد تكون وسيلة ليرفع الإنسان عينيه إلى فوق.
لأن القلب ما دام متعلقًا بحلول الأرض، قد لا يلتفت كثيرًا إلى السماء.
أما حينما تسقط الحسابات البشرية، ويعجز الإنسان عن الاتكال على ما كان يسنده، يبدأ يدرك أن عونه الحقيقي لم يكن يومًا من الناس، بل من الرب.
ولذلك صرخ المرتل قائلًا: «أَرْفَعُ عَيْنَيَّ إِلَى الْجِبَالِ، مِنْ حَيْثُ يَأْتِي عَوْنِي.
مَعُونَتِي مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ» (مز 121: 1-2).
والإنسان أحيانًا يظن أن انتهاء الحلول يعني انتهاء الرجاء.
لكنه ينسى أن ما يُستغلق عند الناس لا يُستغلق عند الله.
فالرب ليس محدودًا بإمكانيات البشر، ولا مرتبطًا بالأسباب التي يراها الإنسان ضرورية للخلاص.
ولهذا قال السيد المسيح: «غَيْرُ الْمُسْتَطَاعِ عِنْدَ النَّاسِ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ» (لو 18: 27).
من هنا، قد تتحول لحظة العجز إلى بداية صلاة حقيقية.
ففي أيام القوة، ربما يتكلم الإنسان مع الله من بعيد.
أما في وقت الانسداد، فإنه يصرخ من العمق.
وحينئذ لا تكون السماء مجرد فكرة مريحة، بل تصير خبرة معاشة، يختبر فيها الإنسان حضور الله، وسنده، وتعزيته، ويفهم أن الصلاة ليست آخر الحلول، بل هي الباب الذي كان ينبغي أن يلجأ إليه من البداية.
وليس المقصود بهذا أن الإنسان يهمل مسئوليته، أو لا يستخدم ما أمامه من وسائل.
إنما المقصود ألا يربط قلبه بها ربطًا كاملًا.
لأن الوسائل قد تنتهي، أما الله فلا ينتهي.
والأبواب الأرضية قد تُغلق، أما باب رحمته فيبقى مفتوحًا.
لذلك فإن المؤمن الحقيقي لا يسقط حين تسقط من يده الحلول البشرية، لأنه يعرف أن فوق الأرض سماء، وفوق ضعفه إلهًا قادرًا، وفوق كل ضيقة يدًا تستطيع أن تنتشله منها.
لذلك، إن وجدت نفسك قد وصلت إلى نهاية كل حل أرضي، فلا تظن أن الحكاية قد انتهت.
ربما تكون قد وصلت فقط إلى النقطة التي يبدأ عندها اتكال أعمق على الله.
وحينئذ تكتشف أن انسداد الأرض ليس دائمًا خسارة، بل قد يكون دعوة لرفع العين إلى السماء.
وهناك، في حضرة الله، يفهم القلب أن الأبواب التي أُغلقت هنا، لم تمنع أبدًا أن باب السماء يظل مفتوحًا أمام كل من يقرعه بإيمان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك