عمان - تقول الأم: " لا"، فتبدأ التعليقات مثل: " خليه يأكل"، " ما تكوني صارمة"، " إحنا ربينا أطفال قبلك"، " قطعة صغيرة ما رح تضر".
في كثير من المواقف اليومية، تتحول كلمة الأم إلى نقطة نقاش، وكأنها تحتاج إلى تبرير قرارها أمام الآخرين.
ويحدث ذلك عندما ترفض إطعام طفلها نوعا معينا من الطعام، أو تمنعه من لعبة لا تراها مناسبة، أو ترفض ذهابه مع أحد، أو تضع حدودا لسلوك لا ترغب بتعزيزه.
اضافة اعلانفي هذه اللحظات، لا تكون المسألة مجرد اختلاف بوجهات النظر، إنما تتعلق بحق الأم في اتخاذ القرار التربوي المناسب لطفلها.
فالأم هي الأقرب لتفاصيل طفلها الصحية والنفسية، وهي التي تعرف حساسيته، ومخاوفه، وعاداته، واحتياجاته، كما أن البرامج التوعوية التي يقدمها مختصون في صحة الطفل وسلوكه جعلت الأم أكثر وعيا من ذي قبل.
لكن في كثير من الأحيان يتدخل بعض الأقارب أو المحيطون ويتعاملون مع الأمر وكأنه مبالغة أو تشدد غير مبرر، فيحاولون الضغط أو الإقناع، أو حتى تجاوز قرارها.
ويشير مختصون إلى أن تجاهل" لا" الأم أمام الطفل قد يخلق ارتباكا واضحا لديه؛ فالطفل حين يسمع والدته ترفض أمرا ما، ثم يجد شخصا آخر يقدمه له رغم ذلك، يتلقى رسالة مزدوجة بأن الحدود ليست ثابتة، ويمكن تجاوزها بالضغط أو الإلحاح.
ومع تكرار هذه المواقف، يتعلم الطفل أن" لا" ليست نهائية، وأن بإمكانه البحث عن شخص آخر يمنحه ما يريد.
وتبين مروة وهي أم لطفلين، أن ضغوط الأمومة التي تتعرض لها الأم تجعلها أحيانا تفقد ثقتها بنفسها.
وتوضح أنها تلتزم بتعليمات الأطباء والمختصين بعدم تقديم الماء للرضيع قبل عمر خمسة أشهر لعدم اكتمال عمل الكلى لديه.
لكن ما إن ذكرت هذه المعلومة أمام والدتها ووالدة زوجها، حتى انهالت عليها عبارات السخرية والتهكم، مؤكدات أنهن سيقدمن له الماء، وأن هذا الجيل شديد المبالغة في الحرص، وأنهن ربين أطفالا من قبل دون الالتزام بقوائم" الممنوعات".
وتذكر أن كثيرا من الأمهات مع مرور الوقت، يبدأن بالتنازل عن بعض الحدود رغم قناعتهن، فقط لتجنب الجدل أو الإحراج.
وتوضح المرشدة النفسية والتربوية رائدة الكيلاني أن احترام قرار الأم جزء أساسي من بيئة تربوية مستقرة، فالطفل يحتاج إلى حدود واضحة وثابتة، وعندما يرى أن قرارات والديه تحترم من قبل المحيطين، يشعر بالأمان ويصبح أكثر تقبلا لهذه الحدود.
أما عندما تُكسَر هذه الحدود أمامه، فقد يتعلم اختبار القواعد ومحاولة تجاوزها.
وتضيف أن كلمة" لا" ليست حرمانا، بل أداة تربوية؛ فالأم قد ترفض نوعا معينا من الطعام بسبب حساسية صحية، أو لأنها تحاول تنظيم عادات الأكل، أو لأنها لا تريد تعويد طفلها على السكريات المفرطة.
وقد ترفض لعبة معينة لأنها لا تناسب عمره، أو لأنها تحمل سلوكا عدوانيا، كما قد تمنع ذهابه إلى مكان ما لأنها لا تشعر بالاطمئنان، أو لأن الطفل غير جاهز لذلك بعد.
لكل أم اسلوبها التربوي الخاصفي المقابل، لا يدرك بعضهم أن تجاوز قرار الأم قد يضعها في موقف صعب أمام طفلها، بحسب الكيلاني؛ فعندما يقول شخص للطفل: " تعال، لا تخبر أمك"، أو" خذها ولن تعرف"، يتحول الأمر من مجرد اختلاف في الرأي إلى تقويض مباشر للسلطة التربوية.
وهذا النوع من المواقف يربك الطفل ويضعف ثقته بالحدود التي يتلقاها في المنزل.
اجتماعيا، يرى اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين خزاعي أن هذا السلوك يرتبط بثقافة تعتبر أن التربية مسؤولية جماعية مفتوحة، وأن من لديه خبرة أكبر يحق له التدخل.
لكن الواقع أن لكل طفل ظروفه المختلفة، ولكل أم أسلوبها الذي يناسب عائلتها، فما نجح مع طفل قبل سنوات قد لا يناسب طفلا آخر اليوم.
ويشدد على أن احترام" لا" الأم لا يعني رفض النصيحة، بل تقديمها بطريقة هادئة من دون ضغط أو إحراج.
ويمكن القول: " ما رأيك لو…؟ " بدل فرض الرأي، وترك القرار النهائي لها، لأنها الأدرى بطفلها.
رعاية صحية وتربوية على أسس علميةويؤكد اختصاصي طب الأسرة الدكتور مخلص مزاهرة أن الرعاية الصحية والتربوية مكملان لبعضهما؛ فعندما يتم توعية الأم، سواء كانت حديثة الأمومة أو غيرها، بما يناسب طفلها من طعام وشراب ومتى يُنصح بتناوله، فإن ذلك لا يأتي من باب المظاهر أو مخالفة الآخرين، بل هو مبني على أسس علمية تخدم مصلحة الطفل.
ومن حق الأم أن تختار لأبنائها ما تراه مناسبا لصحتهم.
ويرى أن ما كان يفعله الأهل في السابق مع أطفالهم، ولم تظهر له نتائج سلبية واضحة، لا يعني بالضرورة أنه الخيار الصحيح أو أنه يصلح للتعميم في هذا الزمن.
ويبين أخيرا أن الأم، حين تقول" لا"، فهي لا تحاول حرمان طفلها، بل تسعى إلى حمايته أو تنظيم سلوكه أو بناء عادات معينة لديه.
واحترام هذه الكلمة لا يدعم الأم فقط، بل يساعد الطفل أيضا على فهم معنى الحدود وتقبلها والشعور بالأمان داخل بيئة واضحة ومستقرة وبصحة جيدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك