قناه الحدث - الاتحاد الأوروبي يخصص 100 مليون يورو إضافية للجيش اللبناني العربي الجديد - نابولي يطوي صفحة كونتي ويفتح باب التغيير Independent عربية - هل تبدع روسيا حلا لمشكلة يورانيوم إيران العالي التخصيب؟ إيلاف - من أزمات الداخل إلى إشعال الخارج العربية نت - كالاس: تقوية الدولة اللبنانية أفضل وسيلة للحد من تهديد حزب الله فرانس 24 - بين التفاؤل الأمريكي وتحفظ طهران: اتفاق محتمل يلوح في الأفق الجزيرة نت - تبدو آمنة ومريحة.. لكن ماذا تفعل الوسادة الحرارية بجلدك مع الوقت؟ وكالة الأناضول - لانس الفرنسي يفعل بند شراء عقد السعودي سعود عبد الحميد القدس العربي - ماكرون يعلن تأييد فرنسا اتفاق وقف إطلاق النار بين اسرائيل ولبنان الجزيرة نت - شاهد.. مسيرات حزب الله تستهدف تجهيزات فنية للاحتلال جنوب لبنان
عامة

فاتورة العلاج النفسي عقبة على طريق الشفاء.. ومتحدث «الصحة»: الدولة تعمل جاهدة لتعزيز الخدمة

الوطن
الوطن منذ شهرين

إتاحة الخدمة الطبية بين مساعي التطوير والصعوبات الفعليةأمام مستشفى العباسية، جلس «هانى» على الرصيف بملابس رقيقة الحال، تبدو عليه علامات الشرود، يصمت أحياناً ثم فجأة يكسر هذا الصمت ويتحدث بصوت عالٍ ج...

ملخص مرصد
تواجه عائلات المرضى النفسيين في مصر صعوبات كبيرة بسبب ارتفاع تكاليف العلاج النفسي في القطاعين الخاص والحكومي. وزارة الصحة أقرت لائحة جديدة رفعت أسعار الخدمات العلاجية بنسب تصل إلى 330%، مما أثار انتقادات واسعة.
  • ارتفاع تكاليف العلاج النفسي يعيق المرضى عن الحصول على العلاج.
  • وزارة الصحة أقرت لائحة جديدة رفعت أسعار الخدمات العلاجية بنسب تصل إلى 330%.
  • المرضى ينتظرون حلولاً عملية لتسهيل الحصول على الخدمة الطبية.
أين: مصر

إتاحة الخدمة الطبية بين مساعي التطوير والصعوبات الفعليةأمام مستشفى العباسية، جلس «هانى» على الرصيف بملابس رقيقة الحال، تبدو عليه علامات الشرود، يصمت أحياناً ثم فجأة يكسر هذا الصمت ويتحدث بصوت عالٍ جهوريٍّ، كأنه يخطب في الجماهير عن أهمية دوره في الدولة: «أنا وزير كبير لازم الكل يسمع كلامي.

لا أنا ظابط كبير بقول لكم»، محافظاً على رباطة جأشه، بلا أي اهتمام بنظرات من حوله.

حاول «أمير»، 42 عاماً، وهو الشقيق الأصغر لـ«هانى»، تهدئته رويداً رويداً كأنه طفل صغير، رغم أن «هانى» هو الشقيق الأكبر حيث يبلغ 53 عاماً، فقد كان مصاباً بمرض «الانفصام»، وجاءت به عائلته إلى المستشفى للكشف عليه وحجزه.

ورغم أن عائلة «هانى» تجلس أمام باب العيادة من السابعة صباحاً، قبل حتى موعد فتحها بساعة، إلا أنهم لم يدخلوا للكشف عليه إلا بعد الجلوس 3 ساعات متواصلة، بعد قطع التذكرة والحصول على الملف الخاص به.

ولكن حال «أمير»، شقيق «هانى»، تغير من الهدوء إلى الانفعال الشديد بعد الخروج من الكشف على شقيقه، فقد أخبروه بعدم إمكانية حجزه في المستشفى إلا بعد دفع 4500 جنيه مقابل حجزه لمدة شهر، بعد أن كانوا يدفعون فقط 1500 جنيه، وبدأ يضرب كفاً بكف وهو يحدث نفسه: «أجيب منين؟ ده مرتب شهر ونص والله».

حالة «هانى» لم تكن سوى قطرة في بحر آلاف المرضى ومعاناتهم من ارتفاع تكاليف العلاج النفسيِّ في مصر.

فمؤخراً صارت أسعار جلسات العلاج النفسيِّ الخاصة «باهظة الثمن» بالنسبة لهؤلاء المرضى، حيث يتراوح سعر الجلسة الواحدة من 600 إلى نحو 3000 جنيه، حسبما أكد لـ«الوطن» عدد من الأطباء والمرضى.

وبعد أن كانت المستشفيات والعيادات النفسية الحكومية هي الملاذ الآمن أمام المرضى من نار أسعار القطاع الخاص، خصوصاً مع إطلاق وزارة الصحة مبادرة «صحتك سعادة» في نوفمبر 2024، بهدف تحسين وتطوير خدمات العلاج النفسيِّ، وجد هؤلاء المواطنون أنفسهم أمام صعوبات أخرى بعد اللائحة المالية الجديدة التي أقرتها وزارة الصحة رقم 220 لسنة 2025، والمعروفة باسم اللائحة المالية والإدارية الموحدة الجديدة لصندوق تحسين الخدمة بمستشفيات الصحة النفسية ومراكز علاج الإدمان التابعة للأمانة العامة للصحة النفسية، ورفعت بموجبها أسعار الخدمات العلاجية في مستشفيات الصحة النفسية بنسب تصل إلى 330%.

وتحاول «الوطن»، في السطور القادمة، البحث عن الحقيقة، والإجابة عن تساؤل: هل العلاج النفسيُّ، سواء كان في القطاع الخاص أو الحكوميِّ، في مقدور المواطن العاديِّ فعلاً، وأسعاره مناسبة لميزانيته؟«أمير» فشل في إدخال أخيه مستشفى العباسية بسبب اللائحة الجديدةشعور «أمير»، بالقهر بعد ارتفاع أسعار الإقامة في مستشفى العباسية، لم يترك أمامه إلا أن يحمل أخاه المصاب بـ«الانفصام» إلى المنزل، مع ما يرتبط بذلك من تحمل نوبات فصامه القاتلة للأعصاب، حائراً لا يدرى الإجابة عن تساؤل: ماذا بعد؟ فعلاج أخيه الحقيقيُّ بدأ منذ ما يزيد على 30 عاماً في مستشفى العباسية، وبالتحديد عام 1994، بعد رحلة طويلة من «اللف» على الشيوخ والدجالين، واستغلال مراكز العلاج الخاصة، وهو ما عبّر عنه قائلاً: «فضلنا نعانى من هلاوس أخويا، وطبعاً الوقت ده ماكانش فيه وعي، ففضلنا نلف بيه سنين على الدجالين اللي فضوا جيوبنا، وروحنا لمركز علاج خاص للأسف كان أسوأ، لأنه استخدم علاج الكهرباء على المخ اللي زود حال أخويا سوءاً، وفي الآخر ربنا كان معانا لما حد دل أمي على مستشفى العباسية اللي ساهمت في تحسن أخويا».

منسق حملة «مصيرنا واحد»: الصحة النفسية للمواطن أمن قومييصمت «أمير»، وقد بدا أنه على وشك البكاء بسبب حالة أخيه وعدم قدرته على توفير المال اللازم لحجزه في المستشفى، ثم يقول: «ليه يحصل فينا كده؟ دا إحنا بنعتبر المستشفيات الحكومية ملجأ لينا بعد ربنا، ليه ترفع أسعارها كده؟ أنا حلاق ومرتبي جنب معاش أمي يدوب يكفي مصاريفنا وأكل وشرب وعلاج ليها ولـ«هانى»، نعمل إيه؟ نرميه في الشارع مثلاً؟ ده لحمنا، عمرنا ما هنعمل كده، مالوش غيرنا».

صمت «أمير» مُجدداً، ولكنه هذه المرة كان يستعد للمغادرة حيث أعطى ظهره لبوابة مستشفى العباسية، وبدأ يسير ويده مُمسكة بيد أمه المسنة التي تجاوزت الـ70 عاماً، بينما يمسك باليد الأخرى يد أخيه «هانى»، وقد ارتسمت على وجهه علامات القلق مما يخبئه له المستقبل.

حديث «أمير» يتماشى مع نتائج الدراسة الأكاديمية المنشورة عام 2024 في واحدة من أهم المجلات الأكاديمية في مجال الصحة النفسية وهي International Review of Psychiatry، بعنوان «خدمات الصحة النفسية في مصر والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

التحديات المعاصرة»، وكشفت عن وجود فجوة كبيرة بين الحاجة للحصول على العلاج النفسيِّ وبين الخدمات المتاحة، حيث إن عدد المرضى الذين يحتاجون خدمات نفسية يفوق بشكل كبير ما يمكن للنظام الصحيِّ الحاليِّ تقديمه في معظم دول المنطقة، بما فيها مصر.

وأن الخدمة النفسية للأطفال والمراهقين في مصر تُقدَّم فقط إلى حوالي 5٪ من الذين يحتاجونها من هذه الفئة، بحسب الدراسة.

أسعار باهظة وعلاج بالقرآنالآثار السلبية المُدمرة للمرض النفسيِّ امتدت أيضاً إلى «ريهام محمود»، 35 عاماً، التي تسكن في حيِّ الهرم، وكانت تعمل موظفة في مستشفى خاص، والتي كانت حياتها تسير على ما يرام، حتى أنجبت طفلتها الأولى، فتركت العمل تماماً وتفرّغت لرعاية ابنتها عامين كاملين حتى بلوغ سن الحضانة، في شقة معزولة بعيدة عن أسرتها وأسرة زوجها، حتى زوجها فإنه يعود إلى المنزل في ساعات الصباح الأولى بسبب طبيعة عمله.

كل ذلك أدى إلى إصابتها بـ«اكتئاب ما بعد الولادة»، والذي تطور إلى الإصابة بـ«الاكتئاب واضطراب القلق»، وبسبب ارتفاع أسعار العلاج قرّرت أن تعالج نفسها بالقراءة وحفظ القرآن، حسب قولها.

«ريهام» أُصيبت بـ«الاكتئاب واضطراب القلق» بعد الولادة ولجأت لـ«القرآن» لارتفاع أسعار الجلسات الخاصة«ماكنتش باكل أو باشرب، ممكن وجبة في اليوم، باهرب من حياتي بالنوم، بيجيليّ تهيؤات إني باسمع أصوات، كنت باصرخ في بنتي الرضيعة كأنها إنسانة عاقلة سامعانى وشايفاني وأقول لها اسكتي بقى، وساعات أضربها جامد وهي عندها سنة، لدرجة إن في مرة الجيران طلعوا يخبّطوا عليّا علشان أفتح من كتر الصريخ»، هكذا استطردت «ريهام» متحدثة عن أعراض إصابتها بالاكتئاب.

وفي أحد الأيام تم استدعاء «ريهام» لحضانة ابنتها بعدما تمّت الـ3 سنوات ونصف، حيث أخبرتها الإخصائية النفسية بالحضانة أن ابنتها لديها مشكلة في التعامل مع زملائها، فهي لا تتكلم مطلقاً، وهذه المشكلة قد تُؤثر على دراستها وحتى مستقبلها في التواصل الاجتماعيِّ: «ماكنتش عارفة إنه فيه مشكلة أساساً، والكل بيقول لي إني كويسة مش باكل وأشرب ومتجوزة، لغاية ما إخصائية بنتي في الحضانة قالت لي إن المشكلة أساساً مش عند بنتي، ومش هيتم حلها إلا إذا تلقيت علاج يساعدني، لأن عندي مشكلة نفسية، وغالباً اكتئاب».

تصمت «ريهام»، وهو اسم مستعار، ثم تعاود الحديث وهي تنظر في الأرض، تفرك يديها كأنها تعبر عن مشاعر مختلطة من الخوف والخزي: «كان صعبان عليا بنتي وحالها اللي كان ماشي من سيئ لأسوأ، وفي نفس الوقت مش عارفة أعمل إيه أو أروح لمين، خايفة أقول لأهلي أو جوزي، لأنهم مش مؤمنين بفكرة المرض النفسيِّ، وعمرهم ما هيوافقوا إني آخد علاج، ده غير إني أصلاً مش معايا فلوس أكشف بيها، وأي فلوس بتِجي لي كنت باساهم بجزء منها في البيت».

بعد عام كامل من البحث وعشرات الاتصالات بعيادات الأطباء في محاولة للوصول إلى سعر كشف مناسب، استطاعت «ريهام» التوصل إلى مجموعة من الإخصائيين النفسيين الذين يوفرون العلاج بأسعار رمزية لا تتعدى 100 جنيه بمنطقة مصر الجديدة، خصوصاً بعد أن وجدت عملاً بسيطاً من المنزل: «لما لاقيت إنه مفيش تحسّن بالطرق العادية، لجأت لجلسات مشورة مع إخصائية نفسية، وشخصتني بإنّي عندي كرب ما بعد الصدمة، بسبب صدمة طفولة، وأن ولادة بنتي استدعت كل الصدمات اللي مريت بيها في طفولتي، وكانت السبب في إصابتي باكتئاب».

للأسف لم تستطع «ريهام» أن تستكمل جلسات العلاج النفسيِّ تلك، بسبب بُعد المكان والخوف أن يكتشف زوجها الأمر، وحاولت الوصول إلى عيادات نفسية قريبة من بيتها، ولكن الأسعار كانت على حد وصفها «مرعبة»، وحتى عندما حاولت الذهاب لمستشفى العباسية لم تستطع أيضاً بسبب بُعد المكان، وعدم وجود مكان تترك فيه ابنتها: «كان أقل كشف عند طبيب نفسيٍّ يبدأ من 600 جنيه وأحياناً 700 جنيه أونلاين، أما العيادات القريبة من بيتي فكان الكشف فيها يبدأ من 1000 وبيوصل إلى 2000 جنيه، وده مجرد كشف، ولسه فيه جلسات، ودي أسعار في متناول المواطن الغنيِّ، ودلوقتي أنا وقفت علاج تماماً ومعتمدة على حفظ القرآن، باقاوم بيه نوبات الاكتئاب اللي بتصيبني وخلاص.

هاعمل إيه يعني؟ ! ».

فى محاولة لمزيد من التعرّف على آراء مواطنين آخرين حول أسعار العلاج النفسى ومدى قدرتهم المادية على اللجوء إليه، أجرت «الوطن» استطلاع رأي شارك فيه 100 مواطن، على مدار عام 2025، من فئات تتراوح أعمارها من 18 إلى 45 عاماً، شملت ذكوراً وإناثاً من طبقات اجتماعية ومستويات تعليمية مختلفة، نصفهم تقريباً متزوجون، حرصاً على محاولة تمثيل كل فئات المجتمع.

وتناول الاستطلاع الإجابة عن سؤال: هل فكرت فى الذهاب إلى طبيب نفسى؟ وجاءت النتيجة 76.

8% «نعم»، بينما وصلت نسبة من استبعدوا التفكير فى الذهاب لطبيب نفسى إلى 20%، وأشار نحو 3.

2% إلى أنهم ربما يفكرون فى الذهاب لطبيب نفسى.

استطلاع رأي عينة عشوائية: 60% منعتهم أسعار الكشف لدى الأطباء من الحصول على العلاجوحول ما إذا كان ارتفاع أسعار الكشف عند الطبيب النفسيِّ مثّل عائقاً بالنسبة لأفراد العينة، اتضح أن 64.

2% مثلت أسعار الكشف عقبة أمام حصولهم على الخدمة الطبية، بينما 21.

1% لم تمثل أسعار الكشف مشكلة بالنسبة لهم، فيما واجه 14.

7% بعض المشكلات التي تم حلها.

وكانت الإجابة عن سؤال: هل تسبّب ارتفاع أسعار الكشف عند الطبيب النفسيِّ في منعك من الذهاب للكشف بشكل نهائيٍّ؟ بـ«لا»، بنسبة 39.

8%، بينما بلغت نسبة من رأوا أن الأسعار منعتهم من الحصول على أو مواصلة العلاج والكشف 60.

2%.

وأظهرت إجابات المشاركين تنوعاً ملحوظاً في كيفية التعامل مع العجز عن تحمّل تكلفة العلاج النفسيِّ، فقد أشار أكثر من خمس المشاركين (22.

5%) إلى أنهم لم يتمكنوا من اتخاذ أي إجراء، إما بسبب تجاهل الأزمة أو شعورهم بالعجز عن إيجاد حل مناسب مالياً.

بينما حاول نحو 18.

8% معالجة أنفسهم بطرق ذاتية من خلال ممارسة الهوايات أو التأمل أو الكتابة أو محاولات فهم الذات وتطويرها.

في حين لجأ 17.

5% إلى مصادر بديلة كمتابعة جلسات عبر الإنترنت، أو الاستعانة بـ«مدربين حياة» (لايف كوتش)، أو قراءة محتوى توعويٍّ حول الاضطرابات النفسية.

واعتمد 15% على الدعم الاجتماعيِّ من المقرّبين أو مدرّسين في علم النفس لتجاوز أزماتهم، وسعى 10% للوصول إلى أطباء بأسعار رمزية أو مبادرات تقدم خدمات مجانية.

كما استخدم 5% حلولاً مالية مؤقتة، مثل الادخار أو تقليل عدد الجلسات حتى تتحسّن أوضاعهم، فيما كشف 5% عن تدهور حالتهم النفسية أو ظهور أفكار انتحارية نتيجة العجز عن تلقّي العلاج.

وأظهرت نتائج تحليل إجابات المشاركين حول ما إذا كانوا واجهوا شخصياً أو يعرفون شخصاً واجه ضرراً من عدم وجود قدرة مالية على الذهاب لطبيب نفسيٍّ، وأشار نحو 83.

3% من المشاركين إلى أنهم شخصياً أو بعض الأشخاص يعرفونهم واجهوا صعوبة أو تضرّروا بسبب عدم القدرة على تحمل تكلفة العلاج النفسيِّ، وهو ما يعكس مدى انتشار المشكلة.

في المقابل، قال 10% إنهم لم يواجهوا مثل هذا الموقف أو لا يعرفون أحداً مرّ به، بينما عبّر 6.

7% عن تجارب غير مؤكدة أو جزئية، مثل «أحياناً أو نوعاً ما».

وأظهرت نتائج الإجابات عن سؤال «كيف كان شكل الضرر؟ » أن نحو 45% من إجمالي المشاركين الذين واجهوا صعوبة في الحصول على علاج نفسيٍّ، تأثرت حياتهم الشخصية سلباً، فيما أوضح نحو 18% أن مرضهم النفسيَّ زاد نتيجة عدم تلقّي العلاج.

وأشار قرابة 13% إلى أنهم فكروا في التخلص من حياتهم بالانتحار، أو عرفوا أشخاصاً مروا بتلك الفكرة.

كما ذكر 11.

5% أن الضرر شمل كل الأشكال السابقة مجتمعة، بينما قال نحو 13% إنهم لم يلاحظوا تأثيراً مباشراً.

وفي ما يتعلق بأسعار الكشوفات والجلسات، اعتبر 71% منهم أن الأسعار المناسبة بالنسبة لهم تتراوح بين 150 و500 جنيه، فيما أفاد 29% بأن الأسعار المناسبة لهم تتراوح من 50 إلى 100 جنيه، في الوقت الذي أفاد فيه عدد من الأطباء والمرضى بأن سعر جلسة العلاج النفسيِّ يتراوح من 600 إلى نحو 3000 جنيه.

أوضحت طبيبة تعمل فى مستشفى العباسية، رفضت الإفصاح عن اسمها خوفاً من المساءلة، أن أسعار الكشف فى مستشفى العباسية حتى الآن بسيطة ورمزية حتى بعد الزيادة، فبعد أن كان سعر الكشف 5 جنيهات زاد إلى 20 جنيهاً، مؤكدة أن المشكلة الحقيقية ليست فى سعر الكشف، وإنما فى زيادة أسعار الحجز داخل المستشفى التى زادت بشكل ضخم ومؤلم، حسب تعبيرها، من 1500 إلى 4500 جنيه وأحياناً 5 آلاف فى الشهر.

«الصحة النفسية» وفقاً لمنظمة الصحة العالمية تعني الحياة التي تتضمن الرفاهية والاستقلالوروت الطبيبة بعض الحقائق التي قد تبدو مجهولة لدى البعض عن تاريخ مستشفى العباسية باعتباره الصرح الأهم فى علاج المرضى النفسيين، مشيرة إلى أنه تأسس عام 1883 كأول مستشفى نفسى فى مصر، وأضافت: «منذ 20 عاماً، كان يوجد به الكثير من الأماكن المتاحة للمرضى مجاناً، دون دفع أى مقابل مادى، ولكن آخر 5 سنوات ظهرت استراتيجية مختلفة، وهى أن يكون هناك أسرة أو أماكن مجانية، وأسرة اقتصادية تتطلب من المريض دفع مقابل مادى للحصول عليها دون الانتظار، وكان المقابل المادى 1500 جنيه، وهو رقم قد يكون كبيراً بالنسبة لعدد من المرضى محدودى الدخل، ولكن بالنظر لحجم الخدمات المُقدمة فى المستشفى، فهو رقم مقبول إن لم يكن أقل بالنظر لحجم المنافع التى تعود على المريض، التى لا تقتصر على توفير العلاج، وتشمل طعام وشراب نظيف ومكان للنوم، وإشراف طبى، وتمريض، وبالتالى فمبلغ 1500 جنيه فى الشهر كان أقل من التكلفة الحقيقية للتشغيل».

طبيبة بـ«العباسية»: المشكلة الحقيقية ليست سعر الكشف وإنما أسعار الحجز بالمستشفىبالرغم مما ذكرته الطبيبة عن التكلفة الاقتصادية العالية التي تتحملها وزارة الصحة، ممثلة في مستشفى العباسية، وغيره من المستشفيات الحكومية المخصصة للعلاج النفسيِّ، إلا إنها اعتبرت أن تلك التكاليف لا تُبرر حجم الزيادة التي حدثت في أسعار تلك المستشفيات مؤخراً بسبب اللائحة المالية الجديدة التي أقرتها الوزارة برقم 220 لسنة 2025، حيث وصفت رفع سعر الحجز بالمستشفى من 1500 جنيه إلى 4500 و5000 جنيه وأحياناً أكثر، مقابل الإقامة لشهر واحد، بأنه «نقلة نوعية كبيرة وغير مناسبة».

وأضافت الطبيبة: «أغلب مرضى مستشفى العباسية وغيرها من المستشفيات النفسية ظروفهم الاقتصادية ليست جيدة بنسبة 100% فهم ليسوا من متوسطى الدخل فقط بل أحياناً من محدودى الدخل، وهذه الزيادة المالية الأخيرة ضخمة جداً ولا تتحملها الشريحة التى تستهدف العلاج فى المستشفيات الحكومية النفسية، ولا أبالغ إن قلت إن آثار القرار ستكون سلبية بل وخيمة على المجتمع كله، وسنرى بداية هذا التأثير خلال الأشهر المقبلة بعد مرور فترة زمنية كافية على تنفيذ القرار، حيث سيكون كثير من المرضى بحاجة للعلاج والحجز داخل المستشفى، ولكنهم لن يستطيعوا ذلك بسبب ارتفاع الأسعار»، حسب قولها.

الزيادات الأخيرة لا تُراعى المواطن سواء صحته أو ميزانيته أو مستواه المعيشيِّ»، بهذه الكلمات بدأ نقيب الأطباء، أسامة عبدالحيِّ، تعليقه على الزيادة التي حدثت في أسعار العلاج النفسيِّ خصوصاً في المستشفيات الحكومية، مؤكداً أن ذلك عبء جديد يضاف إلى ملف الصحة النفسية في مصر التي تعاني أصلاً من ندرة الأطباء النفسيين، مضيفاً: «هنا نضع المواطن بين المطرقة والسندان، فإن كانت الحكومة غير قادرة على توفير خدمات الصحة النفسية بأسعار تناسب ميزانية المواطن، لا يكون أمامهم ملجأ سوى القطاع الخاص بأسعاره المتفاوتة».

«نتائج كارثية ستتسبب بها اللائحة المالية الجديدة لصندوق تحسين الخدمة بمستشفيات الصحة النفسية»، بحسب رأي «عبدالحيِّ»، أولها معاناة شديدة بين المرضى، فوجود قصور في تقديم الخدمات الصحية النفسية أو غياب تلك الخدمات بمستشفيات القطاع الحكوميِّ، سيؤدي لمزيد من الضغط على القطاع الخاص، وهذا الضغط موجود بالفعل: «المريض الغلبان يروح فين؟ معقول هنفكر إن القطاع الخاص يشتغل ببلاش؟ أكيد هيكون فيه أسعار مرتفعة للحصول على ربح ولو بسيط».

هدف اللائحة الجديدة للأسعاروأكد «عبدالحيِّ» أن الحكومة مُمثلة في وزارة الصحة يجب أن تتولى مسؤوليتها كاملة فيما يتعلق بخدمات الصحة النفسية، فتقدم أسعاراً تُناسب ميزانية المواطن وتتناسب مع شرائح المجتمع المختلفة.

فمن المعروف على مستوى العالم أن الدولة هي المسؤول الأول عن تقديم الخدمات الصحية النفسية للمواطن بأسعار في متناول يده، ولكن من يريد الحصول على خدمة متميزة يمكنه الذهاب للقطاع الخاص، مضيفاً: «من يقرأ في الدساتير العالمية أو إعلانات حقوق الإنسان سيدرك أن أبسط حقوق الإنسان هي توفير العلاج، وأن الخدمة الطبية حق للمريض بالمجان».

ولفت «عبدالحيِّ» إلى عدم تقبله الأسعار الفلكية التي يفرضها بعض الأطباء النفسيين في القطاع الخاص، واعتبرها غير مناسبة لبنية المجتمع، واستغلالاً لارتفاع أسعار العلاج في القطاع الحكوميِّ، قائلاً: «أنا ضد هذا الاستغلال قلباً وقالباً، ولكن في النهاية هذا طبيب ويقدر خدماته التي يقدمها للمرضى بهذا الشكل، ولا نستطيع أن نفرض عليه سعراً معيناً، لأن في النهاية القطاع الخاص يحكمه قانون العرض والطلب لمن يملكون ثمن الخدمة الخاصة».

نقيب الأطباء: اللائحة لا تُراعى ميزانية المواطنلكن فيما يتعلق بضرورة تحديد أسعار العلاج النفسى فى القطاع الخاص من خلال وضع حد أدنى وأقصى يتناسب مع الحد الأدنى للأجور فى مصر، قال نقيب الأطباء إنه ضد هذا الإجراء شارحاً: «القضية ليست تحديد حد أدنى أو حد أقصى لأسعار الكشف، فالقطاع الحكومى هو المسئول عن تقديم الخدمة الطبية النفسية للمواطنين بأسعار تتناسب مع دخولهم، لو القطاع الحكومى قوى فإن القطاع الخاص لا يستطيع أن يبالغ فى أسعاره لأنه سيكون لديه منافس قوى هو القطاع الحكومى الذى سيخاف منه، وأنا هنا أتحدث عن مصلحة الدولة والمواطن وليس مصلحة جهة حتى لو كان الأطباء الذين أمثلهم فى النقابة».

«والله لو قرر الطبيب وضع 10 آلاف جنيه ثمن الكشف هو حر، وليس من حق أحد الاعتراض، فهو يضع هذا السعر طبقاً لقدراته وإمكاناته العلمية وخبراته»، هكذا علّق دكتور «جمال فرويز»، استشاري الطب النفسيِّ، على شواهد ارتفاع أسعار العلاج النفسيِّ، مُعتبراً أن أسعار العيادات الخاصة تخضع للعرض والطلب، فلا يوجد أي نص قانونيٍّ يُجبر العيادات النفسية الخاصة أو حتى المستشفيات الخاصة على تسعيرة معينة.

ورفض «فرويز»، بل واستنكر الشكوى بأن أسعار المستشفيات والعيادات الخاصة صارت باهظة وليست في متناول المواطن العاديِّ، قائلاً: «ليس معنى أن أسعار كشوفات بعض العيادات مبالغ فيها، أن تلك الأسعار هي السائدة؛ فهناك الكثير من المستشفيات والعيادات النفسية الخاصة التي تتبع جهات خيرية أو دينية وتقدّم خدماتها بأسعار رمزية جداً، تتراوح بين 100 و200 جنيه»، حسب قوله.

ودافع «فرويز» عن منظومة الطب النفسيِّ في مصر ككل، سواء كان قطاعاً حكومياً أو خاصاً، قائلاً: «مستشفيات الصحة النفسية الحكومية تقدّم خدماتها بأسعار معقولة، وهناك عيادات خاصة بأسعار رمزية جداً.

ومما لا يعرفه البعض أن كثيراً من الدول الأوروبية والأمريكية لا تفعل ذلك، وتترك المواطن أمام سعر السوق، أو تضعه على قوائم الانتظار».

معتبراً أن منظومة الطب النفسيِّ في مصر من أحسن الأنظمة على مستوى العالم، وهناك الكثير من المرضى من الدول العربية بل والغربية يأتون للعلاج في مصر.

وعن موقف البرلمان السابق من إقرار الأسعار الجديدة للعلاج النفسى بالمستشفيات الحكومية، قال النائب «أشرف حاتم»، وزير الصحة الأسبق ورئيس لجنة الصحة السابق بمجلس النواب: «نعم دور البرلمان هو مراقبة الحكومة وأدائها، وإذا رأينا شيئاً خاطئاً مثل قرار أو قانون يتعارض مع المصلحة العامة للمجتمع، نراجعها ونُرجعها عن هذا الخطأ، لكن فى النهاية لم يكن بيدنا شىء كبرلمانيين، لأن عمل البرلمان كان قد توقف، والانتخابات البرلمانية الجديدة كانت على وشك الانطلاق».

عضو بـ«مجلس النواب»: العلاج النفسي لا يقل أهمية عن علاج الأمراض الجسدية الأخرىوأضاف «حاتم» موضحاً، أن اللائحة المالية والإدارية الموحدة الجديدة لصندوق تحسين الخدمة بمستشفيات الصحة النفسية صدرت في أغسطس 2025 بينما كان قد انفض دور الانعقاد الخامس للفصل التشريعيِّ الثاني لمجلس النواب، وبالتالى توقفت جلسات لجنة الصحة في مجلس النواب ولم يتمكنوا من مناقشة القرار الذي صدر، قائلاً: «لم يكن بيدنا التدخل بصفتنا لجنة الصحة بمجلس النواب، ولكن بعض النواب حاولوا مناقشة القرار من خلال الأسئلة البرلمانية».

وعبر «حاتم»، عن رأيه في اللائحة الجديدة، قائلاً: «من المعروف أن الحق في الصحة مكفول بقوة الدستور والقانون، فمن حق المواطن المصريِّ الحصول على جميع الخدمات الصحية، إن كان غير قادر على دفع ثمنها، مجاناً، سواء عن طريق التأمين الصحيِّ العاديِّ أو الشامل، أو من خلال العلاج على نفقة الدولة.

وحتى في حالة عدم وجود تأمين طبيٍّ، يمكنه الحصول على العلاج من خلال المستشفيات الجامعية أو مستشفيات وزارة الصحة التي تقدّم تلك الخدمات الطبية بالمجان».

وأضاف: «من وجهة نظري كان على وزارة الصحة قبل أن تُصدر لائحة برفع أسعار مستشفيات الصحة النفسية، أن توفّر للمواطن الغلبان الذي لا يملك ثمن الخدمة من الأساس وسائل أخرى للحصول على تلك الخدمات الطبية وفق قدرته المالية، فالصحة حق يكفله الدستور».

وحول إمكانية التراجع عن اللائحة الأخيرة الخاصة بتطوير المستشفيات النفسية وزيادة أسعارها إذا ثبت أنها لا تناسب الواقع الطبّيَّ والخدميَّ، أشار «حاتم» إلى أنه يوجد بالفعل إمكانية للتراجع عن هذا القرار، أو على الأقل أن تظل اللائحة موجودة إذا كانت تخدم فعلاً تطوير المستشفيات النفسية، مع اتخاذ تدابير لمراعاة حالة المريض محدود الدخل.

وأوضح أن تخصص الطب النفسيِّ صعب وليس عليه إقبال من الأطباء، لذا فهناك محاولات من جانب وزارة الصحة لتطوير مستشفيات الصحة النفسية من خلال وضع حوافز للأطباء، وتجديد البنية الهيكلية لتلك المستشفيات، وبالطبع لا بد أن يصاحب ذلك زيادة أسعار «الكشوفات»، ولكن للأسف هذا التفكير لم يتوقف أمام المواطن محدود الدخل الذي سيتوقف عن البحث عن الخدمة بسبب غلائها.

وعبر رئيس لجنة الصحة السابق بمجلس النواب عن تعاطفه الشديد مع المواطن وظروفه، قائلاً: «يجب ألا نضع المواطن محدود الدخل أمام خيار صعب وهو التوقف عن تلقّي الخدمة الطبية، في حين أن الصحة النفسية مهمة وأصبحت جزءاً أساسياً من الأمراض والخدمات الصحية، وهي ليست رفاهية.

وقد سعينا كأعضاء بلجنة الصحة في البرلمان أن تكون خدمات الصحة النفسية من ضمن الخدمات الأساسية المنصوص عليها في قانون التأمين الصحيِّ الشامل حال تم تعديله».

أما النائب البرلمانيُّ فريدي البياضيِّ فقال بوضوح: «القرار خاطئ من وجهة نظري، وهو ما جعلني أتقدم بسؤال برلمانيٍّ حول تلك اللائحة الصادرة عن وزارة الصحة، وكان هدفي فهم سر هذه الزيادة غير المبررة، في ظرف حرج تمر به الدولة من ضغوط اقتصادية خارجية وداخلية»، مشيراً إلى أن أي زيادة في أسعار جلسات وكشوفات العلاج النفسيِّ، لن يستطيع المواطن العاديُّ تحملها، خصوصاً وأنه يلجأ للمستشفيات الحكومية للحصول على خدمة جيدة باعتبارها الملاذ الوحيد في ظل غلاء الأسعار، حسب قوله.

واعتبر «البياضيِّ» أن قرار رفع أسعار العلاج النفسيِّ بل وتوقيته، في غير محله، حيث إن نسبة كبيرة من الشعب تعاني من الاكتئاب وغيره من الأمراض النفسية، ويحتاجون للعلاج بتكلفة تناسب ميزانيتهم المتوسطة، مضيفاً: «زيادة دخل مستشفيات الصحة النفسية على حساب ميزانية المواطن البسيط أمر غير مقبول، وعلاج المواطن التزام على الدولة مفترض أن توفره بناء على الحق في الصحة الذي نص عليه الدستور، والعلاج النفسيُّ لا يقل أهمية عن علاج الأمراض الجسدية الأخرى».

«آثار خطيرة بل ومرعبة»، بهذه الكلمات وصف «البياضيِّ» تداعيات القرار أولاً على مستوى الفرد، مشيراً إلى أن المواطن الذي ينتمي إلى الطبقة المتوسطة أو الأقل من المتوسطة لن يجد العلاج، وبالتالى سيكون خطراً على نفسه وأسرته.

وثانياً على مستوى الأسرة حيث تضع الدولة بهذا القرار حملاً ثقيلاً على الأسرة المصرية، سواء كان حملاً اقتصادياً من حيث تدبير تكاليف العلاج، أو حملاً اجتماعياً ونفسياً ثقيلاً، حيث ستتولى الأسرة بنفسها عبء رعاية أحد أفرادها المصاب بمرض نفسيٍّ، وهم غير مؤهلين لهذه الرعاية كأسرة.

وهناك أيضاً تأثيرات للقرار الجديد على مستوى المجتمع: «وارد أن يترك المرضى النفسيون أسرهم ويصبحوا مشردين في الشوارع، وبالتالى فخطرهم موجه لكل ولأي فرد في المجتمع، ولا ننسى حادثة اعتداء مريض هارب من مستشفى الخانكة للصحة النفسية على مجموعة من السائحين بميدان التحرير عام 1997».

الدكتور أحمد حسين، الطبيب النفسى بمستشفى العباسية، وعضو مجلس نقابة الأطباء السابق، ومنسق حملة «مصيرنا واحد»، لمناقشة القضايا الصحية والمشاركة فى وضع حلول لها، أشار إلى ارتفاع نسب الإصابة بالمرض النفسى والاضطرابات النفسية فى مصر، مؤكداً أن هذا تم إثباته بالدراسات والإحصائيات، ليست فقط العالمية بل أيضاً الحكومية، لافتاً على سبيل المثال لـ«المسح القومى للصحة النفسية»، الذى أجرته وزارة الصحة المصرية عام 2017، وتم نشره 2018، والذى كشف عن أن واحداً من كل 4 أشخاص لديه عرض أو اضطراب نفسى، أى إن 25% من المصريين يعانون أعراضاً واضطرابات نفسية، وإن الاكتئاب هو الأكثر انتشاراً بنسبة تقارب 44%.

استشارى طب نفسىي: الطبيب حر في تحديد سعر الكشفوفي حين أن زيادة نسبة الإصابة بالمرض النفسيِّ ليست فقط على مستوى مصر بل على مستوى العالم كله، كما يضيف «حسين»: «هناك مفارقة وهي أن دول العالم تتعامل مع الصحة النفسية باهتمام بالغ، وتحاول أن توفّر سبل الرعاية اللازمة بكل شكل، بينما في مصر نجد الوزارة ترفع الأسعار من خلال اللائحة الجديدة التي تم إصدارها»، حسب قوله.

وفي ضوء ما سبق، اعتبر «حسين» أنّ «أي حديث عن زيادة في أسعار العلاج، سواء كانت زيادة كبيرة أو طفيفة، مرفوض»، مؤكداً أنه من المعروف أن صحة المواطن هي أمن قوميٌّ في أي دولة، والصحة النفسية قد تكون أهم بند في الأمن القوميِّ بسبب ارتباطها بكل مجالات الحياة: الاقتصادية، والاجتماعية، والقضائية، وتأثيرها على مؤسسات الدولة سواء قضائية، أو تشريعية، أو أمنية، أو صحية.

واستشهد بدراسة أجنبية كشفت أن التكلفة الناتجة عن عدم علاج المريض النفسيِّ تساوي ضعفي تكلفة علاجه، فعدم علاج المريض النفسيِّ بشكل مناسب يعني أن الدولة عليها أن تبذل مجهوداً مضاعفاً لحماية بقية أفرادها من سلوكيات ومشكلات هذا المريض الذي سيصبح طليقاً في الشوارع والبيوت بلا علاج.

حديث الوزارة عن أن أحد أسباب رفع أسعار تكلفة العلاج في مستشفيات الصحة النفسية الحكومية هو محاولة الحصول على تكلفة التشغيل الحقيقية لتلك المستشفيات، بالإضافة إلى تحقيق هامش ربح، وصفه «حسين» بـ«قمة اللا منطق وغياب امتلاك زمام التخطيط، وعدم فهم معنى مفهوم الصحة في المجتمعات المتحضرة»، متسائلاً: «هل من فكّر في رفع الأسعار يفهم أن ذلك يُسبب مشكلات للدولة تفوق حجم المكاسب المتوقعة، وتفوق الأرباح التي قد تدخل خزانة وزارة الصحة ليتم إنفاقها على مخصصاتها؟ ».

واستشهد «حسين» بواقعة تعرض سائحين للقتل خارج المتحف المصريِّ في سبتمبر 1997، والتي تمت بيد نزيل هرب من مستشفى الخانكة للأمراض العقلية، حسب تأكيده، وكانت أساس توجيه الرئيس الأسبق «حسني مبارك» بضم مستشفيات الصحة النفسية لجهة إدارية موحدة تشرف عليها، وهي الأمانة العامة للصحة النفسية، وقال: «الآن بعد 20 عاماً نحن نعود لنقطة الصفر، وهي أن نجعل مستشفيات الصحة النفسية تابعة للقطاع العلاجيِّ بوزارة الصحة، وأيضاً نرفع أسعار العلاج النفسيِّ».

ولا تقتصر خسائر هذا القرار على الدولة، بحسب «حسين»، بل على الأسرة أيضاً، التي هي وحدة المجتمع المصريِّ، فكثير من الأسر إن وجدت أن ثمن العلاج النفسيِّ لأحد أفرادها أكبر من قدراتها المالية، ستتوقف عن توفير العلاج لهذا المريض، مشيراً إلى أنه كان يواجه حالات مرضية «تفوّت» موعد الكشف أو المتابعة ليس بسبب عدم امتلاك الثمن، بل الأسوأ هو عدم امتلاكها ثمن المواصلات للوصول إلى الجلسة من الأساس، حسب تأكيده.

وطالب «حسين» بضرورة التراجع عن هذا القرار من خلال أشخاص لديهم حكمة وشجاعة، مع التركيز على تطوير مستشفيات الصحة النفسية التي تعاني عجزاً شديداً في الأطباء، وتوفير تدريبات عالية الجودة للأطباء، قائلاً: «لا يجب أن نصمت، حتى لا يأتي يوم وأولادنا وأحفادنا يسألوننا لماذا لم تتحركوا، فنكتفي بالصمت وطأطأة الرأس».

متحدث «الصحة»: الدولة تعمل جاهدة لتعزيز خدمات الصحة النفسيةقال الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث باسم وزارة الصحة، إنّ الدولة تعمل بكل جهدها على تعزيز خدمات الصحة النفسية والدعم النفسيِّ، مؤكداً سعى وزارة الصحة لتوعية المواطن بأهمية الصحة النفسية، إلى جانب توفير كافة الخدمات الاستشارية والعلاجية المجانية، كجزء من رؤية مصر 2030 للتنمية المستدامة فيما يتعلق بمحور الصحة العامة.

وحول شكاوى بعض المواطنين من ارتفاع أسعار العلاج بمستشفيات الصحة النفسية عقب إصدار اللائحة الأخيرة، قال «حسام»، في تصريحات لـ«الوطن»: «نسير باستراتيجية جديدة وهي الانتقال من دعم السلعة إلى دعم المواطن، فلا يُمكنني أن أقول إن تكلفة خدمة التشغيل في مستشفيات الصحة النفسية هي 10 جنيهات على سبيل المثال، ثم أساوي في تقديم تكلفة الخدمة بين من يحصل على راتب 1000 جنيه وبين من يحصل على راتب 20000 جنيه، وذلك مجرد مثال وأرقام افتراضية لتوضيح الأمر للجمهور.

هنا أنا أخلق عدم مساواة بين الأثرياء ومتوسطي الدخل والطبقة الأقل من المتوسطة، بل إننا بذلك نجعل الأثرياء يحصلون على حق غير المقتدرين عندما نساوي بينهم».

وشرح «عبدالغفار» وجهة نظره بشكل أدق، قائلاً: «بمعنى آخر هناك فارق بين تكلفة تشغيل الخدمة، وبين المقابل الذي يتم دفعه للحصول على هذه الخدمة، وبل من يدفع تكلفة هذه الخدمة.

فاليوم يتم إقرار أن تكلفة الخدمة في مستشفيات الصحة النفسية تساوي رقماً معيناً، وهي الأسعار التي قررتها اللائحة الأخيرة.

ولكننا في نفس الوقت أوضحنا في اللائحة أن غير القادرين أو من لديهم تأمين طبيٌّ من حقهم عدم دفع ثمن الخدمة، سواء كشوفات أو تحاليل أو حجز داخل المستشفيات.

لكن في النهاية أضع تلك الأسعار بهدف توضيح تكلفة وسعر الخدمة من الأساس.

فسواء دفع المواطن أم لم يدفع فهذه مسألة أخرى ليست محل النقاش في اللائحة الجديدة، لأنها محسومة بالفعل، فغير المقتدرين تتولى الدولة علاجهم»، حسب قوله.

وأضاف «حسام»، موضحاً: «تم إقرار اللائحة الجديدة للأسعار بهدف توضيح حجم تكلفة الخدمة الطبية في المستشفيات النفسية، فالمقتدر مالياً يدفع حجم التكلفة المادية المحددة، بينما غير القادر تتحمل الدولة عنه ثمن العلاج بلا أي حساسيات أو تأجيل من خلال العلاج على نفقة الدولة، أو التأمين الطبيِّ لو كان المريض صاحب تأمين».

واعتبر «عبدالغفار» أن الهجوم على اللائحة المالية والإدارية الموحدة الجديدة لصندوق تحسين الخدمة بمستشفيات الصحة النفسية ومراكز علاج الإدمان التابعة للأمانة العامة للصحة النفسية بوزارة الصحة، تم بدون قراءة لكل بنود اللائحة وفهم أهدافها، قائلاً: «نحن لم نقل في اللائحة إن هذه الأسعار سارية على جميع أفراد المجتمع بلا تمييز، بل هدفها تحديد وتوضيح أن هذه تكلفة التشغيل في مستشفيات الصحة النفسية، ومن ثم تحسين الخدمة المقدمة».

وأضاف: تعمل وزارة الصحة والسكان على ضمان تقديم خدمات صحية نفسية بجودة عالية وأسعار مناسبة من خلال توسيع نطاق الخدمات النفسية المجانية أو منخفضة التكلفة في المستشفيات الحكومية والوحدات الصحية التابعة للأمانة العامة للصحة النفسية، بالإضافة إلى تشجيع المرضى على الإبلاغ عن أي ممارسات استغلالية عبر الخط الساخن للوزارة (105) لاتخاذ الإجراءات اللازمة.

وما بين التصريحات والتوضيحات الرسمية حول الهدف من اللائحة المالية والإدارية الجديدة، وشهادات المرضى عن الصعوبات التي يواجهونها واقعياً في الحصول على الخدمة الطبية التي يحتاجونها، سواء في القطاع الحكوميِّ أو الخاص، ينتظر هؤلاء المرضى حلولاً عملية تسهل عليهم الحصول على الخدمة وتهون عليهم وعلى المحيطين بهم عبء المرض النفسيِّ، وصولاً للشفاء نهائياً منه.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك