في لحظات التوتر الكبرى، لا تبقى الحروب حبيسة خرائط القتال، ولا تتوقف آثارها عند حدود الدول المنخرطة فيها، لأن النار حين تقترب من منابع النفط والغاز، تمتد سريعًا إلى الاقتصاد والأسواق وحياة الناس اليومية.
لماذا يتحمل المصريون ثمن الحرب؟ومن هنا تبدو الصورة أكثر وضوحًا وقسوة في الوقت نفسه، فمصر التي تقف خارج دائرة الاشتباك المباشر تجد نفسها في مواجهة ارتدادات ثقيلة تفرضها حرب تزداد اشتعالًا في منطقة تمسك بمفاتيح مؤثرة في معادلة الطاقة العالمية.
" الدستور" تكشف تفاصيل المشهد الذي يتجاوز حدود السياسة إلى معيشة الناس مباشرة، فكل تصعيد جديد قرب منابع الإنتاج أو الممرات الاستراتيجية يفتح الباب أمام موجة واسعة من الضغوط تبدأ من أسعار النفط والغاز، ثم تمتد إلى تكاليف الشحن والتأمين والاستيراد، قبل أن تصل في النهاية إلى الأسواق والسلع والخدمات.
وهنا تدفع الدول المستوردة للطاقة، وفي مقدمتها مصر، ثمنًا باهظًا لتوتر لم تصنعه، لكنها تتأثر به بحكم ارتباطها الوثيق بحركة التجارة والطاقة في الإقليم والعالم.
ما يجري الآن يتجاوز حدود تبادل الضربات أو التوتر التقليدي، ويدخل مباشرة إلى قلب المنظومة التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي، فعندما تهتز مناطق إنتاج الطاقة، أو تقترب الأخطار من الممرات البحرية الحساسة، ترتبك الأسواق سريعًا، وتقفز الأسعار، ويتعامل المستثمرون بحذر بالغ، ثم تتسع دائرة القلق يومًا بعد يوم، هذا المسار واضح ومعروف، إذ ينطلق من الجغرافيا، ويمر عبر التجارة والنقل والإنتاج، ثم يصل في نهايته إلى المستهلك وقدرته على الشراء.
ولا يظهر النفط في مثل هذه اللحظات بوصفه رقمًا اقتصاديًا مجردًا، لأن كل زيادة في سعره تتحول إلى ضغط جديد على كلفة النقل وحركة البضائع والإنتاج الصناعي وأسعار الخدمات.
كما يحمل الغاز أيضًا التأثير نفسه حين ترتفع كلفته أو تتزايد المخاوف المرتبطة بإمداداته، فتتسع دائرة التأثر داخل الاقتصادات المرتبطة به، ومن هنا يصبح أي اشتعال في الإقليم سببًا مباشرًا في موجة غلاء جديدة، أو في الأقل سببًا في توتر واسع يدفع الأسواق إلى التسعير على أساس الخوف قبل استقرار الوقائع.
ومصر بحكم حجمها ومكانتها واحتياجاتها تتحسس الصدمة سريعًا.
ففاتورة الطاقة ترتفع، والضغط على النقد الأجنبي يتزايد، والأسواق تدخل في حالة ترقب مشدود، فيما تتجه الأنظار إلى أي تغير قد ينعكس على تكلفة المعيشة.
وهنا المسألة لا تخص الوقود وحده، لكنها تمتد إلى كل ما يرتبط به، من الإنتاج إلى النقل، ومن الاستيراد إلى السلع الأساسية، ومن حركة السوق إلى قدرة المواطن على الاحتمال في ظل ضغوط متراكمة.
كما أن الصورة الأكثر حساسية ترتبط أيضًا بقناة السويس، هذا الشريان الاقتصادي والاستراتيجي الذي يمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للدولة المصرية، فالتوترات الإقليمية حين تتصاعد، يتسلل القلق إلى حركة الملاحة والتجارة الدولية.
وتبدأ حسابات المسارات البديلة والحذر الملاحي والتأمين المرتفع، وكل ذلك ينعكس في النهاية على الإيرادات وعلى قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات، وهنا تتضاعف الضغوط، لأن مصر تواجه أثر ارتفاع الطاقة، وفي الوقت نفسه تراقب بحذر أي اضطراب قد يمس واحدًا من أهم أعمدتها الاقتصادية.
الأصعب في هذا المشهد أن مصر لا تدخل الحرب بحثًا عن نفوذ أو مكسب، لكنها تتحمل جانبًا من خسائرها بحكم موقعها ومكانتها وتشابك مصالحها مع العالم، وهنا تظهر المفارقة القاسية بوضوح، فالدولة التي تتحرك بعقلانية وتحافظ على الاستقرار وتدير ملفاتها بحسابات دقيقة، تجد نفسها في مواجهة فاتورة إقليم مضطرب وأسواق متقلبة وحركة تجارة مرتبكة.
ويتعامل الشارع مع الأخبار من زاوية أثرها المباشر على حياته اليومية، ويتوقف أمام ما تحمله من انعكاسات على الأسعار والمعيشة، ويربط القلق بأي زيادة جديدة في الأسعار، وبأي موجة غلاء أوسع، وبذلك الشعور الثقيل الذي يتسرب مع كل تصعيد جديد في المنطقة، فكل يوم يحمل احتمال عبء إضافي على البيت المصري، وهذا القلق يستند إلى أسباب واضحة، لأن المواطن يرى أثر التوتر أمامه في السوق، ويشعر بأن المسافة بين الحرب والاقتصاد أصبحت أقصر وأكثر قسوة.
ورغم صعوبة اللحظة، يبقى الرهان الحقيقي على خبرة الدولة المصرية في التعامل مع الأزمات حين تشتد، وعلى صلابة مجتمع اعتاد مواجهة الظروف القاسية بصبر كبير، المرحلة المقبلة تحتاج يقظة كاملة، وإدارة دقيقة، وحسابات منضبطة، لأن المشهد مفتوح على احتمالات متعددة، وكل تطور جديد في الإقليم قد ينعكس سريعًا على الداخل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك