روسيا اليوم - سوريا.. القبض على زوجة أب بتهمة تعذيب طفليه بالفلفل (فيديو) روسيا اليوم - المغربيات يقتحمن طقوسا كانت حكرا على الرجال (فيديو) Independent عربية - غارة على مدينة غزة فجرا تودي بـ8 فلسطينيين بينهم 5 من عائلة واحدة العربية نت - ترامب كشف لمساعديه شرط العودة إلى الحرب ضد إيران قناة التليفزيون العربي - عاجل | أول رد إسرائيلي على قرار وقف إطلاق النار الشامل في لبنان CNN بالعربية - خبيران يعلقان على دلالات تبادل أمريكا وإيران الضربات بواحدة من أكبر ليالي الهجمات منذ بدء وقف إطلاق النار التلفزيون العربي - تنامي الآمال بالتهدئة في الشرق الأوسط.. كيف تأثرت أسعار النفط والذهب؟ العربية نت - وزير الخارجية: مصر تستكمل خطط إصدار سندات الساموراي قناة التليفزيون العربي - عضو بالحزب الجمهوري: فوضى في البيت الأبيض.. ترمب مستاء من نتنياهو ولا يفهم هوسه بلبنان! Euronews عــربي - استغلال العمال الزراعيين يعود إلى الواجهة في إيطاليا.. مقتل أربعة عمال مهاجرين حرقا داخل سيارة
عامة

اليَمِينُ زَرُّوَال... الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُشْبِهْ أَحَداً

الشروق أونلاين
الشروق أونلاين منذ شهرين
1

مَاتَ الرَّجُلُ الَّذِي تَرَكَ السُّلْطَةَ لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ رَاتِباً مُقَابِلَ لَا شَيْءٍ. مَاتَ الَّذِي قَالَ لِأَمْرِيكَا لَا وَعَادَ إِلى بَيْتِهِ. مَاتَ الَّذِي خَرَجَ مِنْ قَصْ...

ملخص مرصد
توفي اليمين زروال، الرجل الذي ترك السلطة لأنه لا يريد أن يأخذ راتباً مقابل لا شيء، والذي قال لأمريكا لا وعاد إلى بيته. كان زروال رمزاً للشرف والكبرياء، وقد خدم في جيش التحرير الوطني وشغل مناصب عسكرية عديدة في الجزائر.
  • اليمين زروال توفي بعد حياة حافلة بالشرف والكبرياء.
  • زروال خدم في جيش التحرير الوطني وشغل مناصب عسكرية عديدة.
  • زروال رفض تقاضي راتب مقابل لا شيء وترك السلطة طواعية.
من: اليمين زروال

مَاتَ الرَّجُلُ الَّذِي تَرَكَ السُّلْطَةَ لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ رَاتِباً مُقَابِلَ لَا شَيْءٍ.

مَاتَ الَّذِي قَالَ لِأَمْرِيكَا لَا وَعَادَ إِلى بَيْتِهِ.

مَاتَ الَّذِي خَرَجَ مِنْ قَصْرِ المُرَادِيَّةِ بِنَفْسِ مَا دَخَلَ بِهِ: لَا شَيْءَ غَيْرَ شَرَفِهِ.

مَاتَ اليَمِينُ زَرُّوَال.

وَانْتَهَى مَعَهُ جِيلٌ بِأَكْمَلِهِ.

لَيْسَ جِيلَ المَوَالِيدِ.

بَلْ جِيلُ مَنْ يَعْرِفُونَ مَعْنَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ: وَاجِبٌ.

«زَرُّوَال» —بِلُغَةِ الأَوْرَاسِ الأَمَازِيغِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَمُتْ رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ— تَعْنِي: صَاحِبُ العَيْنَيْنِ الزَّرْقَاوَيْنِ.

أَيْ مَنْ يَحْمِلُ في عَيْنَيْهِ لَوْنَ السَّمَاءِ لَكِنَّهُ لَا يَطِيرُ، يَبْقَى رَجُلَ الأَرْضِ وَالطِّينِ وَالجِبَالِ.

وَ«اليَمِين» —بِالعَرَبِيَّةِ— هُوَ القَسَمُ، وَهُوَ اليَدُ اليُمْنَى الَّتِي يُمَدُّ بِهَا لِلْعَهْدِ، وَهُوَ الجِهَةُ الَّتِي تَكُونُ فِيهَا البَرَكَةُ.

حِينَ سَمَّاهُ وَالِدَاهُ عَامَ 1941 —وَالجَزَائِرُ لَا تَزَالُ تَئِنُّ تَحْتَ الاحْتِلَالِ— لَمْ يَضَعَا لَهُ اسْماً.

وَضَعَا لَهُ مَسَاراً.

وُلِدَ بِبَاتِنَةَ، فِي قَلْبِ الأَوْرَاسِ.

ذَلِكَ الجَبَلُ الأَشَمُّ الَّذِي رَفَضَ أَنْ يَنْحَنِيَ أَمَامَ رُومَا حِينَ قَاوَمَهَا تَاكْفَارِيناسُ دَماً ومَجْداً، وَأَمَامَ الفَاتِحِينَ حِينَ تَصَدَّتْ لَهُمُ الكَاهِنَةُ بِعِزِّ المَرْأَةِ الحُرَّةِ، وَأَمَامَ فَرَنْسَا الكُبْرَى حِينَ انْبَثَقَتِ الشَّرَارَةُ الأُولَى لِنُوفَمْبِرَ 1954 مِنَ الشَّعَابِ وَالوِدْيَانِ.

الأَوْرَاسُ لَيْسَ جُغْرَافِيَا.

هُوَ جِينٌ وِرَاثِيٌّ في رُوحِ الجَزَائِرِوَمَنْ تَنْبُتُ أَصَابِعُهُ في طِينِهِ، يَخْرُجُ مِنْهُ بِشَيْءٍ لَا تُعَلِّمُهُ المَدَارِسُ وَلَا تَصُوغُهُ الأَكَادِيمِيَّاتُ: الكِبْرِيَاءُ الَّتِي لَا تَنْكَسِرُ، وَالصَّمْتُ الَّذِي يَقُولُ أَكْثَرَ مِنَ الكَلَامِ.

سِتَّةَ عَشَرَ عَاماً وَبُنْدُقِيَّةٌفي عَامِ 1957، وَلَمْ يَكُنْ قَدْ تَجَاوَزَ السَّادِسَةَ عَشَرَ، الْتَحَقَ بِجَيْشِ التَّحْرِيرِ الوَطَنِيِّ.

طِفْلٌ.

بُنْدُقِيَّةٌ أَكْبَرُ مِنْ كَتِفَيْهِ.

وَجَبَلٌ أَمَامَهُ لَا يَعْرِفُ أَيْنَ يَنْتَهِي.

لَمْ يَحْتَجْ أَحَداً لِيَشْرَحَ لَهُ لِمَاذَا.

كَانَ كَافِياً أَنْ يَرَى أُمَّهُ تَمْشِي مُطَأْطَأَةَ الرَّأْسِ في بَلَدِهَا، وَأَنْ يَقْرَأَ في جَوَازِ سَفَرِ أَبِيهِ كَلِمَةً تَقُولُ «فَرَنْسِيٌّ» وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهَا أَكْذَبُ مَا كُتِبَ في تَارِيخِ الأَوْرَاقِ الرَّسْمِيَّةِ.

رَفَاقُهُ في الجِبَالِ سَمَّوْهُ “أَسَدَ الأَوْرَاسِ”.

لَمْ يَرْفُضْ.

لَمْ يَقْبَلْ.

مَشَى إِلى الأَمَامِ.

مُوسْكُو وَبَارِيس: يَتَعَلَّمُ مِنَ العَدُوِّ وَلَا يَصِيرُهُبَعْدَ الاسْتِقْلَالِ، حِينَ جَلَسَ كَثِيرُونَ يَنَامُونَ عَلَى وِسَادَةِ أَمْجَادِ الثَّوْرَةِ، ذَهَبَ زَرُّوَال إِلى القَاهِرَةِ، ثُمَّ إِلى مُوسْكُو عَامَ 1965، ثُمَّ إِلى مَدْرَسَةِ الحَرْبِ في بَارِيسَ —نَعَمْ، في بَارِيسَ، بَلَدِ المُسْتَعْمِرِ بِالأَمْسِ— لِيَتَعَلَّمَ مِنْهُ فَنَّ الحَرْبِ دُونَ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْهُ فَنَّ الاسْتِعْمَارِ.

هَذَا هُوَ الفَرْقُ بَيْنَ رَجُلِ دَوْلَةٍ حَقِيقِيٍّ وَمُقَلِّدٍ: الأَوَّلُ يَأْخُذُ الأَدَاةَ وَيَتْرُكُ الرُّوحَ، وَالثَّانِي يَأْخُذُ الرُّوحَ وَيَضِيعُ.

عَادَ لِيَبْنِيَ أَكَادِيمِيَّةُ شَرْشَالَ (1981)، وتَمَنْرَاسَتُ (1982)، وبَشَارُ (1984)، وقَسَنْطِينَةُ (1987).

ثُمَّ جِنِيرَالاً عَامَ 1988.

ثُمَّ قَائِداً لِلْقُوَّاتِ البَرِّيَّةِ عَامَ 1989.

رَجُلٌ يَبْنِي لَبِنَةً لَبِنَةً، لَا يَقْفِزُ، لَا يَتَزَاحَمُ، لَا يَنْتَظِرُ شُكْراً.

«لَا أُرِيدُ رَاتِباً مُقَابِلَ لَا شَيْءٍ»في عَامِ 1990، اخْتَلَفَ مَعَ الرَّئِيسِ الشَّاذْلِي بِنْ جَدِيدَ.

لَمْ يُسَاوِمْ.

أَرَادُوا أَنْ يُبْعِدُوهُ بِهُدُوءٍ، فَعَيَّنُوهُ سَفِيراً في بُخَارِسْت.

قَبِلَ.

ذَهَبَ.

ثُمَّ عَادَ بَعْدَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ وَقَالَ الجُمْلَةَ الَّتِي تُكَثِّفُ رُوحَهُ كُلَّهَا:«لَا أُرِيدُ أَنْ يَدْفَعُوا لِي رَاتِباً مُقَابِلَ لَا شَيْءٍ»تَوَقَّفْ.

اقْرَأْهَا مَرَّةً أُخْرَى.

في زَمَنٍ يَتَقَاتَلُ فِيهِ النَّاسُ عَلَى مَقَاعِدِ السَّفَارَاتِ وَمَنَافِعِهَا، رَفَضَ هُوَ مَقْعَداً لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُقَدِّمُ فِيهِ شَيْئاً حَقِيقِيّاً.

عَادَ إِلى بَيْتِهِ في بَاتِنَةَ.

وَأَغْلَقَ الأَبْوَابَ.

وَظَنَّ أَنَّ المَسَارَ انْتَهَى.

لَمْ يَنْتَهِ.

يَنَايِرُ 1994: الوَطَنُ يَنَزِفُ وَيَسْتَدْعِيهِكَانَتِ الجَزَائِرُ تَحْتَرِقُ.

لَيْسَ مَجَازاً.

مِئَةُ أَلْفِ شَهِيدٍ —وَهَذَا رَقْمٌ لَا يُدْرَكُ ثِقَلُهُ إِلَّا حِينَ تَتَخَيَّلُ مَدِينَةً بِأَكْمَلِهَا مُحِيَتْ مِنَ الخَرِيطَةِ.

آبَاءٌ يَدْفِنُونَ أَبْنَاءَهُمْ.

أُمَّهَاتٌ لَا يَعْرِفْنَ أَيَّ يَوْمٍ سَيَكُونُ الأَخِيرَ.

وَالدَّوْلَةُ في فَرَاغٍ مُؤْلِمٍ.

أَرَادُوا رَجُلاً لِلمُرَادِيَّةِ.

ذَهَبُوا إلى بُوتَفْلِيقَةَ أَوَّلاً.

رَفَضَ.

فَعَادُوا إِلى الرَّجُلِ الصَّامِتِ في بَاتِنَةَ.

وَدَوَّنَ الجِنِيرَالُ خَالِدُ نَزَّارُ في مُذَكِّرَاتِهِ —وَهِيَ وَثِيقَةٌ نَادِرَةٌ في تَارِيخِنَا السِّيَاسِيِّ المَكْتُوبِ— أَنَّ زَرُّوَال كَانَ «الأَكْثَرَ ارْتِبَاكاً» في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَأَنَّهُ:«قَبِلَ، بِدَافِعِ الوَاجِبِ، أَنْ يَصِيرَ رَئِيساً لِلدَّوْلَةِ»لَيْسَ بِفَرَحٍ.

لَيْسَ بِطَمَعٍ.

بَلْ: بِدَافِعِ الوَاجِبِ.

في الثَّلَاثِينَ مِنْ يَنَايِرَ 1994، جَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّ المُرَادِيَّةِ بِلَا شَهْوَةِ السُّلْطَةِ، وَبِكَامِلِ ثِقَلِهَا فَوْقَ صَدْرِهِ.

المَرْأَةُ الَّتِي صَوَّتَتْ وَهِيَ تَرْتَجِفُ«لَا تَخْرُجُوا، سَنَذْبَحُكُمْ.

»هَكَذَا قَالَتِ الجَمَاعَاتُ المُسَلَّحَةُ قَبْلَ انْتِخَابَاتِ نُوفَمْبِرَ 1995.

وَلَكِنَّ فَاطِمَةَ —أَوْ خَدِيجَةَ، أَوْ زَهْرَةَ، أَوْ أَيَّ اسْمٍ تَشَاءُ لِتِلْكَ المَرْأَةِ الجَزَائِرِيَّةِ الَّتِي فَقَدَتِ ابْنَهَا أَوْ زَوْجَهَا أَوْ أَخَاهَا في العَشْرِيَّةِ— لَبِسَتِ الجِلْبَابَ الأَسْوَدَ صَبَاحَ ذَلِكَ اليَوْمِ، وَوَقَفَتْ أَمَامَ المَرْآةِ لَحْظَةً، وَقَالَتْ لِنَفْسِهَا بِلُغَةٍ لَا يَفْهَمُهَا إِلَّا مَنْ دَفَنَ حَبِيباً: «سَأَذْهَبُ.

»يَدَاهَا تَرْتَجِفَانِ حِينَ وَضَعَتِ الوَرَقَةَ في الصُّنْدُوقِ.

لَمْ تَكُنْ تُصَوِّتُ لِرَجُلٍ.

كَانَتْ تُصَوِّتُ ضِدَّ الذَّبْحِ.

كَانَتْ تُصَوِّتُ لِحَقِّ ابْنِهَا في أَنْ يَرْقُدَ في قَبْرِهِ بِسَلَامٍ، وَلِحَقِّهَا هِيَ في أَنْ تَنَامَ لَيْلَةً وَاحِدَةً من دُون خَوْفٍ.

وَكَانَتْ مِنَ الـ74,24% الَّذِينَ خَرَجُوا ذَلِكَ اليَوْمَ رَغْمَ التَّهْدِيدِ.

وَهَذَا الرَّقْمُ أَعْلَى نِسْبَةِ مُشَارَكَةٍ في تَارِيخِ الجَزَائِرِ المُسْتَقِلَّةِ لَيْسَ إِحْصَاءً.

هُوَ أَنِينُ شَعْبٍ بِأَكْمَلِهِ خَرَجَ لِيَقُولَ: نُرِيدُ أَنْ نَعِيشَ.

فَازَ زَرُّوَال بِـ61,34% مِنَ الأَصْوَاتِ.

لَكِنَّ الفَوْزَ الحَقِيقِيَّ كَانَ لِفَاطِمَةَ وَخَدِيجَةَ وَزَهْرَةَ.

الرَّحْمَةُ: الكَلِمَةُ الَّتِي اخْتَارَهَا بِعِنَايَةٍحِينَ أَرَادَ أَنْ يُعِيدَ المُسَلَّحِينَ التَّائِبِينَ إِلى مُجْتَمَعَاتِهِمْ، لَمْ يُسَمِّ سِيَاسَتَهُ «العَفْوَ» القَانُونِيَّ الجَافَّ وَلَا «إِعَادَةَ الإِدْمَاجِ» البِيرُوقْرَاطِيَّةَ.

سَمَّاهَا: الرَّحْمَةُ.

وَفِي هَذَا الاخْتِيَارِ اللُّغَوِيِّ وَحْدَهُ تَنَامُ فَلْسَفَةُ رَجُلٍ بِأَكْمَلِهَا.

الرَّحْمَةُ لَيْسَتْ ضَعْفاً.

هِيَ قُوَّةُ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ الشَّعْبَ الَّذِي فَقَدَ مِئَةَ أَلْفِ ابْنٍ لَا يَحْتَاجُ مَزِيداً مِنَ الدَّمِ.

يَحْتَاجُ إِلى أَنْ يَتَنَفَّسَ.

الحُرُوبُ لَا تَنْتَهِي دَائِماً بِرَصَاصَةٍ أَخِيرَةٍ.

أَحْيَاناً تَنْتَهِي بِكَلِمَةٍ.

أَمْرِيكَا تَطْرُقُ بَابَهُفي دِيسَمْبِرَ 1997، جَلَسَ السَّفِيرُ الأَمْرِيكِيُّ كَامِيرُون هِيُومْ أَمَامَهُ أَرْبَعِينَ دَقِيقَةً.

حَاوَلَ بِكُلِّ دِبْلُومَاسِيَّةِ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ العُظْمَى أَنْ يُقْنِعَهُ بِشَيْءٍ لَمْ يَقْتَنِعْ بِهِ.

وَحِينَ انْتَهَى اللِّقَاءُ، كَانَ زَرُّوَالُ زَرُّوَالاً.

لَمْ يَتَغَيَّرْ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الاجْتِمَاعِ بِسَفِيرِ أَقْوَى دَوْلَةٍ في العَالَمِ إِلَّا فِنْجَانُ بُنٍّ أَضَافَهُ النَّادِلُ.

في تَارِيخِ الجَزَائِرِ، كَثِيرُونَ مَنِ انْحَنَوا أَمَامَ أَمْرِيكَا.

وَكَثِيرُونَ مَنِ ادَّعَوا أَنَّهُمْ لَمْ يَنْحَنُوا.

أَمَّا زَرُّوَالُ فَكَانَ مِنَ الصِّنْفِ الثَّالِثِ النَّادِرِ: مَنْ لَا يُفَكِّرُ في الأَمْرِ أَصْلاً.

سِبْتَمْبِرَ 1998.

وِنْدْهُوكَ، النَّامِيبُ.

ضَيْفاً عِنْدَ الرَّئِيسِ سَامْ نُوجُومَا.

فِي حَدِيقَةِ الإِقَامَةِ الرَّسْمِيَّةِ، وَحِيداً تَحْتَ سَمَاءِ إفْرِيقِيَا المَفْتُوحَةِ، رَاحَ يَمْشِي.

سِيجَارَةٌ بَعْدَ سِيجَارَةٍ.

اللَّيْلُ يَمْضِي.

لَا أَحَدَ.

لَا أَحَدَ يَعْرِفُ مَا الَّذِي كَانَ يَدُورُ في رَأْسِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ.

وَلَنْ يَعْرِفَ أَحَدٌ بَعْدَ الْيَوْمِ.

لَكِنَّنَا نَعْرِفُ النَّتِيجَةَ.

فَجْراً، في الطَّائِرَةِ الرِّئَاسِيَّةِ عَائِدَةً إِلى الجَزَائِرِ، جَمَعَ مُرَافِقِيهِ.

كَانَ هَادِئاً.

كَانَ جَادّاً.

وَقَالَ:«تَعْلَمُونَ أَنِّي أَرَدْتُ الرَّحِيلَ مُنْذُ عَامٍ.

الوَقْتُ قَدْ جَاءَ.

يَجِبُ أَنْ نَتْرُكَ المَكَانَ لِغَيْرِنَا.

سَأَرْحَلُ»في تَارِيخِ الإِنْسَانِيَّةِ بِأَكْمَلِهَا، قَلَّمَا قَالَ زَعِيمٌ طَوْعاً وَاخْتِيَاراً: «سَأَرْحَلُ.

» قَالَهَا وَاشِنْطُونُ حِينَ رَفَضَ الوِلَايَةَ الثَّالِثَةَ فَأَسَّسَ الجُمْهُورِيَّةَ.

وَقَالَهَا زَرُّوَالُ فَوْقَ إفْرِيقِيَا في طَائِرَةٍ لَا شُهُودَ فِيهَا غَيْرُ مُعَاوِنِيهِ.

الأَوَّلُ نَحَتَ لَهُ التَّارِيخُ تِمْثَالاً مِنَ الذَّهَبِ.

وَالثَّانِي لَمْ يَطْلُبْ حَتَّى صُورَةً.

سَبْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً مِنَ الذَّهَبِ الصَّامِتِمَضَتْ سَنَةٌ.

مَضَتْ عَشْرٌ.

مَضَتْ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ.

لَمْ يَكْتُبْ مُذَكِّرَاتٍ.

لَمْ يَمْنَحْ مُقَابَلَةً.

لَمْ يُعَلِّقْ عَلَى شَيْءٍ.

لَمْ يُؤَسِّسْ حِزْباً.

لَمْ يَظْهَرْ.

لَمْ يَشْكُ.

لَمْ يَتَذَمَّرْ.

بَيْتُهُ في بَاتِنَةَ كَمَا هُوَ.

وَنَافِذَتُهُ تُطِلُّ عَلَى ذَلِكَ الجَبَلِ الَّذِي وَلَدَهُ.

وَيَكْفِيهِ.

في 2019، حِينَ قَامَ الحَرَاكُ، جَاءَهُ أَقْوَى رَجُلٍ في الظِّلِّ الجَزَائِرِيِّ يَطْلُبُ مِنْهُ قِيَادَةَ المَرْحَلَةِ.

كَانَ جَوَابُهُ مَا يَجِبُ دَائِماً: «يَجِبُ أَنْ يَأْخُذَ الجِيلُ الجَدِيدُ مَكَانَهُ.

»لَيْسَ تَوَاضُعاً.

بَلْ حِكْمَةُ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ الزَّعَامَةَ الحَقِيقِيَّةَ هِيَ أَنْ تَتْرُكَ مَكَانَكَ لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ.

مَا قَالَهُ ابْنُ خَلْدُونَ وَلَمْ يَقُلْهُكَتَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ خَلْدُونَ في مُقَدِّمَتِهِ الخَالِدَةِ أَنَّ الدُّوَلَ لَا تَقُومُ وَلَا تَدُومُ إِلَّا بِالعَصَبِيَّةِ، تِلْكَ الرُّوحُ الجَمَاعِيَّةُ الَّتِي تَجْعَلُ الإِنْسَانَ يَضَعُ مَصْلَحَةَ الجَمَاعَةِ فَوْقَ مَصْلَحَتِهِ.

زَرُّوَالُ كَانَ تَجَسُّدَ العَصَبِيَّةِ في إِنْسَانٍ وَاحِدٍ.

لَمْ يَقْرَأِ المُقَدِّمَةَ لِيَتَعَلَّمَ الدَّرْسَ.

وُلِدَ يَحْمِلُهُ في دَمِهِ وَطِينِ الأَوْرَاسِ.

لَوْ عَاشَ ابْنُ خَلْدُونَ حَتَّى يَرَى هَذَا الرَّجُلَ يَقُولُ «سَأَرْحَلُ» في طَائِرَةٍ فَوْقَ إفْرِيقِيَا، لَأَضَافَ إِلى المُقَدِّمَةِ فَصْلاً سَمَّاهُ: «حِينَ تَتَجَسَّدُ الفَضِيلَةُ في إِنْسَانٍ.

».

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك