بالرغم من أنّ آلية انتخاب أعضاء مجلس الشعب في سورية لم تكن مُرضيةً بشكل كبير، بسبب آليات الاختيار التي لا تعتمد على انتخابات شعبية مباشرة، بل تحاول الاشتغال بطرق أخرى أقلّ ديمقراطية، بدعوى أنّها مؤسّسات مؤقّتة، وأنّ المقبل سيكون أفضل، ما يزال التعثّر والتأخّر طويلاً في إنتاج مجلس شعب جديد (وضروري)، محطَّ حوارٍ ونقدٍ شعبي ولدى نُخب سورية كثيرة.
إذ لا يمكن استيعاب هذه المدّة كلّها من التأخير، فقد أُنجزت الانتخابات الأولى في 5 أكتوبر/ تشرين الأول 2025 للمحافظات السورية التي لا تعتريها إشكالات، وتوافرت فيها سيطرة الدولة، وأُرجئت في مناطق شمال شرقي سورية ومحافظة السويداء.
هناك قوانين جديدة جدّ ضرورية وملحّة ينتظر السوريون أن تخرج من المجلس التشريعي المنتظروبعد الشروع في تطبيق الاتفاقات الموقعة مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وإجراء انتخابات في بعض المناطق شرقاً، ما زالت هناك محافظة السويداء التي لم تتحقق فيها التوافقات مع الحكومة، فبقيت المحافظة تتعثّر في الأكم والوهاد، في ظلّ عقبات تحول دون اتفاق يؤدّي إلى انضمام المحافظة الجنوبية إلى الدولة السورية.
صحيح أن الأمر يسير باتجاه الوصول إلى تفاهم قد يأتي متأخّراً، لكنّه سيأتي عاجلاً أو آجلاً، وينهي بالضرورة حالة الانفصال المؤقّتة، وتعمل إسرائيل ما استطاعت لتضع العثرات في طريق عودة السويداء إلى الوطن السوري.
لكنّ الحوار الجدّي بين الحكومة وفعّاليات السويداء في بداياته، ولا يبدو أنّ الأمور قد أصبحت قاب قوسين أو أدنى من التوصّل إلى التفاهم الذي قد يشبه في نتائجه ما حصل مع السوريين الأكراد في شمال شرقي سورية.
مع وجود هذه المعوّقات، فإنّ لسان حال الشارع السوري يسأل: إلى متى ننتظر إنجاز مجلس الشعب وتشكيله؟ خصوصاً أن لا أحدَ يستطيع التكهّن بالفترة التي قد تستغرقها إشكالات السويداء قبل حلّها، وهي التي قد ترتبط بما يجري من حرب إقليمية وتأثيراتها، باعتبار أنّ إسرائيل ما انفكّت تعتبر نفسها اللاعب الأهم في قضية السويداء.
ومن ثمّ، هل يبقى الحال السوري في قائمة الانتظار من دون مجلس للشعب؟ ومن دون مجلس للتشريع؟ في وقت تتراكم فيه المهام الكُبرى على عاتق المجلس المذكور، إذ إنّ هناك عشرات القوانين لا بدّ من صياغتها وعرضها على المجلس، حتى إنّ كثيرين انتقدوا مسألة إعلان الحكومة موازنةً ماليةً للدولة، أو إقرارها قبل تشكيله وعرضها عليه، وهي من مهامّه دستورياً، ولا يحقّ للحكومة أن تقرّ الموازنة المالية من دون نقاشها وإقرارها من المجلس المنتخَب.
بينما يرى آخرون أنّ هناك قوانين جديدة جدّ ضرورية وملحّة تنتظر أن تخرج من المجلس التشريعي المنتظر، كي لا تضطر وزارة الإعلام السورية، مثلاً، إلى أن تستعيض عن قانون للإعلام، جديد وعصري، بـ" مدوّنة سلوك" للإعلاميين تواكب حالة التغيير التي حصلت، وهي لا يمكن بأيّ حال أن تكون بديلاً من قانون عصري وديمقراطي للإعلام والمطبوعات ينتظره السوريون طويلاً.
علاوة على أنّ قوانين أخرى كثيرة لا تقلّ أهميةً عن قانون الإعلام ما زالت ماثلة وضرورية، منها ما ينتج حياة سياسية وحزبية، أي قانون للأحزاب، ويشكّل فراغاً كبيراً في الحياة السورية لا يمكن أن يُملأ بغير أحزاب وطنية تدفع إلى المشاركة السياسية وتحدّد آليات ذلك ضمن سقف القانون، وليس خارجه، على مبدأ استمرار المسكوت عنه كما كان سابقاً.
وإذا كان هناك اليوم من يرخّص لبدائل ما، منها إطلاق منتديات سياسية تحت تسميات ثقافية أو اجتماعية، تنضوي تحت هيمنة (وترخيص) وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ومن ثم قانون الجمعيات القديم الصادر عام 1959، الذي يتبع موضوعياً للوزارة تلك، فإنّ هذا الوضع لن يعوّض الفراغ الحزبي أبداً مع عدم وجود أحزاب سياسية وحياة سياسية حرّة، كان قد قمعها ومنعها نظام البعث – الأسد 54 عاماً، واكتفى بما سمّاها الجبهة الوطنية التقدّمية التي لم تكن سوى هياكل عظمية تابعة للنظام الأمني السوري الأسدي، وتتبع بالضرورة حزب البعث، فكانت هناك مادة في الدستور السابق تجعل من" البعث" قائداً للدولة والمجتمع (المادة الثامنة)، بالإضافة إلى ضرورة وجود قوانين أخرى كثيرة، منها قانون للعدالة الانتقالية بات ضروريّاً وليس في القوانين الحالية ما يعوّض عنه.
سورية تحتاج إلى الاستقرار ووحدة أراضيها وإعادة بناء المؤسّسات، ومنها وأهمّها مجلس الشعب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك