يني شفق العربية - الجيش السوداني يعلن صد هجوم للدعم السريع على منطقة استراتيجية وكالة سبوتنيك - إعلام: الجيش الأمريكي يواجه ضغوطا مالية بسبب الحرب على إيران وارتفاع سعر الوقود روسيا اليوم - مصدر إسرائيلي: بيان نتنياهو وكاتس حول الضاحية الجنوبية أفشل ضربة قاصمة استهدفت "حزب الله" الجزيرة نت - الكويت تنشر فيديو هجوم المسيرة الإيرانية على مبنى الركاب بمطارها الدولي سويس إنفو - القطاع المالي السويسري: مليارات للوقود الأحفوري رغم دعاوى الاستدامة وكالة سبوتنيك - مقتل 8 فلسطينيين وإصابة 15 آخرين في غارات إسرائيلية على مدينة غزة قناة القاهرة الإخبارية - نشرة أخبار السابعة صباحًا من القاهرة الإخبارية روسيا اليوم - كيم في زيارة لمصنع جديد لإنتاج المواد النووية: قدراتنا تضاعفت أكثر من مرتين في 5 سنوات وكالة الأناضول - قدم.. رئيس ريال مدريد يَعِد بتعيين مورينيو مدربا للنادي إذا أعيد انتخابه قناة الغد - 9 شهداء و15 جريحًا في سلسلة غارات إسرائيلية على غزة
عامة

«الألم النفسي» بين ثلاث عقبات: عدم الاعتراف.. ضعف التغطية

الوطن
الوطن منذ شهرين
2

الساعة تدق الثالثة فجراً في قرية صغيرة بمحافظة المنيا. . يغط الجميع في نوم عميق، بينما تقف هند «اسم مستعار» وحيدة على طريق زراعي مظلم، تنتظر الميكروباص الأول المتجه إلى القاهرة، وليس في جيبها سوى ثمن ...

ملخص مرصد
تعاني هند (اسم مستعار) من صعوبة الوصول للعلاج النفسي في محافظة المنيا، حيث تقطع 250 كم شهرياً للحصول على روشتة لمدة 10 دقائق مقابل رحلة علاج تستغرق 12 ساعة. كشفت بيانات المسح القومي للصحة النفسية 2023 تفاوتاً صارخاً في انتشار الاضطرابات النفسية بين المحافظات، مع تسجيل جنوب سيناء أعلى نسبة (62.5%) والمنيا (32.4%).
  • هند تقطع 250 كم شهرياً للحصول على علاج نفسي لمدة 10 دقائق فقط
  • مسح 2023: جنوب سيناء 62.5%، المنيا 32.4% من الإصابات النفسية
  • مركزية العلاج النفسي في القاهرة تترك محافظات الأطراف دون تغطية كافية
من: هند (اسم مستعار)، رامي (أستاذ الطب النفسي)، وزارة الصحة والسكان أين: محافظة المنيا، جنوب سيناء، القاهرة، محافظات الصعيد والدلتا

الساعة تدق الثالثة فجراً في قرية صغيرة بمحافظة المنيا.

يغط الجميع في نوم عميق، بينما تقف هند «اسم مستعار» وحيدة على طريق زراعي مظلم، تنتظر الميكروباص الأول المتجه إلى القاهرة، وليس في جيبها سوى ثمن أجرة السفر، وفي رأسها ضجيج لا يهدأ من أفكار سوداوية تلاحقها منذ شهور.

تقطع «هند» أكثر من 250 كيلومتراً ذهاباً وإياباً بين المنيا والقاهرة شهرياً لسبب واحد فقط: الحصول على «روشتة علاج».

وبعد 4 ساعات من الاهتزاز داخل العربة، وساعتين من الانتظار أمام مستشفي العباسية للصحة النفسية، تقف «هند» أخيراً أمام الطبيب لمدة لا تتجاوز 10 دقائق.

رحلة علاج تمتد إلى 12 ساعة، مقابل 10 دقائق فقط من الرعاية.

هند ليست حالة فردية، بل نقطة صغيرة في بحر المرضى النفسيين في مصر، الذين يدفعون فاتورة ما يمكن تسميته بـ«مركزية الألم»، حيث تتركز خدمات العلاج النفسي في العاصمة، وهو الأمر المتكرر في محافظات أخري كثيرة، خارج التغطية الصحية الفعلية.

جغرافيا الألم.

خريطة المعاناة في المحافظاتإذا كانت «هند» تشعر بالغربة في قريتها بالمنيا، فإن البيانات الرسمية وغير الرسمية تؤكد أنها ليست وحدها.

فهناك تفاوت صارخ في توزيع أعباء المرض النفسي بين محافظات الجمهورية، حيث تتركز المعاناة في مناطق بعينها، بينما تنخفض في أخري، ما يطرح تساؤلات عميقة حول ظروف المرضى النفسيين في تلك المناطق.

حصلت «الوطن» على بيانات المسح القومي للصحة النفسية، الذي أجرته الأمانة العامة للصحة النفسية بوزارة الصحة والسكان، خلال عام 2023 ومراجعة بيانات المسح القومي للصحة النفسية لعام 2009، ومن خلال تحليل بيانات مسح 2023 الذي اعتمد على مسح منزلي (من باب لباب) وشملت 28.

287 شخصاً تتراوح أعمارهم من 18-64 عاماً، أظهرت النتائج مفاجآت عديدة.

لم تكن مشاعر«هند» مجرد صدي للغربة، بل صرخة تؤكدها الأرقام التي أظهرت أن نسبة الإصابات في المنيا (32.

4%)، ما يجعلها عاصمةً للألم المخفي في وادي النيل، وتأتي بعد جنوب سيناء التي سجلت الصدمة الكبرى بواقع 62.

5%، وتكشف خريطة المعاناة عن تناقضات إنسانية موجعة، فبينما يعاني شمال الصعيد، يعيش جنوبه العميق «سوهاج والأقصر» هدوءاً استثنائياً، وفي الشمال تدفع القليوبية والبحيرة ضريبة نفسية أقسي من القاهرة المزدحمة، لتثبت البيانات أن الألم النفسي في مصر ليس مجرد أرقام، بل جغرافيا قاسية تتركز وطأتها بضراوة في مناطق بعينها، تاركة «هند» وجيرانها من أبناء المحافظات في قلب المعاناة.

تفاصيل «الألم الخفي» للمصريينإذا كانت الجغرافيا قد حددت «أين يسكن الألم»، فإن الفحص الإكلينيكي قد أجاب عن السؤال الأصعب «هل يوجد ناجون؟ »، إذ قسم الفحص تحت عنوان «مم يعاني المصريون؟ » أنواع الاضطرابات النفسية الأكثر شيوعاً حسب الفئة العمرية، البالغين فئة «على ضخامتها»، والأطفال فئة «على اتساعها أيضاً»، لم يعد الأمر مجرد شعور عابر بالضيق أو الحزن، بل تحول إلى أرقام طبية لها مسميات واضحة.

تكشف نتائج المسح القومي للصحة النفسية (2023) عن واقع مفزع، فالألم النفسي في مصر ليس كتلة واحدة صماء، بل هو وحش متعدد الرؤوس.

في الرسوم البيانية التالية، نضع أيدينا على «اسم المرض».

الخطوة الأولي للتشخيص والعلاج.

وبينما يهرب الكبار من ضغوط الحياة إلى فخ الإدمان، أو يسقطون في بئر الاكتئاب، يخوض الأطفال معارك صامتة داخل الفصول والبيوت، حيث يطاردهم ‹فرط الحركة ويسرق انتباههم، وتترك الصدمات ندوباً مبكرة على أرواحهم البريئة.

وإذا كانت «هند» تعاني من قسوة المسافات، فإن «محمد» البالغ من العمر 30 عاماً، يعاني من قسوة الفواتير، ابن محافظة البحيرة الذي كان نموذجاً للنجاح في الخارج، عاد بعد أزمة كورونا بـ«اغتراب نفسي» وليس مجرد خسارة الوظيفة فحسب.

تحول الشاب الهادئ -أمام تحدٍ جديد وغريب عليه، وضائقة مادية تحاصره من كل اتجاه، وفقدان للأمان في أقسي صوره- إلى شخص يحاول التخلُّص من حياته أكثر من مرة بقطع شرايينه، وتدفعه الضلالات العقلية إلى مهاجمة زوجته محاولاً خنقها.

ولأنه ابن تقاليد القرية، كان «الدجال» هو المحطة الأولي في طلب العلاج، ليقع فريسة استنزاف أموال الأسرة مقابل «الوهم».

وحين انتصر العلم في النهاية، اصطدم «محمد» بواقع آخر «العلاج النفسي رفاهية ومكلف»، هذا ما وصل إليه بعد رحلة علاج في مستشفيات خاصة وعيادات خارجية، وصلت تكلفتها إلى أكثر من 75 ألف جنيه، وهو رقم ينافي ضائقته الأساسية التي أصابته بالاضطراب النفسي، ويطرح في ذهنه سؤالاً مرعباً: إذا كان هذا حال الميسورين، فماذا يفعل الفقراء؟جيل «الأون لاين».

الهروب من الوصمة للشاشاتمن قصة «محمد» إلى قصة أبطال مسلسل «ميد تيرم» من الشباب المعروض حالياً على منصة WATCH IT، ويتابعه كثير من المشاهدين الذين يحبسون أنفاسهم مع أبطال العمل أثناء هروبهم من جحيم المرض النفسي إلى عالم تطبيق «فرويد» الافتراضي، بعيداً عن أعين الأهل، كان الواقع خارج الشاشة يرسم سيناريو أكثر قسوة.

ما اعتبره البعض حبكة درامية عن لجوء الشباب للتطبيقات المجهولة هرباً من وصمة العار العائلية، لم يكن خيالاً، بل حقيقة دامغة تؤكدها لغة الأرقام في هذه الدراسة.

84% من الطلاب المصريين يفضلون الحلول الرقمية بحثاً عن الخصوصية، بينما يقف الخوف من «حُكم الأهل» حائلاً أمام 89% منهم لطلب العلاج المباشر، ما يتركهم فريسة لتطبيقات قد لا تكون البديل الآمن دائماً.

وشباب الجامعات لا يواجهون المرض وحدهم فحسب، بل يقعون فريسة لغياب التوجيه الصحيح، وهو ما ينتهي بهم -تماماً كما في المسلسل- إلى مشاكل كبري.

حصلت «الوطن» على دراسة حديثة باللغة الإنجليزية بعنوان «التعرض الرقمي والصحة النفسية» (Digital Exposure and Mental Health) نشرت في ديسمبر 2025.

ومن خلال تحليل بيانات المسح الذي تم في قلب الدلتا (محافظة المنوفية) على عينة من 500 طالب وطالبة في 4 كليات (2 عملية: الطب والتمريض، و2 نظرية: التجارة والآداب، كشف عن أن الطلاب يفضلون الهروب إلى «التطبيقات الإلكترونية» بدلاً من الطيب النفسي.

هكذا تكشف الدراسة عن واقع يتطابق تماماً مع سيناريو «ميد تيرم»، فالطالب المصري بات يعيش حصاراً مزدوجاً.

من جهة، يطارده «رعب الأسرة» الذي وصل لمستويات قياسية بنسبة 89% جعلته يفضل المعاناة وحيداً على طلب المساعدة.

ومن جهة أخري، يواجه «غياباً مؤسسياً» داخل جامعته، حيث يجهل أكثر من نصف الطلاب 52.

9% وجود خدمات نفسية من الأساس، أو لا يثقون في سريتها.

أمام هذا الأفق المسدود، لم يكن الهروب إلى «التطبيقات وروبوتات الدردشة» رفاهية تكنولوجية، بل هو «الخيار الاضطراري» الوحيد لجيل يبحث عن أذن تسمعه دون أن تحاكمه أو تفضحه.

نحن إذاً لا نواجه أزمة مرض فحسب، بل أزمة «ثقة» دفعت آلاف الطلاب لاستبدال الطبيب البشري بـ«خوارزميات» مجهولة المصدر وغياب الوعي بالمنصات الرسمية لوزارة الصحة المسئولة عن العلاج النفسي، مثل المنصة الإلكترونية للصحة النفسية، ليعالجوا أنفسهم في الخفاء، وتلك هي الكارثة الصامتة التي قد تكون فاتورتها أثقل من المرض ذاته.

وهو ما أكده الواقع من خلال تجربة هند التي تتشابك خيوط الدراسة مع واقعها المؤلم.

فرغم أن الدراسة تشير إلى التكلفة كعائق أول، إلا أن «هند» تتكبد تكلفة ومشقة السفر «المادية» لتفادي تكلفة الوصمة «الاجتماعية».

تقول «هند» بمرارة: «في بلدنا، المريض النفسي بيتحكم عليه بالإعدام حياً.

لو حد شافني خارجة من عيادة خاصة لدكتور نفساني، تاني يوم هبقي المجنونة في نظر الكل.

فرصتي في الجواز هتنتهي، وممكن شغلي يضيع لأن ماحدش بيآمن لمريض نفسي».

وتضيف مفسرة سبب رفضها للحلول البديلة المنتشرة في الريف: «نصحوني أروح لمشايخ ودجالين يفكوا العمل اللي معمول لي، والوصمة عندهم أخف من وصمة الطب النفسي، بس أنا رفضت.

عشان كده اخترت الحل الصعب.

السفر للقاهرة أرحم وأحن عليّا ألف مرة.

التذكرة اللي بقطعها دي تمن «الستر».

عشان أرجع سليمة من غير ما سمعتي تتدبح».

بين سندان التكلفة ومطرقة الوصمة، تظل رحلة العلاج النفسي في مصر «طريقاً زراعياً مظلماً»، يقطعه قلة قليلة مثل «هند»، بينما يظل آلاف آخرون قابعين في الظل، خوفاً من العار أو عجزاً عن الدفع.

يقول الدكتور هشام رامي، أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس، إن الأزمة الحقيقية للصحة النفسية في مصر لا تكمن في المرض نفسه، بل في ما يُعرف بـ«الوصمة والعار» المرتبطين بالمريض النفسي.

وأوضح أن هذه الوصمة لا تأتي فقط من المجتمع، بل أحياناً من داخل الأسرة، ومن المحيط القريب، وللأسف من بعض أطباء التخصصات الطبية الأخري.

وأضاف «رامي» أن لجوء الشباب إلى التطبيقات الإلكترونية أو الأصدقاء عند مواجهة مشكلات نفسية يعد أمراً طبيعياً، إلا أن الأزمة الحقيقية تكمن في ضعف الوعي بطبيعة المرض النفسي، واعتباره حالة طارئة يمكن تجاوزها دون تدخل متخصص.

لافتاً إلى أن الجيل الجديد من الشباب يواجه تحديات معقدة تشترك في بعض جوانبها مع الأجيال السابقة، لكنها تتخذ أشكالاً أكثر حدة وتأثيراً، في ظل الضغوط النفسية والاجتماعية والظروف المادية المتسارعة في العصر الحالي.

وأشار «رامي» إلى أن نحو 20% من المصريين، أي ما يقارب ربع عدد السكان، يعانون من أعراض نفسية مثل القلق، والتوتر، واضطرابات النوم، لكن أغلبهم لا يعترف بهذه الأعراض، باعتبارها مرضاً يحتاج إلى علاج، و80% من مرضي الاكتئاب في مصر لا يتلقون أي علاج، إما خوفاً من الوصمة الاجتماعية، أو بسبب تشخيص خاطئ، تحت مسميات شائعة مثل: قلة الإيمان، أو الضعف، أو اعتماداً على موروثات ثقافية مغلوطة.

ولفت إلى أن عدداً كبيراً من المرضى لا يعبر عن معاناته النفسية بشكل مباشر، بل يشكو من أعراض جسدية، مثل الصداع، وآلام الظهر، واضطرابات القولون، فيتجه إلى أطباء الباطنة أو القلب، بينما تكون الحقيقة أن الجسد هنا يتحدث بدلاً من اللسان، لأن المريض يشعر بالخجل أو الخوف من أن يقول صراحة: أنا مكتئب.

وشدد «رامي» على أن وزارة الصحة حاولت القضاء على الفجوة العلاجية من خلال المنصة الوطنية للصحة النفسية التي يوجد بها خصوصية وغرف «أون لاين» نوعية وترشد لمكان العلاج الصحيح، وسجلت أكثر من 120 ألف زيارة لها.

لكن تفاقم المشكلة يبدأ حين يتأخر طلب المساعدة الطبية، مشيراً إلى أنه في المجتمعات الأقل وعياً بالصحة النفسية يلجأ بعض المرضى إلى المعالج التقليدي، سواء كان شيخاً أو دجالاً، بحثاً عن حل، وهو ما يؤدي في كثير من الأحيان لتأخر العلاج الصحيح وزيادة حدة الأعراض.

وأكد أن التدخل المبكر في علاج الاضطرابات النفسية يعد عاملاً حاسماً، إذ يساعد المريض على تخطي الأزمة بصورة أسهل وأسرع.

العلاج.

«رفاهية» لا يملكها الجميعظنت «هند» أن مأساتها انتهت بمجرد الخروج من بوابة مستشفي العباسية، لكنها لم تكن تعلم أن فصلاً جديداً من العذاب ينتظرها، فالحصول على «الروشتة» ليس إلا نصف المعركة، أما النصف الآخر فهو صرفها.

وجهتها الإجبارية التالية «صيدلية الإسعاف» برمسيس، المكان الوحيد الذي قد تجد فيه ضالتها.

هناك، تدخل في سباق لاهث مع الوقت، فالحضور بأصل الروشتة والبطاقة الشخصية يجب أن يكون قبل 9 مساءً.

لتقف «هند» أمام الشباك الزجاجي، لا تواجه فقط روتين الصرف الصارم، بل تواجه «نظرة الاتهام» في عين الموظف.

نظرة قاسية تري في كل حامل لروشتة «أدوية الجدول» مدمناً محتملاً، لا مريضاً يتألم.

وتحت أضواء الصيدلية الباهتة، وقفت «هند» تعد النقود في يدها المرتعشة للمرة الثالثة.

عيناها تنتقلان في توتر بين الدقائق التي تتسرب، وبين العملات الورقية المهترئة.

في تلك اللحظة، كانت تدور في رأسها «معادلة حسابية قاسية»، تفوق قسوة الاكتئاب نفسه: الفلوس هتخلص على ثمن الدواء وأجرة العودة للمنيا ومش هيتبقي حاجة أجيب بها لقمة أسد بها جوعي».

اضطرت هند بعد صرف الدواء، للعودة للمنيا جائعة.

جغرافيا الحرمان و«القاهرة» طوق النجاةالاستراتيجية القومية للصحة النفسية جاء في تقريرها الصادر عام 2024 ما عجزت عنه الكلمات.

فبينما تصرخ محافظات الصعيد (مثل المنيا) من ارتفاع معدلات المرض، تتركز خدمات العلاج في مكان آخر تماماً.

وتؤكد الاستراتيجية الوطنية للصحة (2024) هذه المفارقة بوضوح، حيث تشير البيانات إلى أن المناطق الريفية تسجل معدلات انتشار أعلى للاضطرابات النفسية مقارنة بالمناطق الحضرية، وأرجعت الاستراتيجية ذلك إلى «نقص الخدمات في الريف» وهو ما جاء واضحاً من تحليل بيانات دليل مستشفيات الصحة النفسية في عدد الأسرة في كل مستشفي في محافظات مصر.

تكشف البيانات التي حصلنا عليها في دليل مستشفيات الصحة النفسية أن إقليم القاهرة الكبرى (القاهرة والجيزة والقليوبية) يستحوذ وحده على «نصيب الأسد» من السعة السريرية.

مستشفي العباسية يتربع على القمة بسعة 1504 أسرّة، ويجاوره في القليوبية مستشفي «الخانكة» بسعة إجمالية تصل بعد التطوير لنحو 1800 سرير، إضافة إلى مستشفي «حلوان» بسعة (323 سريراً).

نحن أمام تكتل مركزي يضم أكثر من 3600 سرير في نطاق جغرافي واحد.

الدلتا والصعيد خارج التغطية على النقيض تماماً، تهبط الأرقام بشكل دراماتيكي بمجرد الخروج من كردون العاصمة.

فمحافظة مليونية مثل المنوفية -التي أثبتت دراستنا معاناة طلابها- لا تتوافر بمستشفاها المركزي بشبين الكوم سوى 105 أسرّة فقط (80 للنفسية و25 للإدمان).

هذه المعادلة المختلة تعني أن سريراً واحداً في المنوفية يقابله أكثر من 30 سريراً في محيط العاصمة.

وحتى الإسكندرية، العاصمة الثانية، يقف مستشفاها الرئيسي «المعمورة» عند سعة 948 سريراً، ليخدم قطاع غرب الدلتا والساحل الشمالي بأكمله.

أما في صعيد مصر (المنيا، سوهاج، أسيوط)، فتغيب الأرقام الدقيقة عن السعة السريرية في الدليل الرسمي، مما يشي بإمكانيات محدودة لا تقارن بطوفان المرضي، ويفسر لماذا يظل السفر للقاهرة› هو الخيار الإجباري -والمكلف- لآلاف المرضي».

لغز الـ 25 ملياراً.

أين تذهب أموال الصحة النفسية؟عكس الاعتقاد السائد بأن الصحة النفسية «ساقطة من حسابات الدولة»، تكشف الأرقام الرسمية عن مفاجأة مدوية.

فوفقاً لتقرير الحسابات الصحية الوطنية الوارد في استراتيجية الصحة 2024 - 2030، استحوذت «الاضطرابات النفسية والسلوكية والأمراض العصبية» على 10% من إجمالي الإنفاق الصحي في مصر (الذي بلغ 255.

6 مليار جنيه في عام 2019/2020).

هذا يعني بلغة الأرقام أن الدولة أنفقت نحو 25.

56 مليار جنيه على هذا القطاع في عام واحد.

والسؤال الذي يطرحه هذا التحقيق: إذا كانت المليارات موجودة، فلماذا لا يجد «محمد» سريراً في مستشفي حكومي؟ ولماذا تقطع «هند» مئات الكيلومترات بحثاً عن طبيب؟الإجابة تكمن في «فجوة الوصول».

فالإنفاق الكبير (الذي يشمل أيضاً الأمراض العصبية المكلفة كالسكتات الدماغية وغيرها) لا يترجم إلى خدمات نفسية مباشرة للمواطن العادي، حيث تكشف الاستراتيجية نفسها أن معدل التغطية الفعلية للمرضي لا يزال ضئيلاً بشكل صادم.

وهو ما أكده رامي أستاذ الطب النفسي من أن الدعم المادي مؤخراً موجود للصحة النفسية، لكن الأزمة الحقيقية للصحة النفسية في مصر هي غياب الوعي، وأن هناك دمجاً للطب النفسي في منظومة العلاج الأولي لتدريب الأطباء على التشخيص مبكراً.

وذكرت الاستراتيجية الوطنية نصاً أن «نظام تقديم الخدمات الصحية في مصر مجزأ للغاية، ما يعيق وصول سكان الأطراف للخدمة، وهو ما تحاول منظومة التأمين الصحي الشامل الجديدة علاجه، لكن الطريق لا يزال طويلاً».

كيف نعيد رسم خريطة العدالة النفسية؟الأرقام تفرض ضرورة عاجلة لإعادة رسم خريطة الخدمات النفسية، بحيث تنتقل من المركزية إلى «استهداف البؤر الساخنة»، مع إعطاء أولوية قصوي لمحافظات الأطراف وسيناء التي تفتقر للبنية التحتية المتخصصة رغم تصدرها نسب الإصابة».

ويكمن طوق النجاة الحقيقي في «وحدة طب الأسرة» بالقرية، فدمج خدمات الصحة النفسية داخل منظومة الرعاية الأولية هو السبيل الوحيد لإنقاذ آلاف المرضى في ريف الصعيد والدلتا، ما يوفر العلاج في البيئة المحلية ويزيل وصمة الذهاب لمستشفي الأمراض العقلية».

أمام العزلة الجغرافية لمحافظات الحدود، يصبح «التطبيب» عن بُعد ضرورة لا رفاهية.

يتطلب الأمر توسيع مظلة المنصة الوطنية للصحة النفسية، لتصل خدماتها مجاناً إلى سكان الوديان في سيناء، لكسر حاجز المسافة الذي يضاعف الألم».

علاوة على أن «الأرقام المنخفضة جداً في الجنوب تستدعي حملات توعية نوعية تكسر حاجز الصمت، وتشجع على الإفصاح عن الألم النفسي باعتباره مرضاً يستوجب العلاج لا وصمة تستوجب الإخفاء، خاصة في المجتمعات الأكثر تحفظاً».

الخروج من النفق: بين عدالة التوزيع وكسر الصمت«لا يكمن الحل في بناء مزيد من الجدران الأسمنتية في العاصمة، بل في مد جسور العلاج إلى حيث يسكن الألم الحقيقي.

روشتة الإنقاذ تبدأ بدمج الطب النفسي في الوحدات الصحية لقري المنيا، وتفعيل التكنولوجيا لنجدة سكان جبال سيناء، مع إطلاق حوار مجتمعي شجاع يمنح سكان الجنوب «حق الشكوي» دون خجل.

الصحة النفسية ليست ترفاً للأغنياء في المدن، بل حق إنساني يجب أن يصل إلى «هند» في قريتها ومحمد وغيرهما من الشباب قبل فوات الأوان».

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك