“الإنساني” فينا هو الجوهري، لذلك فمن فقد جوهره “الإنساني” غالبًا ما يفقد القدرة على إدراك مشاعر الآخرين، ومعاناتهم وتطلعاتهم.
وترجمة ذلك عمليًّا فقد التعاطف الإنساني بسبب غيمة الآيديولوجيا أو البلادة، أو بسبب تحول المعاناة إلى مجرد مشهد عابر تم اعتياده.
فعندما يغيب التعاطف، يتوقف الدماغ عن رؤية الآخرين كبشر، ويتحولون إلى مجرد “أرقام” أو “أشياء”.
وهذا غالبا ما يفضي إلى تبرير الأذى الذي يصيب الآخر، بسبب فقدان التعاطف الإنساني.
ويترجم ذلك في السياسة في تقبل الفرد للقسوة وتبريرها، وفي غياب التعاطف السياسي إلى استحالة التسوية مع الآخر.
حيث يكون الصراع وجوديًّا باعتبار الآخر تهديدًا، يجب سحقه بدلاً من التفاوض معه.
إننا كبشر عندما نسير في الشوارع والطرقات، ونجلس في مختلف الفضاءات في مختلف البلدان، ونرى تلك الوجوه بألوانها المتعددة، فإننا لا نرى في الواقع سوى الإنسان، يلفه النور والظلام والأمل والنسيان، في رحلة الهراء العنصري والطائفي والآيديولوجي.
فتلك الوجوه لا تجمعها سوى الإنسانية، ولا يمكن أن تستقل بثقافاتها من أجل إيقاظ الحروب، إنما تستثمر الخلاف لبناء ثقافة متعددة.
بوسعنا كي نحافظ على إنسانيتنا، التمسك بـ “الحس الإنساني” فينا ولا ندعه يموت أو يتبلد، فنقف برهبة أمام ألم الإنسان واحتياجه وجراحاته، لأنه لا شيء يشبهنا في الكون مثل الإنسان، ولا شيء يجب أن يعنينا أكثر من كرامته التي منحها الخالق له، فكل إنسانيته، هي كل إنسانيتنا التي يحميها الضمير.
فمهما اختلفنا لا يجب أن نفقد هذا الحس، لأن فقده يؤدي إلى التوحش والقسوة، وإلى سلسلة من الأفعال الدنيئة.
وأحداث التاريخ القديم والحديث تنبئنا بأن أكثر الأفعال توحشًا، ناجمة في الأساس عن ذلك الفقد، عندما يتحول الإنسان إلى لا إنسان، فيفتك بالآخر فتكًا.
إن فقدان الحس الإنساني، إذا ما حدث، يقود إلى كارثة في العلاقات الاجتماعية والإنسانية، بعكس التعاطف الذي يغذّي الأمل ويوسع الإنساني فينا، وينشر التفهم والتعاطف والاحترام.
ولذلك فإن الذين يفتقدونه، هم نوع من الوباء، قاصرون عن تحقيق وجودهم إلا بإيذاء الآخرين والفرح لمصابهم، بما ينم عن موت الإنسان في قلوبهم، وزوال نوازع الخير من ضمائرهم، يستخدمون شيطان العقل واللغة بأقصى شره، وعندما تكون القسوة مُدركةً لفعلها، فإنها تكون مروعة ومهلكة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك