بعد أن استعرضنا تفاصيل رحلة وانغ هونينغ إلى أمريكا، وكتابه الذي خرج به من تلك الرحلة، يبقى لنا أن نتساءل عن مدى موافقة الواقع للكتاب، وعن الأثر الذي تركته معاينة الكاتب للواقع الأمريكي في فكره وسلوكه، وعما يعنينا كعرب في هذا الكتاب.
وانغ كتب عام 1991 ما بدا آنذاك تشخيصا أكاديميا جريئا، وأثبت الزمن أنه كان شهادة على مستقبل كان يتشكل في الخفاءحين يصادق الزمن النبوءة وحين يخفق الكتابثمة طريقة قاسية لاختبار أي كتاب سياسي؛ أن تعود إليه بعد ثلاثين سنة وتسأل: هل تحقق ما تنبأ به؟ «أمريكا ضد أمريكا» صدر عام 1991 عن أمريكا عام 1988، وحين تقرؤه اليوم يصيبك شيء يشبه الدهشة من دقة ما رصده.
وانغ تنبأ بتآكل «التقديس» المؤسسي الأمريكي، ذلك الرابط الجمعي الذي يجعل المواطنين يقدسون مؤسساتهم فوق اختلافاتهم السياسية.
وفي يناير/كانون الثاني 2021 اقتحمت حشود مبنى الكابيتول، رمز الديمقراطية الأمريكية وقلبها، وكسرت ما ظنه كثيرون راسخا إلى الأبد.
وحين أعيد انتخاب ترامب عام 2024، أدرك المتأملون أن ما جرى في الكابيتول كان عرضا لأزمة بنيوية مزمنة، كان وانغ يؤرخ لتشكلها منذ 1988.
وتنبأ بخطر الفردية المتطرفة على تماسك الأسرة والمجتمع، وهو خطر لم يبق أمريكيا، بل أصبح ظاهرة غربية عالمية؛ فمعدلات الزواج تتراجع، والمواليد تنخفض، وأعداد العازبين ترتفع، والعزلة الاجتماعية باتت وباء تحذر منه منظمة الصحة العالمية.
الأسرة التي رأى وانغ بذور تفككها في أمريكا عام 1988 باتت في أزمة عميقة في كل المجتمعات الغربية، بل تمتد موجات تفككها إلى المجتمعات غير الغربية التي تستورد النموذج الثقافي الأمريكي مع كل منتج ترفيهي، وكل منصة رقمية.
وانغ كتب عام 1991 ما بدا آنذاك تشخيصا أكاديميا جريئا، وأثبت الزمن أنه كان شهادة على مستقبل كان يتشكل في الخفاء.
ويبقى سؤال يختم قراءة الكتاب بأناقة: وانغ أبدع في تشخيص الأعراض وأصاب في رصد جذورها، غير أن جوابه الضمني عن العلاج (الدولة القوية التي تدير الموروث وتبني التقديس وتدير المجتمع من فوق) جواب يحمل سؤاله الأكبر بداخله: من يحمي الموروث من الدولة ذاتها حين تستأثر بتعريفه وتحوله إلى أداة سيطرة؟ سؤال تركه وانغ مفتوحا، ربما لأن الإجابة الحقيقية عنه تتجاوز حدود علم السياسة إلى ما هو أعمق منه.
في أواخر التسعينيات وجد جيانغ زيمين نفسه أمام معضلة أيديولوجية حادة: الصين تتبنى اقتصاد السوق وتنتج جيلا من المليارديرات، والحزب يعرف نفسه بأنه «حزب الطبقة العاملة» الرافض للرأسماليةمن الصفحة إلى السياسة: كيف تحولت الملاحظات إلى قراراتحين عاد وانغ إلى شنغهاي عام 1989، كانت الصين على أعتاب لحظتها الأكثر كثافة: احتجاجات تيانانمن والصمت القسري الذي أعقبها.
في تلك الأجواء، كان بوسعه أن يصبح صوتا ناقدا للغرب ينسجم مع المزاج الرسمي، لكنه اختار مسارا أدق وأذكى: أن يحول ما رآه إلى برنامج يتعلم منه الحزب.
الدرس الجوهري الذي استخلصه لم يكن «أمريكا في انهيار؛ إذن نحن أفضل»، بل «أمريكا قوية لأسباب قابلة للتعلم، وهشة لأسباب جديرة بالتجنب».
من الجانب الأول: الاستثمار في التعليم والتكنولوجيا، وبناء قيم وطنية مقدسة تمنح المجتمع تماسكا روحيا، واعتماد آليات ناعمة للتأثير الاجتماعي.
ومن الجانب الثاني: تجنب الفردية المفرطة التي تفكك الأسرة وتضعف الرابط الجمعي.
ما فعله وانغ بكتابه أبعد من النقد وأوسع من الإطراء؛ استخرج من أمريكا معمل نجاحها لينشئه في الصين، وعزل فيروس انهيارها ليحصن منه الدولة الصاعدة.
في عام 1995 دخل مجمع تشوننانهاي مديرا لمكتب بحوث السياسة المركزي (المختبر الفكري الذي يغذي الزعيم الأعلى بالمفاهيم والخطابات والرؤى)، وهناك بدأت رحلته في تطبيق درسه العملي الأكبر في ثلاث محطات متتالية:المحطة الأولى: «نظرية الممثلين الثلاثة».
كيف يكون الحزب شيوعيا ورأسماليا في آن واحد؟في أواخر التسعينيات وجد جيانغ زيمين نفسه أمام معضلة أيديولوجية حادة: الصين تتبنى اقتصاد السوق وتنتج جيلا من المليارديرات، والحزب يعرف نفسه بأنه «حزب الطبقة العاملة» الرافض للرأسمالية.
الحرج الفلسفي كان صارخا: كيف يظل الحزب أمينا لماركس بينما يحتفي برجال الأعمال؟جاء وانغ بإجابة ذكية أسماها «نظرية الممثلين الثلاثة»: الحزب الشيوعي الصيني يمثل في آن واحد قوى الإنتاج الأكثر تطورا في الصين، والثقافة الأكثر رقيا، والمصالح الجوهرية للشعب في مجمله.
ما تعنيه هذه الصياغة عمليا أن الحزب لم يتخل عن ماركس، بل وسع تعريفه، إذ فتح الباب رسميا أمام انضمام رجال الأعمال إلى الحزب الشيوعي، دون أن يعلن تراجعا أيديولوجيا صريحا.
الدرس الأمريكي حاضر هنا: وانغ رأى كيف تعيد الأيديولوجيات الكبرى تعريف نفسها دون أن تتخلى عن راياتها؛ فطبق المنطق ذاته.
المحطة الثانية: «رؤية التنمية العلمية» و«المجتمع المتناغم».
حين ينتج النمو جرحه بنفسهحين جاء هو جينتاو عام 2003 إلى سدة الحكم، كانت الصين قد حققت معدلات نمو أذهلت العالم، لكنها حققت معها تفاوتا اجتماعيا حادا بين الساحل الغني والداخل الفقير، وتلوثا بيئيا يسمم المدن، وفسادا يأكل الثقة.
كان النمو يصنع الثروة بيد، ويصنع بذرة عدم الاستقرار بيد أخرى، وكان وانغ يرى في ذلك صدى واضحا لما شاهده في أمريكا من فجوة بين المثل والواقع.
قدم وانغ ركيزتين فكريتين متكاملتين: «رؤية التنمية العلمية» في جوهرها تصحيح لمسار النمو الأعمى، حيث التنمية الحقيقية تقوم على أربعة أبعاد متوازنة: الإنسان في المركز، والشمولية التي تطول كل الفئات، والتنسيق بين المناطق، والاستدامة للأجيال القادمة.
أما «المجتمع المتناغم» فهو أعمق فلسفيا، إذ يستعيد من الكونفوشيوسية فكرة التوازن بين الفرد والأسرة والدولة، وهو تحديدا ما رآه وانغ غائبا في الأسرة الأمريكية المتفككة.
المحطة الثالثة: «الحلم الصيني».
حين تستعيد حضارة قديمة ذاكرتهاحين جاء شي جينبينغ عام 2012، كانت الصين أمام سؤال الهوية الكبرى: من نحن في عالم تتنافس فيه الحضارات؟ صاغ وانغ الإجابة في «الحلم الصيني»، وفيه اقتراض واع ومتعمد من «الحلم الأمريكي»، الذي درسه وانغ في الكتب وشاهده في الشوارع.
غير أنه انتبه إلى الفارق الجوهري بين الحلمين؛ فالحلم الأمريكي فردي (الطفل الحافي يصبح رئيسا بجهده الشخصي)، أما الحلم الصيني فجمعي (نهضة أمة تسترجع مكانتها الحضارية التي فقدتها في قرون الإذلال منذ حروب الأفيون عام 1839، والفرد يقيس نجاحه بمقدار ما أسهم في نهضة الصين).
«الحلم الأمريكي» يقول للفرد: افعل ما تشاء وانجح، و«الحلم الصيني» يقول للأمة: انهضي مجتمعة واسترجعي مكانتك.
في هذا الفارق يسكن الاختلاف الحضاري الكامل بين المشروعين.
وإلى جانب «الحلم الصيني»، صاغ وانغ الغلاف الدولي لهذا المشروع في «مبادرة الحزام والطريق»، وهي في بعدها الخطابي ترجمة للدرس الأمريكي الذي استخلصه وانغ: أمريكا تهيمن بجامعاتها أكثر مما تهيمن بأسطولها.
فالطريق الذي تبنيه الصين، والموانئ التي تشيدها، تحمل رسالة ناعمة: الصين تبني، والغرب يشترط، وهذا التمييز بين الشريك الذي يقدم والوصي الذي يفرض هو لب الخطاب الصيني للشعوب غير الغربية.
وفي كل مرة، ظل الاسم على الغلاف للزعيم، وظل وانغ في الظل يرسم.
وانغ يرى في الموروث الحضاري والأعراف المقدسة عمودا فقريا لكل مجتمع متماسك، وهو ما يجعله يستحسن عمق التراث العربي الإسلامي في المبدأ، لكنه يرى أيضا أن المنظومة القيمية ينبغي أن تخدم تماسك الدولةوانغ والعالم العربي: لماذا يعنينا هذا الكتاب؟مبادرة «الحزام والطريق»، التي تمتد شرايينها عبر موانئ الخليج، وبنية تحتية في شمالي أفريقيا، وخطوط سكك حديد تربط مدنا عربية بالعالم، وانغ هو الذي وضع إطارها الفكري.
الخطاب الذي تقدم به الصين نفسها بوصفها «شريكا غير مشروط» يبني دون أن يشترط قيما، صاغه وانغ انطلاقا من درسه الأمريكي في فهم القوة الناعمة.
الوساطة الصينية، التي جمعت المملكة العربية السعودية وإيران في مارس/آذار 2023، مفتاحها النظري صنعه وانغ، حين أسس لمفهوم الصين بوصفها طرفا يركز على المصالح المشتركة بعيدا عن الأجندات الأيديولوجية.
كما أن كثيرا مما رصده وانغ في أمريكا كبذور أزمة (تفتت الهوية الجمعية، وتآكل الثقة في المؤسسات، والفردية المفرطة التي تضعف الرابط الاجتماعي) يشكل حجة ضمنية يوظفها الخطاب الصيني في حواره مع شعوب تبحث عن بدائل للنموذج الغربي.
والمنطقة العربية، التي تعاني هي الأخرى من أزمات الهوية والثقة في مؤسساتها، مخاطبة بهذا الخطاب بشكل مباشر.
بيد أن في الكتاب نفسه ما يجدر بالقارئ العربي التنبه إليه: وانغ يرى في الموروث الحضاري والأعراف المقدسة عمودا فقريا لكل مجتمع متماسك، وهو ما يجعله يستحسن عمق التراث العربي الإسلامي في المبدأ، لكنه يرى أيضا أن المنظومة القيمية ينبغي أن تخدم تماسك الدولة، وهذا يجعل الشراكة الصينية العربية في حقيقتها تقاطع مصالح أكثر منها تقاطع قيم.
الفهم الدقيق لهذا الفارق ضروري لكل مفاوض أو صانع قرار عربي يجلس في مواجهة نظيره الصيني.
من أراد أن يفهم ماذا تريد الصين من منطقتنا، عليه أن يقرأ وانغ قبل أن يقرأ أي وثيقة دبلوماسية؛ لأن وثائق الدبلوماسية تنقل القرار، أما وانغ فيكشف الرؤية التي أفرزته.
الكتاب وثيقة لعقل سياسي بارد يجعل من القيم أدوات ومن الموروث مواردالدفتر الصغير والعالم الكبيرفي مطلع عام 2021، ومع اقتحام حشود مبنى الكابيتول الأمريكي في مشهد مذهل أصاب العالم بصدمة، شهدت الصين موجة اهتمام لافتة بكتاب وانغ هونينغ «أمريكا ضد أمريكا»، الصادر قبل نحو ثلاثين عاما.
وقد ارتفع سعر بعض نسخه النادرة في سوق الكتب المستعملة إلى نحو 16 ألفا و666 يوانا، أي ما يقارب 2500 دولار آنذاك، بعدما توقفت طبعته الأصلية عن التداول منذ سنوات، وعلى المنصات الصينية بدا الكتاب لكثيرين وكأنه نص يستعاد في لحظة بدت لبعض القراء أقرب إلى تحقق نبوءة سياسية.
اليوم، يحتل وانغ هونينغ المرتبة الرابعة في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي (أعلى هيئة في الصين)، ويشرف على الملف الأيديولوجي والتعليمي، وعمليات الجبهة المتحدة، وملف تايوان.
وعلاقته بــ«شي جينبينغ» توصف بأنها تتخطى العلاقة بين رئيس وموظف؛ فأحد المشاركين في وفد رئيس تايوان السابق لقي وانغ وشي في اجتماع مباشر، فأفاد بأن وانغ تحدث أمام شي بثقة واضحة وجلس بجانبه، في حين وقف الآخرون بصلابة رسمية.
هذا المشهد البسيط يخبرك بكل شيء عن طبيعة العلاقة بينهما.
ثمة مفارقة كبرى نختم بها هذا المقال: كتاب وانغ يحمل حجة ضمنية قوية لصالح الاستقرار المرتكز على القيم الجمعية والموروث الحضاري والتماسك الاجتماعي، وهي حجة يجد القارئ العربي فيها صدى مألوفا من تراثه، بيد أن الكتاب وثيقة لعقل سياسي بارد يجعل من القيم أدوات ومن الموروث موارد.
وانغ قرأ أمريكا وهو يريد أن يتعلم، ثم بنى سياسة يريد بها أن يتفوق، والفارق بين التعلم والتفوق فارق جوهري ينبغي أن يبقيه القارئ العربي في ذهنه حين يقيم شراكة بلا شروط معلنة.
العالم الذي نعيش فيه اليوم (التنافس الصيني الأمريكي، ومبادرة الحزام والطريق في أراضينا، وحياد بكين الحساس في صراعاتنا، وطريقة تعاملها مع شركائها العرب) يحمل في طياته صدى دفتر ملاحظات حمله أستاذ شاب في طائرة كانت تهبط في سان فرانسيسكو أواخر أغسطس/آب 1988.
وذلك الدفتر لم يقرأه أحد في العالم العربي بعد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك